الرأي

رحيل إردوغان... صراع داخلي أم مطلب داخلي وخارجي

ميشيل كلاغصي

12 تشرين الثاني 2021 18:40

سنوات طويلة أمضاها رجب طيب إردوغان في المعترك السياسي التركي الداخلي والخارجي، وتنوعت أشكال أدائه السياسي ما بين الغطرسة والعنجهية والتهديد والوعيد، وقوة التصاريح وارتفاع اللهجة والنبرة، وصولاً إلى الصمت حيناً والرد بالمثل حيناً آخر، وتقبّل الإهانة أمام الكبار، ناهيك عن النفاق والكذب... وحَصَدَ عبر السنوات ألقاباً وأوصافاً عديدة كـ "السلطان الواهم"، "راعي الإرهاب"، "الممثل الهابط"، "اللص"، "الأزعر السياسي"، "البلطجي"، "الديكتاتور"، "الأحمق"، "المستبد"، "الطاغية"... إلخ. ولم يبق له سوى كتابة السطر الأخير في سيرته التي أرهقت الداخل التركي ودول الجوار والعالم القريب والبعيد، وسط تزايد مؤشرات رحيله.

وعلى مسافة عامين من الانتخابات التركية، لا يبدو الحراك السياسي الداخلي يصب في صالح الرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية، مع الانضمام اليومي لعديد القوى والأحزاب التركية إلى جبهة المعارضة المناهضة لحكمه، والتي لا يمكن تصور نضالها بعيداً عن اللاعبين الدوليين والقوى الفاعلة في الإقليم والعالم، حتى داخل التكتلات والأحلاف التي تشارك فيها تركيا - إردوغان.

قد لا يؤيد البعض نضوج وتبلور فكرة إبعاد الرئيس التركي وفريقه الحاكم عن الساحة السياسية، لكن يبدو من المهم تصور نتائج الإخفاقات الاقتصادية والمالية لسياسته الداخلية، وتدهور الحريات وامتلاء السجون بالمعارضين السياسيين والصحفيين وأصحاب الرأي ورجال الشرطة والضباط والعسكريين تحت ذرائع حقيقية أو مختلقة، وسط تحميل المعارضة والشارع التركي عموماً الرئيس وحكومته مسؤولية تدهور الحالة الاقتصادية والمالية وتبعات السياسات الداخلية والخارجية الخطرة والخاطئة، التي ستنعكس حكماً على مستقبل الدولة التركية بأكملها.

وبات من الواضح تضعضع النظام التركي وتصاعد موجة الانتقادات الداخلية، ما دفعه لإطلاق مخالبه لتطال المواطنين الأتراك العاديين أيضاً، واتباع سياسة كم الأفواه وعقوبات السجن، على الرغم من أنهم يسمعون ويرون بأم العين تدهور الحالة الصحية للرئيس إردوغان، وكفاحه للنطق ولتحريك ساقيه، ناهيك عن الشكوك حول صحته العقلية والشائعات التي تتحدث عن إصابته بسرطان الكبد، وبنوبات صرع، وصعوبات في التنفس وتشوش ذهني، والعقاقير الطبية التي يستخدمها لتخفيف الرجفان، والآثار الجانبية لها، بما يشمل مزاجية الاكتثاب وموجات الغضب والعصبية.

ونتيجة للأوضاع الداخلية، وانخفاض شعبية الحزب الحاكم ورئيسه، والحملات الحكومية الطائشة، تحركت بعض مراكز الاستطلاع المؤيدة والمعارضة للنظام التركي الحالي (شركة أوبتيمار، شركة عادل غور للأبحاث، وشركات كوندا وسونار وغيرها).. كما خلُصت في آب المنصرم استطلاعات مؤسسة "ميتروبول" المستقلة والأكثر شهرة في البلاد، إلى اعتقاد 53.7% من الناخبين الأتراك بأن حزب العدالة والتنمية سيفقد نفوذه كحزب حاكم في انتخابات 2023، مقابل 37.8% ممن يعتقدون بقدرة الحزب على الاحتفاظ بالسلطة.

كما جاء وفقاً لاستطلاع أجرته لجنة السياسة التركية في مركز "يونيليم" للأبحاث في أيلول الماضي، أن 53% من المواطنين الأتراك فقدوا الثقة في النظام الرئاسي، وسط تراجع مؤيدي الائتلاف الحاكم المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، إلى 47%، فيما عبر 33% فقط عن ثقتهم بالرئيس إردوغان... وعلى مستوى الحراك الحزبي الداخلي، عقدت أحزاب (الشعب الجمهوري، الخير، السعادة، المستقبل، الديمقراطي، وحزب الديمقراطية والتقدم) اجتماعاً في تشرين الأول نوقشت فيه مسألة استعادة النظام البرلماني في تركيا.

قد لا يختلف حال النخب التركية الداخلية عن حال غالبية النخب الغربية، التي استطاعت تقييم السلوك الشخصي والسياسي للرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية، والخطاب المليء بالشتائم، والدور السيئ وسياسة المراوغة والنفاق والعداء والعدوان العسكري والتماهي التام مع الإرهاب والإرهابيين، وبات من الصعوبة بمكان العثور على نعوت وأوصاف جيدة للرئيس إردوغان في الصحافة الأمريكية والأوروبية، خصوصاً ما بعد الانقلاب الفاشل عام 2016.

ولا بد من الإشارة إلى دور الصحافة الأمريكية في التدهور الكبير لصحة إردوغان، وما نشرته "فورين بوليسي" بقلم المعلق السياسي ستيفن كوك ومقاطع الفيديو، التي تظهر إردوغان وهو ينام بشكل مفاجئ، والصعوبات التي يواجهها في المشي والنطق، وعن المسكنات التي يحتاجها قبل إدلائه بالتصريحات العلنية... كذلك ما نشرته "لو بوان" الفرنسية، في مقال تحت عنوان "صحة إردوغان موضع تساؤل"، حيث تناولت خطواته البطيئة وصعوبة نزوله الدرج واتكاؤه على ذراع زوجته... ناهيك عن تقرير صحيفة "إستيا" اليونانية في منتصف تشرين الأول بأن: "أيام إردوغان باتت معدودة".. بالإضافة إلى هاشتاغ "إنه ميت" الذي نشر في 3 تشرين الثاني على وسائل التواصل الاجتماعي التركي، وسارعت قوى الأمن للقبض على 30 مشتبهاً بهم لاتهامهم ومقاضاتهم.

وفي عصرٍ لا يمكن معه إبعاد الكثير من وسائل الإعلام عن التسييس، بالإضافة إلى تلك المعروفة بالترويج والدعم خصوصاً في الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى، يمكن استخلاص أن التركيز على تدهور الحالة الصحية للرئيس التركي وما يرافقها من إشاعات، يفتح مناقشة ملف رحيله على مصراعيها، والتي يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في الانتخابات التركية المقبلة، وتساهم في تحقيق ما يصبو إليه أعداء إردوغان ومعارضيه داخل تركيا وخارجها.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"