الرأي

وحدها الإملاءات الأميركية تدفع إسرائيل إلى دعم أعدائها في كييف؟

ميشيل كلاغاصي

8 آذار 2022 16:32

تسبّب اعتراف روسيا باستقلال دونيتسك ولوغانسك بإرباكٍ داخل الكيان الإسرائيلي، وتردّد الجميع في اتخاذ موقفٍ واضح، على غرار أغلبية دول العالم وحكوماته.

وقاد الارتباك المسؤولين الإسرائيليين، بعد مشاورات مكثفة في وزارة الخارجية الإسرائيلية ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إلى منع مسؤولي الائتلاف الحاكم من الإدلاء بأي تعليق من شأنه إفساد العلاقات بروسيا والإضرار بالمشاريع المشتركة بينهما، ومن جهةٍ أخرى توجّس الإسرائيليون من أن صمتهم قد يثير التوتر مع حلفائهم الغربيين، وتحديداً مع الولايات المتحدة، التي تعتمد حالياً على القيادة والحكومة والشعب الأوكراني، وعلى تهييج مشاعرهم المعادية لروسيا والشعب الروسي وتجييشها.

وفي اجتماع مجلس وزراء الاحتلال السياسي والعسكري، الأسبوع الماضي، طالب رئيس وزراء الاحتلال، نفتالي بينيت، وزراء حكومته بالتزام الصمت، وأكد أن "إسرائيل" ليست طرفاً في هذا الصراع... ومع بدء العملية الروسية الخاصة من أجل نزع السلاح في أوكرانيا، أصبح الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحاً، ودان وزير الخارجية الإسرائيلي التحرك العسكري الروسي في بيان قال فيه إن "الحرب ليست طريقة من أجل حل النزاعات".

من خلال تلك الإدانة، أكدت سلطات الكيان الإسرائيلي تجاهلها جهود الدولة الروسية عبر ثمانية أعوام، ومطالبتها المجتمع الدولي بالتدخل الدبلوماسي، ودفع الرئيس الأوكراني وحكومته إلى التزام اتفاقية مينسك، ووقف ممارساته القمعية والعنصرية ضد الأوكران الروس في دونباس، ومنعه وعصاباته اليمينية النازية من الاستمرار في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحقهم، بتحريضٍ واضح ومكشوف من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية.

مرةً أخرى، تُثبت سلطات الكيان الإسرائيلي سياسة ازدواجية المعايير التي تعتمدها، بين أقوالها وممارساتها العدوانية الاحتلالية الإجرامية، وباعتمادها على تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية والاغتيالات التي ارتكبتها، ولا تزال ترتكبها، بحق الفلسطينيين والسوريين والإيرانيين واللبنانيين وغيرهم، والتي لم تُقابَل بإدانة أو ردع أممي أو أميركي وأوروبي، أو من المجتمع الدولي بصورة عامة، وعلى العكس تماماً، فهي تحصل على المكافأة والدعم، مالياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً، علاوة على ذلك، تُكافَأ باتفاقيات "أبراهام" والتطبيع المذل مع عدد من الدول العربية، التي لم تعد تراها عدواً، بل تعدّها "حليفاً محتملاً"، بحسب ولي العهد السعودي.

في أواخر شباط/فبراير، رفضت خارجية الاحتلال الإسرائيلي طلب نظيرتها الأميركية المشاركةَ في صياغة قرار إدانة "الغزو الروسي"، والذي تم طرحه للتصويت في مجلس الأمن، في حين لم يتأخر المستشار الألماني في التخلي عن هويته الألمانية ومصالح بلاده، وتحوّل، في لحظات، إلى مندوب أميركي، وقام بزيارة عاجلة لـ"تل أبيب" من أجل إقناعها بالتصويت لمصلحة القرار.

وبناءً على تعليمات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي ووزير خارجيته، قرّرت "إسرائيل" دعم قرار الإدانة الروسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصدر بيانها، على لسان نائب السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، وانضمّت، في ذلك، سلطات الكيان الإسرائيلي رسمياً إلى جوقة المدافعين عن النازيين الجدد وأعداء السامية في كييف، ومرتكبي جرائم الإبادة الجماعية بحق أهالي دونباس، وتجاهلت الخلافات والصدامات التي حدثت بين الأوكران اليهود والسلطات الأوكرانية، وقيام مجموعات يهودية أوكرانية بإحراق نصب ديني على هيئة صليب عام 2018، معتبرين أنه "مزعج"، وكذلك في العام الماضي، في موسم الحج الحسيدي السنوي في بلدة أومان في محافظة تشيركاسي في وسط أوكرانيا، عندما شهدت مراسم دفن الحاخام المؤسس لحركة الحسيديين صدامات عنيفة، طالت أحد الحاخامات المشاركين في المناسبة، وتعرض للاعتداء والضرب، وسط تقاعس السلطات الأوكرانية عن القبض على الفاعلين الأوكران.

كما تجاهلت وجود الأوكران واحترامهم لعشرات النصب التذكارية لأبطالهم، الذين تُطلَق أسماؤهم على المدارس والشوارع الرئيسة. وهم – بحسب الرواية الإسرائيلية - ممن قاموا بإبادة اليهود، وإحراقهم وطعنهم وإطلاق النار عليهم ودفنهم وهم أحياء، وكيف لها اليوم أن تدعمهم، ولا ترى فيهم قتلة اليهود بسبب السياسات التي تتّبعها سلطات كييف، والتي شكّلت رغبة عامة وفرصةً لليهود في مغادرة أوكرانيا في اتجاه الكيان الإسرائيلي.

على ما يبدو، فإن قادة الكيان الإسرائيلي يتجاهلون كل ما يُغضب الإدارة الأميركية، ويتصرفون على أساس الإملاءات التي تصلهم من البيت الأبيض، في حين أنهم يملكون مخططهم الخاص من أجل تثبيت حضورهم في خطّ الاشتباك الدولي في أوكرانيا بعد أن استسلم الرئيس الأوكراني وتخلى عن عدائهم التاريخي من أجل مجابهة الروس، وأعتقد أن على موسكو أن تتوخى الحذر.

لا يمكن لقادة الكيان التضحية بعلاقاتهم وتواصلهم مع روسيا، وتبدو "تل أبيب" في حاجة إلى تلك العلاقات أكثر مما تحتاج إليها موسكو، كان عليهم تفهّم مخاوفها من توسع الناتو شرقاً، ووجود سلطةٍ أوكرانية لم تتوقف عن استفزاز القيادة الروسية، بما في ذلك الاستفزازات النووية، وكيف لهم، بعد اليوم، مطالبة موسكو بتفهّم مزاعمهم وهواجسهم في صراعهم مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، ناهيك بكوابيسهم التي تتحدث عن "القنبلة" النووية الإيرانية...

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"