الرأي

مستقبل الحروب والعقوبات الأمريكية الأحادية الجانب

ميشيل كلاغاصي

15 أيار 2022 08:20

منذ اللحظات الأولى لانطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة لنزع السلاح النازي في أوكرانيا، انطلقت وسائل الإعلام حول العالم، بمراسليها وكتابها ومحلليها، وكلٌ بحسب منظوره وتقييمه ومصالحه الخاصة لرصد ما يحدث، واحتلت أخبار حزم العقوبات الأمريكية والأوروبية المتتالية على روسيا صدارة العناوين الإعلامية.

وعلى الرغم من وضوح الرؤية والحقيقة، والصبر الروسي، على فظاعة ما تعرض له الأوكران الروس لسنوات في دونباس، من قتلٍ وتعذيب وإبادة جماعية، ومن المحاولات الدؤوبة لتوسيع تهديد الناتو باتجاه روسيا، لم يستطع العالم أن يُجمع ويجتمع على تقديم الحلول العقلانية السلمية لإنهاء واقتلاع جذور الأزمة، وسط تهرب الولايات المتحدة من تقديم الضمانات الأمنية التي طالبت بها موسكو لحماية أمنها القومي والحيوي، نتيجة عدم التزام حلف الناتو بتعهداته حول التوسع شرقاً، ووصوله إلى الحدود الروسية عبر حكومة النازيين في أوكرانيا، الأمر الذي يؤكد المخطط الصهيو - أمريكي لجرّ روسيا وأوكرانيا وجميع الأطراف الأوروبية والدولية نحو ساحة المعركة.

وكي نتبعد عن المثالية السياسية، وحقيقة لجوء بعض الحكومات والدول إلى استراتيجية افتعال الأزمات وشن الحروب لتحقيق مصالحها، إلاّ أن الإجماع السلمي يبقى على مستوى غالبية الشعوب، التي لا يسرها رؤية الأسلحة والطائرات تجوب سماء المدن والمجتمعات الإنسانية، وما يعقبها من مشاهد مؤلمة للتهجير واللجوء ومغادرة البيوت والحقول والمصانع، والسير عبر أسلاك الحدود الشائكة بحثاً عن النجاة بحياتهم، وبملجأ اّمن وببعض الغذاء والدواء.

فالدول العاقلة، بالإضافة إلى غالبية شعوب العالم، لا يؤيدون العقوبات الأمريكية أحادية الجانب التي تفرضها على الدول والشعوب بشكلٍ لا قانوني، بما يتعارض مع القيم والحقوق الإنسانية، ومع نصوص وروح ميثاق الأمم المتحدة، إذ تلجأ إليها الولايات المتحدة ومن يدورون في فلك هيمنتها وسطوتها، من رؤساء وأنظمة حاكمة، تأصل الشرّ في قلوبهم وعقولهم، ويحلمون بالدعم الصهيو – أمريكي، كوسيلةٍ لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب دولهم وشعوبهم، كالأوكراني زيلينسكي والفرنسي ماكرون والألماني شولتز.

على الرغم من معارضة بعض الدول لهذه الحرب وتلك العقوبات، ورفض البعض منهم إملاءات واشنطن السياسية والاقتصادية، الهادفة إلى فرض الإرادة الأمريكية في المعركة، وسط محاولات البعض الوقوف على الحياد، وعدم خسارة علاقاته مع كلا الطرفين، لكن هذا لم يكن ليفي بالغرض، ولم يمنع واشنطن من الاستمرار بمخططاتها.

ومن خلال فرض هذه العقوبات، تبدو ازدواجية المعايير جليةً، حتى بالقياس والمقارنة مع مفردات وعناوين الحملة الإعلامية والسياسية , التي شنتها على روسيا، وتركيزها على استخدام مصطلحات مزيفة كـ "العدوان الروسي"، "جرائم الحرب"، و"جرائم الإبادة الجماعية" الروسية، وهي ذات العناوين التي يقوم بها فعلياً العدو الإسرائيلي في فلسطين والجولان السوري المحتلين، حتى في أوكرانيا، والاحتلالين الأمريكي - البريطاني والتركي، وأدواتهما الإرهابية والانفصالية، في سورية والعراق، دون أن إدانة أممية ودولية، وسط صمتٍ مخزي أكثر من 19 عاماً في العراق، و12 عاماً في سورية، ناهيك عن عقود احتلال فلسطين والجولان.

لقد سارعوا لإدانة روسيا، وتوعدوا بجعلها تدفع الثمن، وانطلقوا لتعميم الفوضى والحروب حيثما تصل أياديهم، وهددوا الأمن القومي الروسي والأوراسي والصيني والأوروبي والتركي والسوري والعربي، والأمن الاقتصادي والغذائي والزراعي والمائي لجميع دول وشعوب العالم، بالإضافة إلى خلق الأجواء التي تهدد العالم بالحروب العالمية الشاملة الجرثومية والكيميائية والنووية.

هل فكر العالم بمستقبل السياسات الأمريكية، وتداعياتها على حياة جميع ساكني الكوكب، ماذا عن الجوع، وارتفاع أسعار السلع الغذائية والأدوية، وعن التهجير، وسفك الدماء، ومن هو المستفيد من إيلام البشر، وتدمير دولهم وحياتهم، ومستقبل أجيالهم، من أجل بقاء الولايات المتحدة على عرش حكم العالم والسيطرة عليه.

ما الذي يدفع دول العالم وشعوبه، لقبول دفع فواتير الأوهام والأحلام والأطماع والكراهية، التي يتم توجيهها نحو دولٍ بعينها، كروسيا وسورية وإيران وكوبا وفنزويلا وغير دول، لمجرد أنها رفضت الاستسلام والخضوع لمشاريعهم، وهل من مصلحة العالم أن تُهزم روسيا قبل أن تنفذ وعدها بـ "تصحيح التاريخ"، وتصحيح سلوك ومسار الأمم المتحدة، وعودتها إلى واجباتها مهامها التي أُنشأت من أجلها، وعلى رأسها الحفاظ على التوازن الدولي واستقراره، وحماية الدول الضعيفة، وتقديم العون والمساعدة لكل من يحتاجها على مساحة العالم

لطالما كانت أهداف الدول الكبرى السعي لزيادة نفوذها، لكن النظام الأحادي، منح أرباب الشر في الولايات المتحدة، فرصة الهيمنة على العالم، واليوم اّن الأوان لزوال هذا النظام الشرير، مع صعود عديد الدول، وقدرتها على التعاون، وإيجاد الحلول السلمية والعقلانية لكافة المشاكل والصعوبات والتحديات التي تواجه الدول والشعوب.

وفي ضوء الأزمة الدولية في أوكرانيا، والتغييرات والتداعيات والمخاطر الناشئة، لا تزال فرصة تصحيح الأمور متاحة، لمن يقرأ السطور وما بين السطور، فالمراهنة على الولايات المتحدة هي مراهنة على استمرار تهديد السلم العالمي، ومن المهم لطالبي ومحبي الأمن والسلام، أن تُبحر مراكبهم وملاحتهم السياسية، باتجاه روسيا والصين وعديد الدول العاقلة.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"