الرأي

جذور الخلافات الروسية الأمريكية .. وماذا عن التوقعات المستقبلية

هشام الهبيشان

14 كانون الثاني 2022 22:32

تزامناً مع تهديد أمريكا بفرض مزيد من العقوبات الأمريكية على روسيا على خلفية التطورات العسكرية على الحدود الروسية الأوكرانية والتطورات الأخيرة في كازاخستان قلت فرص بعض الحديث والتحليل المتفائل الذي يبديه البعض بخصوص نشوء حالة من التقارب بين الروس ورثة الاتحاد السوفيتي وبين الأمريكان رأس حربة حلف الناتو على خلفية وصول بايدن لسدة البيت الأبيض.

ولكن الواقع المؤكد بهذه المرحلة أن كلا الدولتين الروسية والأمريكية تعيشان الآن بحالة حرب سياسية ساخنة جداً قد تتطور مستقبلاً لصدام عسكري غير مباشر، وعلى الأغلب سيكون مسرح هذا الصدام العسكري هي الأراضي الشرق أوكرانية الانفصالية وتحديداً من مدينتي دونيتسك ولوغانسك ، أو منطقة شرق المتوسط، وهنا نقرأ أن جميع المؤشرات المتولدة من قرار بوتين المشاركة وبقوة بمسار ما جرى بكازاخستان مؤخراً، تؤكد بأن الروس بهذه المرحلة تحديداً، وأكثر من أي وقت مضى اصبحوا بشكل أكثر واقعية تحت مرمى وتهديد مشروع أمريكا وحلفائها، فهم اليوم باتوا بين مطرقة الدرع الصاروخية الأمريكية التي باتت بحكم الواقع قريبة من الحدود الروسية، وتشكل خطراً محدقاً بأمن المنظومة العسكرية الروسية، وخطر خسارة أوكرانيا لصالح الغرب، واحتمال فقدها لكثير من مناطق نفوذها بالشرق الاقصى والشرق الاوروبي وبالشرق العربي ، وسندان تقويض جهودها التوسعية والوصول إلى مناطق ومراكز نفوذ جديدة والاستغناء عن مراكز نفوذها القديمة لصالح القطب الأوحد الأمريكي والانكفاء على نفسها ، وليس بعيداً عن كل ذلك الملف السوري وغيره من الملفات وخصوصاً الثروات الطبيعية وملفات حقول الطاقة بالدول التي تتحالف مع الروس “الثروات الطبيعية الايرانية – كمثال” ، ومن جهة أخرى يدرك الروس حجم المؤامرة الأمريكية ، والتي أفرزت ما يسمى “بحرب النفط” ، والتي تستهدف إركاع القوة الروسية ، والحد من تصاعد النفوذ الروسي بالإقليم العربي.

البعض يعتقد أن الروس كسبوا عندما انفصلت شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا أو أن الروس سيكسبون أيضاً إذا أعلنت بعض مناطق الشرق الأوكراني انفصالها عن أوكرانيا ، وهذا الموضوع بالذات هو خسارة كبيره لروسيا والروس أنفسهم يدركون ذلك فهم خسروا ما كان بالأمس يحسب بالمطلق عليهم وربحوا اليوم جزء من ما كان بالأمس يحسب عليهم ، فهم خسروا تقريباً الكل واستطاعوا ان يعيدوا جزء من الكل لهم وهذا بتحليل وقراءة الجغرافيا السياسية وبعلم السياسة الدولية هو خساره سياسية وأمنية فادحة بالنسبة للروس ، فاليوم هم أصبحوا شبه محاصرين فمن الشرق والشمال نصبت الدرع الصاروخية الأمريكية والجنوب والغرب بدأ تدريجياً يخرج عن نفوذهم ، وبوتين نفسه يدرك حقيقة هذه الأخطار.

والسؤال هل ستسمح روسيا لأمريكا بأن تملي عليها وتفرض عليها واقعاً جديداً؟ وخصوصاً بعد الضربة القاسية لروسيا بعد خسارتها لأوكرانيا لصالح الغرب ، فاليوم الروس يواجهون مشروع غربي الهدف منه تقويض الجهود الروسية في الوصول إلى مراكز قوى جديده ومناطق نفوذ أوسع تحقق لهم قوه دراماتيكية على الصعد السياسية وحينها ستكون روسيا واحدة من القوى الأكبر دولياً المؤثرة أكثر من أي وقت مضى بصناعة القرار الدولي ، فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي وانقسام جمهوريات الاتحاد إلى كانتونات متفرقة ومع تعدد انتماءاتها وولاءاتها ، أصبح الغرب يتطلع أكثر وأكثر إلى كسب هذه الجمهوريات إلى صفه لتكون ورقة ضغط على الروس في أي تسويات دولية مقبلة لتقاسم مراكز القوه والنفوذ والثروات في العالم ، وحينما أدرك الروس أن الغرب تمادى أكثر وأكثر بهذه الممارسات الاستفزازية ، وبدأ الحديث عن نظام الدرع الصاروخي المنصوب شرقاً وعلى مقربه من الدولة الروسية في بعض الجمهوريات التي كانت تحسب عليهم في حلفهم واتحادهم السابق وهو الاتحاد السوفيتي في بعض جمهوريات الشرق الأوروبي وبعض دول الشرق الآسيوي ، بالإضافة إلى تركيا وبعض دول جوارها الاوروبي، حينها أيقن الروس وأخذو القرار بأنهم عليهم التكشير عن أنيابهم أمام هذه الغزوة الكبرى والتهديد المحدق بهم.

