الرأي

لبنان.. كان حلما صار كابوسا!

14 تشرين الثاني 2021 16:13

         بقلم: حسن الدّر

شكّلت اتّفاقية "وستفاليا 1648" منعطفًا مفصليًّا في تاريخ العلاقات الانسانيّة، ليس لأنّها أنهت سنوات طوال من الحروب الدّينيّة في أوروبّا، بين أبناء الكنيستين الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة وحسب، بل لأنّها أيضًا، رسمت معالم النّظام العالميّ الجديد، حيث أقرّ كبار قادة أوروبّا جملة مبادئ، ما زالت تحكم العلاقات الدّوليّة إلى يومنا هذا.

وعلى أساس هذه الاتّفاقيّة، بنى فلاسفة علم الاجتماع والسّياسة نظريّاتهم وتصوّراتهم لمفهوم الدّولة والسّيادة والمجتمع، وغيرها من العناوين الفلسفيّة الكبرى.

فرأى الفيلسوف البريطاني "جون أوستن"، في كتابه "قراءات حول الاجتهاد"، أنّ الدّولة "هي نظام قانونيّ توجد فيه سلطة عليا، تتصرّف بوصفها المصدر النّهائيّ للقوّة"، أمّا الفيلسوف السّياسيّ الألمانيّ "فريدريك إنجلز" فيعرّف الدّولة بأنّها "علاقة قهر اجتماعيّة، أي أنّها سيطرة طبقة على مجتمع"، إذا وصلت فيه الطّبقات إلى مستوى تهدّد فيه صراعاتُها وجود ذلك المجتمع، ويؤذِن بانهياره وانحطاطه..

وبناءً عليه، يُناط بالسّلطة الحاكمة مهمّة تكوين عقل جمعيّ وطنيّ، يوطّد العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد، ويخلق لهم مساحة مشتركة تجمعهم في كنفها، على غرار ما فعلته الدّول الأوروبّيّة الحديثة، المنبثقة عن اتّفاق "وستفاليا".

والعقل الجمعيّ، حسب عالم الاجتماع الفرنسي "إيميل دوركايم"، هو "طرق تصرّف وتفكير وشعور، خارجة عن نطاق الفرد، تتمتّع بسلطة قسريّة، تفرض بها نفسها على الأفراد". وهذا العقل ناتج من التّأثير المزمن لمنظومة من العوامل الدّينيّة والتّربويّة والثّقافيّة والاجتماعيّة، وغيرها من العادات والتّقاليد والموروثات، الّتي تراكمت عبر قرون من الزّمن، لتصبح أشبه بلاوعيٍ جماعيّ يحكم مجموعة من النّاس، على اختلاف مستويّاتهم العمريّة والعلميّة والثّقافيّة، فيشكّل هؤلاء مجتمعًا مائزًا، له عاداته وتقاليده، ومعتقداته وخلفيّاته، وسلوكيّاته وتصرّفاته، الّتي قد تختلف عن سلوكيّات وتصرّفات مجتمعات أخرى، لها عقولها الجمعيّة المختلفة.

وهذا العقل الجمعيّ، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسيّ "بيار بورديو"، "يدفن الاختلافات والخصوصيّات والتميّز بين الأفراد، ويستنسخهم" ليصبح أفراد المجتمع وحدة عقليّة ونفسيّة واحدة، حيال القضايا الوطنيّة والاجتماعيّة الكبرى.

