تقرير إعلامي أمريكي يبين أسباب مشكلة المخدرات في السعودية ودور الطلب الداخلي فيها

تقارير وحوارات

فورين بوليسي: الطلب الداخلي والتهريب أبرز أسباب مشكلة المخدرات في السعودية

26 أيار 2022 19:13

سلطت مجلة فورين بوليسي الأمريكية في تقرير لها العام الماضي، الضوء على أزمة المخدرات في المملكة العربية السعودية من جميع جوانبها، عبر تبيان كيفية دخوله إليها من طرق التهريب المتعددة، وصولا إلى تفشي تعاطي المخدرات داخلها، وسط عوامل داخلية تجعل من الصعب احتواء هذه الظاهرة الخطيرة.

حيث أشارت المجلة إلى أن ثلاث عمليات ضبط مخدرات متتالية خلال الشهر الماضي، قد كشفت عن حجم مشكلة المخدرات في المملكة العربية السعودية، كان أولها خلال بادرة تعاون نادرة، إذ صادرت الحكومة السورية أكثر من 500 كيلوغرام من الأمفيتامينات المسببة للإدمان المعروفة باسم الكبتاغون، كانت مخبأة في شحنة معكرونة متجهة إلى الرياض، وبعد أيام قليلة، صادرت السلطات السعودية أكثر من 30 مليون حبة من المواد المسكرة مخبأة في شحنة هال (هيل) مستورد، ثم أحبطت قوى الأمن الداخلي اللبنانية في منتصف كانون الأول (ديسمبر) محاولة تهريب أربعة ملايين حبة كبتاغون إلى الرياض عبر الأردن، وكانت مخبأة هذه المرة في أكياس قهوة.

وبينت فورين بوليسي، بأن عمليات مصادرة الكبتاغون أمست أمراً اعتيادياً داخل السعودية، وتشير الأبحاث وفق زعم المجلة بأن حبوب الكبتاغون تُنتج بكميات كبيرة في سورية ولبنان، بسبب زيادة طلب السعوديين عليها، وهي حبوب صغيرة الحجم وسهلة التصنيع، وهكذا باتت السعودية سوقاً مربحة لدى تجار المخدرات، وبرزت كعاصمة لاستهلاك المخدرات في المنطقة.

كما أفادت بأن الكبتاغون أصبح الموضة الجديدة في أغنى دولة عربية، فهو يحسن المزاج ويُبقيك مستيقظاً ومنتشياً، ولكن لديه مخاطر صحية دائمة، ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، ضُبط في الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2019 أكثر من نصف مجموع الكبتاغون المصادر في الشرق الأوسط في السعودية، وقد انتشر لأول مرة في المنطقة خلال الأزمة السورية، حين كان المقاتلون يتعاطون حبوبه للصمود في المعارك الطويلة. ولكن مع مرور الوقت وبعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس السوري بشار الأسد والمقربين منه، أنشأت تجارة هذا المخدر اقتصاد ظل خاصاً بها، ويتم اتهام الحكومة السورية بأنها متورطة في تهريب المخدرات بنشاط، أو أنها على الأقل تستفيد منه وتغض الطرف عنه، وفق تعبير المجلة.

وزعمت المجلة كذلك بأن سورية، والمناطق الخاضعة لسيطرة حزب الله، قد أصبحت مراكز إنتاج رئيسية للمخدرات، وفي العام الماضي وحده، قُدّرت قيمة الحبوب المضبوطة المصنعة في سورية بـ 3.46 مليار دولار؛ في المقابل، كان مجموع الصادرات من سوريا ولبنان أقل من 5 مليارات دولار في عام 2019.

ولفتت فورين بوليسي، إلى أن الطلب على الكبتاغون قد تضاعف في السعودية، وهي دولة لا تحتوي إلا القليل من أماكن الترفيه، لكن جاذبية الكبتاغون المتزايدة لم تقلل من الطلب على القنب والقات، إذ يأتي القنب عبر طرق متعددة، من أفغانستان إلى إيران ثم العراق فالسعودية، وعبر لبنان وسوريا غالباً عبر الأردن، وفي الآونة الأخيرة، جُلب القنب عبر اليمن، أما القات فيأتي بالكامل تقريباً من اليمن وقد جُلب أول مرة على يد شيوخ الصوفية في القرن الرابع عشر، ما خلق قبولاً اجتماعياً لهذا المخدر.

وأضافت المجلة، الكبتاغون أنتج أول مرة في ألمانيا لعلاج الخُدار والاكتئاب، من بين أمراض أخرى، ثم حُظر تعاطيه في الثمانينيات عندما قرر الأطباء أن مساوئ إدمانه تفوق فوائده، في البداية، استمرت العصابات الإجرامية في بلغاريا وتركيا في تصنيع هذا المخدر، ووجدت في النهاية طريقها إلى سهل البقاع في لبنان وسورية، ويجري حالياً توجيهها نحو الرياض عبر الأردن ومصر، وكذلك أوروبا لتضليل السلطات السعودية.

واعتبرت المجلة بأن الحكومة السعودية تخشى من أن تجارة المخدرات تساعد المليشيات والجماعات المناوئة لها وتمول من تعدّهم شبكات إرهابية، وألمحت إلى أن حزب الله يقف وراء إنتاج ونقل القنب والكبتاغون إلى البلاد، في الواقع، يظن الخبراء أن حظر السعودية الذي فرضته في نيسان/أبريل على الواردات اللبنانية كان سيصيب حزب الله بخسارة، مشيرة إلى أن حزب الله أنكر على الدوام تورطه في أي نوع من تجارة المخدرات، لكن الأهم من ذلك كله، أن السعوديين قلقون بشأن تأثير هذه العقاقير التي تسبب الإدمان على أجيالهم الشابة.

