الجمعية العامة والمزيد من القرارات الأممية غير الملزمة

الرأي

الجمعية العامة والمزيد من القرارات الأممية غير الملزمة

ميشيل كلاغاصي

15 كانون الأول 2021 00:47

قبل أيام, اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، عدة قرارات لصالح القضية الفلسطينية وتأكيداً للسيادة السورية على الجولان السوري المحتل, من خلال عملية التصويت التي انتهت بتأييد كبير لكافة القرارات, التي شملت الممارسات الإسرائيلية والأنشطة الاستيطانية التي تمس حقوق الإنسان الفلسطيني والعرب في الأراضي المحتلة, وحول تقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين ودور الأونروا, والتأكيد على ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين وإيراداتها, وفي قرار خاص بسورية, أكدت سيادتها على الجولان السوري المحتل.

بالتأكيد هي قرارات تعكس المزيد من تعرية الوجه الإسرائيلي الحقيقي, وزيادة هامة في عدد الدول المؤيدة للحق السوري والفلسطيني, لكن, تبقى العلة في أصل وتركيبة وهيكلية منظمة الأمم المتحدة – المحسوبة منذ التأسيس-.

إذ تأسست منظمة الأمم المتحدة في عام 1945 وضمت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة, وتضمنت هيكليتها وجود مجلس الأمن والجمعية العامة, حيث تألف مجلس الأمن في البداية من أحد عشر عضواً، ومن ضمنهم خمسة أعضاء دائمين ولاحقاً تم توسيع عضوية المجلس عام 1965 إلى خمسة عشر عضواً، أي عشرة أعضاء غير دائمين وخمسة أعضاء دائمين.

وميزت ما بين صلاحيات وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة, حيث منحت قرارات المجلس صفة إلزامية التطبيق, وحرمت الجمعية منها لتكون قراراتها غير ملزمة, وتركتها لتدور في حلقات القوانين المفرغة والبحث عن النسب "أغلبية – عظمى", "الثلثين" , "النصف + 1", ومنعتها من معالجة أو تقديم أية توصية في المواضيع التي يعتبرها مجلس الأمن قيد النظر, أو تلك التي بدأ بمعالجتها, إلا إذا طلب ذلك منها المجلس بنفسه.

وبذلك منحت الأمم المتحدة الدول الأعضاء الدائمين فرصة مراعاة مصالحهم, والتحكم بمصائر غيرهم من الدول الضعيفة, وبذلك غاب العدل, وأصبحت القوة الأممية الممنوحة لبعض الدول تشكل عامل قوةٍ إضافي لقوتها العسكرية وقدراتها السياسية والاقتصادية, وباتت الدول الضعيفة والمظلومة عاجزة عن الفوز تحت قبة مجلس الأمن, حتى لو أصدر قراراً يحفظ حقوقها, وبقيت إلزامية التطبيق محط شكوك, وربما أمنيات غير قابلة للتحقق, بفضل وجود الدول المارقة, والقوى الخفية التي تحكم وتتحكم بالقرار الدولي من وراء الستار, وسط صمت العالم وانحيازه نحو الظالم ضد المظلوم, ومنح المارقين كالكيان الإسرائيلي الغاصب فرصة القفز على قرارات مجلس الأمن, والإفلات من العقاب.

ومن أشهر البراهين والدلائل, قراري مجلس الأمن 242 الذي اتخذه مجلس الأمن بالإجماع منذ عام 1967 والذي يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها عام 1967 , كذلك القرار رقم 452 بعد تبنيه عام 1979 بأغلبية 14 صوت وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت, ودعا هذا القرار الكيان الإسرائيلي الغاصب للـ "التوقف الفوري عن إقامة وتشييد وتخطيط المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس".

وعلى الرغم من الشكل البراق لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة, لكن التواطؤ الأممي وما يسمى بالمجتمع الدولي ظل مستمراً لتغطية وحماية الاحتلال والتوسع الاستعماري الإسرائيلي, وسارت صياغة إفلات "إسرائيل" من العقاب أممياُ, بالتوازي مع ابتلاعها للحقوق الفلسطينية والسورية.