بمطلع شهر أب من عام 2008 قامت القوات الجورجية بهجوم عسكري من جورجيا على مقاطعتي أبخازيا وجنوب أوسيتيا المواليتين للروس ، وبعدها قامت القوات الروسية بهجوم مضاد سريع وعنيف على جورجيا لتحسم المعركة بوقت قصير جداً ، ويعلم جميع المتابعين لخفايا ما وراء الكواليس أن الروس لم يقرروا الولوج بمعركة جورجيا إلا لإيصال رسائلهم للغرب وأمريكا ، وحينها وصلت الرسالة وبدأت هذه الدول وخصوصاً أمريكا بإعادة دراسة لسياستها الخارجية اتجاه روسيا بعد حرب جورجيا ، بعدما وصلتهم الرسالة الروسية شديدة اللهجة والإنذار الأخير لهذه الدول بأن روسيا سترد على كل من يهدد أمنها ومراكز نفوذها ، فمنذ تلك الواقعة نرى الموقف الغربي في تشدد أحياناً اتجاه روسيا ببعض قضايا دولية وبتوافق بأحيان أخرى وبخلاف سياسي ببعض حالات ، مع العلم أن هناك مجموعة من الخلافات حصلت بعد حرب جورجيا خلافات دبلوماسية احياناً واقتصادية احياناً اخرى وأمنية ببعض أحيان وتشابك وتعقيدات ببعض الملفات مثل ملف ايران النووي وكوريا الشمالية وافغانستان وغيرها من الملفات.

في مطلع عام 2011 ، أنطلق ما يسمى “الربيع العربي” وبدأت هنا مرحلة جديده فمراكز النفوذ بدأت بالتحول ومراكز القوى تغيرت، وهنا قرر الغرب أنه يجب إعادة تقسيم الكعكة العربية ، ومن هنا انطلقت أولى هذه الخلافات حول الربيع العربي وتوزيع مراكز القوى فيه ، بين الغرب وروسيا ، وأولى هذه الخلافات كانت في ليبيا وعندها طعنت دول الغرب روسيا بالظهر في ملف ليبيا وحينها خسر الدب الروسي مركز نفوذ في المغرب العربي وشمال إفريقيا كان يشكل عامل أمان للروس وقوة في هذه القاره ومعبر أمان للدولة الروسية للاتساع والولوج أكثر بعلاقاتها مع باقي دول المغرب العربي وشمال افريقيا وشرقها فبعد أن أدرك الروس أنهم طعنوا من دول الغرب وأدركوا ان هناك مؤامرة كبرى تستهدف مراكز نفوذهم بالمنطقة العربية .

وعندما أتسع نطاق هذا الربيع العربي ووصل الى سورية برزت إلى الأحداث “الورقة السورية” وهنا استمات الروس بالدفاع السياسي والإمداد اللوجستي العسكري والاقتصادي للدولة العربية السورية وجيشها العربي ، ومن مبدأ أنها إذا خسرت سورية فأنها ستخسر نفوذها وقاعدتها الأخيرة وحلفها الأخير مع دول المشرق العربي ، فهي بسورية تسير بخط ونهج مستقيم غير قابل للتشكيك لأنها تدافع عن نفسها اليوم من سورية فإذا سقطت سورية فالروس يدركون أن الهدف القادم للغرب ولو تدريجياً سيكون روسيا ولذلك هم اليوم يستميتون بسورية، فساسة وجنرالات موسكو يؤكدون بمواقفهم أنهم يسيرون بسورية بخط ونهج مستقيم غير قابل للتشكيك ، ومن مبدأ أن موسكو تدافع عن نفسها اليوم من دمشق فاذا سقطت دمشق فالروس يدركون أن الهدف القادم للغرب ولو تدريجياً سيكون موسكو ولذلك هم اليوم يستميتون بسورية ، فهم أدركوا حقيقة المؤامرة الكبرى عليهم اولاً وثانياً على الدولة السورية.

ختاماً ،يبدو واضحاً أن روسيا لن ترضخ أمام كل هذه الضغوط ، التي تفرضها عليها واشنطن وحلفائها اقتصادياً وأمنياً وسياسياً ، والواضح أن الدب الروسي سيكشر عن أنيابه من جديد ليعيد الكرة إلى الملعب الأول عن طريق الولوج بمعركة مفتوحة سياسية وعسكرية غير مباشرة مع قوى الناتو والهدف من هذا العمل العسكري “المتوقع″ في أوكرانيا ،هو ايصال رسائل موسكو مجدداً للغرب وحلفائه بأن الروس موجودين ولن يتنازلوا وسيستمروا بالتوسع بكل الاتجاهات ، والمرحلة المقبلة من المؤكد انها ستعطينا صورة أوضح لملامح وشكل موازين القوى بالعالم الجديد التي يتم صنع موازين القوى ومراكز النفوذ فيه من جديد.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"