وأوضحت فورين بوليسي، بأن غالبية متعاطي المخدرات السعوديين ينتمون إلى الفئة العمرية من 12 إلى 22 عاماً، ويستخدم 40% من مدمني المخدرات السعوديين الكبتاغون.

وتمارس الرياض ضغوطاً دبلوماسية لمحاربة استيراد المخدرات، مع حظرها على المنتجات الزراعية من لبنان والتهديدات باستمرار عزلة الأسد إذا لم يحتوِ تدفق الحشيش والكبتاغون إلى خارج سورية، من بين أمور أخرى، لكن النضال الأكبر داخلي، إذ كيف يمكن للرياض أن تخفض الطلب على المخدرات في مجتمع يقدم القليل من الترفيه ويفرض قانوناً اجتماعياً صارماً على الشباب؟

ويظن بعض الباحثين أن الملل والقيود الاجتماعية هي السبب الرئيسي لتعاطي المخدرات في السعودية، ورحبوا بالإصلاحات التي أدخلها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقالوا إنه مع فتح مزيد من قاعات السينما، والسماح لكلي الجنسين بالاختلاط، سيقل الاعتماد على المخدرات، فيما يتبنى آخرون وجهة نظر معاكسة تماماً ويقترحون أن الإصلاحات الاجتماعية، مثل السماح للنساء بقيادة السيارات والحفلات الموسيقية، تسبب صداماً ثقافياً أدى إلى ارتفاع معدل تعاطي المخدرات بصورة غير مقصودة، وهم يؤكدون أن تعاطي المخدرات سيزداد مع ابتعاد الشباب السعودي عن أسلوب الحياة الإسلامية والميل نحو الثقافة الغربية، والتي تقول إحدى المراجعات الأدبية أنها تروج لتعاطي المخدرات و"وتبالغ في تصوير آثارها الممتعة".

لكن البيانات تشير إلى تفشي تعاطي المخدرات قبل إدخال الإصلاحات الاجتماعية، فسهولة توافر المخدرات، وغياب حكم الإسلام القاطع بشأن هذه المسكرات، وغياب الأنشطة الترفيهية، كلها عوامل تزيد من حدة المشكلة بلا منازع.

ونقلت فورين بوليسي، عن شاب أسمه رائد (28 عاماً)، وهو عربي درس في السعودية وينتظر تجديد إقامته، والذي تحدث إلى المجلة بشرط عدم الكشف عن هويته لتجنب "الوقوع في مشاكل" مع السلطات السعودية عند عودته، قوله عن الفترة التي قضاها في الرياض: "بالطبع كنا نتعاطى المخدرات، لقد أصابنا ضجر شديد، فلم يكن يُسمح لنا بالتحدث إلى الفتيات، أو الذهاب لمشاهدة فيلم، أو الذهاب إلى الحانة لتناول الجعة. ولم يُسمح لنا إلا بتناول القهوة في ستاربكس [Starbucks]، والتجول في أرجاء المكان وارتياد المطاعم في أحد المراكز التجارية، ولكن هذا لا ينطبق عليّ بمفردي، كنا جميعاً نتعاطى الحشيش الأفغاني وما زال العديد من أصدقائي يتعاطون".

ولفتت المجلة إلى أن القانون السعودي يُعاقب على تهريب المخدرات بالإعدام، لكن في معظم الحالات، تختار السلطات جلد المعصم مع الشباب، ويطلقون سراحهم مع إنذار، ويعود القبول الثقافي للقات والقنب إلى أن العديد من الشباب السعودي يعتقدون أن المخدرات مقبولة في الإسلام.

ويعدّ إعلام الناس بالآثار الضارة التي تسببها المخدرات تحدياً صعباً للسلطات السعودية؛ والأصعب منه محاربة القبائل ذات النفوذ والحسب، والتي تحصل على مبالغ مالية كبيرة لتسهيل مرور المخدرات وتوزيعها.

كما أصبح المهربون أدهى، فعلى سبيل المثال، منذ أن حظر السعوديون الواردات الزراعية من لبنان، ابتكر منتجو الكبتاغون مخابئ ماكرة، فقد أخفوا الحبوب داخل الأثاث، بل داخل مضخات المياه حتى.

وبحسب المجلة فقد رأى رائد بأن القضاء على المخدرات كلياً أمرٌ قد لا يتحقق، بصرف النظر عن الضغوط الاجتماعية والقانونية لإطاعة تعاليم الدين، في الواقع، كان رائد يظنّ أن الاستهلاك سينخفض إذا انفتح المجتمع السعودي، إذ قال: "الآن عندما أعود، أشعر أن السعودية ستكون مختلفة، ومع أنها أفضل قليلاً وحسب، يعني هذا الكثير في السياق السعودي، أنا مقيم في لبنان في الوقت الحالي، حيث يأتي ربما معظم الحشيش الذي يستهلكه السعوديون، وربما الكبتاغون أيضاً، لكني لست مضطراً لتعاطي المخدرات هنا لأن الحياة ممتعة".

ويذكر أن حزب الله في لبنان قد نفى مرارا الاتهامات السعودية له بالاتجار بالمخدرات، وكان آخرها اتهامه اليوم الخميس قناة العربية التابعة للسعودية بصناعة الأكاذيب وفبركة ‏الاتهامات الباطلة، حول دور حزب الله في صناعة المخدرات والاتجار بها ‏والترويج لها، مؤكدا بأن الهدف من هذه الحملات تشويه صورة المقاومة، والتعمية على حقيقة تورط كبار الأمراء والمسؤولين السعوديين بهذه التجارة، ولصرف الأنظار عن انتشار آفة المخدرات ‏داخل المجتمع السعودي تعاطياً وإتجاراً.

المصدر: مجلة فورين بوليسي