فما نفع القرارات الجديدة للجمعية العمومية غير الملزمة التي أقرتها تحت عنوان "السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ولأصحاب الأرض السورين في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية"، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته المطلقة على الأرض والموارد, أيُّ نفاق وخداعٍ تمارسه الأمم المتحدة بالتستر على كافة جرائم الاحتلال الإسرائيلي, بإصدار قرارات غير ملزمة, تحت عنوان حماية حقوق الشعبين السوري والفلسطيني, بعيداً عن تطبيق قرارات مجلس الأمن الملزمة بهذا الخصوص ؟.

وفي ظل القرار غير الملزم تجاه السيادة على الموارد, يستمر العدو الإسرائيلي باقتراف مئات الانتهاكات والجرائم ما بعد جريمة الاحتلال, من توسيع لسرقة الأرض العربية, وبناء جدار الفصل العنصري, وتدمير البنى التحتية الفلسطينية, وشن العدوان بشكل دائم على غزة ... فهل تعول الأمم المتحدة على التزام "إسرائيل" بقرار غير ملزم ؟.

من غير المفيد حالياً توجيه اللوم إلى المنظمة الأممية, لكن لا بد من إعادة التذكير, بكافة القرارات والمواقف والخدع والأكاذيب الأممية, التي خذلت من خلالها الفلسطينيين بدءاً من إقرار خطة التقسيم عام 1947, ودفاعها المستميت عن الرواية الإسرائيلية, لدرجة كاد العالم ينسى أن هناك شعباً مظلوماً وأرضاً مغتصبة وحقوقاً فلسطينية وسورية لا يمكن تجاهلها.

بعيداً عن القرارات الأممية , ومن خلال فهم الشعب الفلسطيني والسوري للطبيعة العدوانية التوسعية, والذهنية الإجرامية الإسرائيلية الحاقدة المتطرفة, وعدم إيمانها بالسلام وبإعادة الحقوق, أثبتت التجربة أن المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي هي الطريق الوحيدة لانتزاع الحقوق واستعادة الأرض والسيادة والثروات, كما أثبتت أن غطرسة العدو وعنجهيته وقوته المفترضة يمكن هزها وخلخلة الأرض من تحتها, وأثبتت المواجهات المباشرة العديدة أن "الكيان الإسرائيلي" أوهن من بيت العنكبوت, ويمكن بفضل تضافر جهود محور المقاومة أن يقتلع هذه الشوكة من خاصرة الأمة .

لنا كل الفخر بالمقاومة الفلسطينية المؤمنة بالسلاح والكفاح وبالنصر الأكيد ، وبقدرات الجيش العربي السوري, والصمود التاريخي لأهلنا في الجولان السوري المحتل, وقوة حزب الله, والحشد الشعبي, وأبطال اليمن, وتتويجاً بقوة جمهورية إيران الإسلامية وجيشها وحرسها الثوري, وبمساعدة كل شرفاء العالم, وبأن الأمل كبير ويتعاظم في كل يوم, على حساب التراجع والتقهقر الذي يعاني منه الكيان الغاصب وخصوصاً في صفوف جيشه الجبان وقلوب مستوطنيه, وضعف مؤسسته السياسية التي باتت تنتج الضعفاء والموتورين واللصوص , الذين يعلقون اّمالهم على بقاء القوات الأمريكية في العراق وسوريا والمنطقة العربية, ويعولون على تخاذل عديد الأنظمة العربية التي انزلقت في وحل وخديعة التطبيع المجاني والسلام المزعوم, مع عدو لا يؤمن بالسلام, وسط غضب الشعب العربي من المحيط إلى الخليج, رفضاً لاتفاقيات الذل والاستسلام.

وفي هذه الأجواء , رحبت الخارجية الفلسطينية بالمواقف الدولية التي اعتمدتها الجمعية العامة, الرافضة لمخططات الاحتلال الاستيطانية, لكنها في الوقت نفسه, اعتبرت أن هذه المواقف والجهود والقرارات غير كافية ويجب ترجمتها إلى إجراءات كفيلة بإجبار الاحتلال على وقف سرقة الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية ومحيط مدينة القدس المحتلة وفي مقدمتها القرار 2334 الذي يدين الاستيطان الإسرائيلي ويدعو إلى وقفه على الفور.

كذلك, جدّد أهالي الجولان السوري المحتل التأكيد على رفضهم مخططات الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية على أرضهم، مجددين تشبثهم بكل ذرة من ترابها وصمودهم في مواجهة محاولات الاحتلال تهجيرهم قسرياً منها.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"