وإذا أسقطنا هذه النّظريّات على واقعنا اللّبنانيّ، سنضع إصبعنا على الجرح، الّذي لا يفتأ ينزف كلّما عصفت بنا أزمة سياسيّة أو اجتماعيّة، لأنّنا أهدرنا ثلاثين عامًا على المناكفات السّياسيّة والطّائفيّة، دون أن تسعى السّلطة الحاكمة، منذ اتّفاق الطّائف عام 1992، إلى إنهاء مفاعيل الحرب الأهليّة، ومعالجة آثارها الاجتماعيّة، ولم تعمل على تكوين عقل جمعيّ وطنيّ، يوحّد اللّبنانيين على القضايا المركزيّة، ودون أن تعمل على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة، بل غذّى بعضها الخطاب الطّائفيّ، وأبقى على العقليّة الحزبيّة الحاكمة، وعملت السّلطة، مرغمةً، على حلّ الخلافات على طريقة "تبويس اللّحى" ولم تذهب إلى معالجات جذريّة للانقسامات الحادّة.

والمؤلم المخزي، أنّنا لطالما تغنّينا بلبناننا النّقيض لعدوّنا، وبأنّنا شعب ذو عرق واحد، بطوائف شتّى، بينما عدوّتنا "إسرائيل"، ذات دين واحد، وأعراق شتّى، والمفترض، أنّنا نستطيع، بأصلنا الواحد، وتنوّع مشاربنا الدّينيّة والثّقافيّة، أن نقدّم صورة مثاليّة لتلاقي الأديان وتعايشها، وأن يكون لبناننا نموذجًا، كما أراده الامام موسى الصّدر، ورسالةً، كما وصفه البابا بولس الثّاني.

ولكن، أين نحن من "إسرائيل"، الّتي لملمت شعبها من أربع جهات الأرض، وأحيت لغة ميتة، وشكّلت بتكوينها، أبشع صور العنصريّة الدّينيّة، ورغم ذلك، بنت مجتمعًا متماسكًا، واجهت به محيطها العربي، الّذي كان عدوًّا لها!

أمّا نحن، فعذرًا فيروز، (هدّمت الحروب المدن "ودمّروها" اللي بقيو)

نحن عجزنا، رغم عرقنا الواحد، ولغتنا الواحدة، وتاريخنا الواحد، عن الاتّفاق على بديهيّات قوام الدّولة، فلا قضيّة وطنيّة واحدة تجمعنا، واختلفنا على كلّ شيء، لم نشخّص عدوّنا، ولم نميّز صديقنا، لم نكتب تاريخنا، ليكون عبرة لأجيالنا، بل أنشأنا مدارس حزبيّة وطائفيّة تنشئ الأجيال على هواها، وتؤرّخ كما يحلو لها!

ثمّ فرّطنا بثرواتنا الطّبيعيّة، وهجّرنا طاقاتنا الشّبابيّة، وشيطنّا مقاومتنا، الّتي صانت كرامتنا، وانقسمنا على ذواتنا، حتّى صرنا مجتمعات طائفيّة منفصلة، لها عقول جمعيّة مختلفة، وصار وطننا أشبه ما يكون بـ Puzzle غير متجانس، قابل للتّفكّك والتّفسّخ لأهون الأسباب!وما دمنا في زمن الثّورات، فلا بدّ من ثورة حقيقيّة، ثورة فكريّة واعية، ذات أهداف سامية، ورؤية واضحة، تبدأ بمناهج التّعليم، ولا تنتهي بوسائل الاعلام، مرورًا بسلطة قضائيّة مستقلّة، وقانون أحزاب وطنيّة، لا طائفيّة، ونظام اقتصاديّ منتج، لا ريعيّ، لنصل إلى دولة مدنيّة قويّة وعادلة، تحمي حدودها، وتصون ثرواتها، وتوحّد أبناءها حول همومها وقضاياها، وتشكّل عقلًا جمعيًّا وطنيًّا واحدًا، ذا هويّة واضحة..

الدول المحيطة بناء تعيد ترتيب أوراقها وتحديد أولويّاتها، ونحن ما زلنا نقلّب أوراق حروبنا الدّاخليّة ونستعيد تفاصيلها بأساليب مختلفة، لكنّ النّتيجة واحدة: انقسام حادّ سيؤدّي إلى صدام مدمّر قد ينهي حلمًا جميلًا كان اسمه "لبنان"!

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"