اكتشاف إشارة إشعاعية غريبة من الفضاء السحيق تنبض مثل القلب

تتحدى إشارة إشعاعية جديدة من الفضاء السحيق فهمنا للظواهر الغامضة، ليس لأن هذه الإشارة حدث نادر تكرر فحسب، بل لأنها ليست بهذه السرعة أيضاً، إذ إن ومضات الإشعاع التي تُلقيت عبر الفضاء بين المجرات تستغرق ثلاث ثوانٍ، أي أنها أطول من المتوسط بنحو 1000.

ومع ذلك، تحدث دفقات من الإشعاع عالي الكثافة كل 0.2 ثانية خلال هذه الفسحة من الوقت التي تبلغ مدتها ثلاث ثوان - وهو شيء لم يسبق له مثيل في تدفق إشعاعي سريع.

كيف اكتشفت هذه الإشارة الإشعاعية السريعة

رصد الإشارة كاشف CHIME في كانون الأول (ديسمبر) 2019، وعرف العلماء على الفور أنهم اكتشفوا شيئاً غريباً للغاية، إذ قال عالم الفيزياء الفلكية دانييل ميتشيلي من معهد ميت كافلي للفيزياء الفلكية وأبحاث الفضاء: "كان أمراً استثنائياً".

وأضاف: "ليس أن الأمر استغرق فترة طويلة جداً، واستمر نحو ثلاث ثوانٍ، بل كانت هناك ذروات منتظمة دقيقة بشكل ملفت، ينبعث منها كل جزء من الثانية ضربات مثل خفقات القلب. وهذه هي المرة الأولى التي تكون فيها الإشارة نفسها منتظمة".

الدفقات الإشعاعية أروع الألغاز الكونية

إن الدفقات الإشعاعية السريعة هي إحدى أروع الألغاز الكونية حالياً، وهي دفقات قوية للغاية من الإشعاع في الأطوال الموجية الإشعاعية التي تتمدد بين المجرات في فترة زمنية قصيرة جداً - وتستغرق عادة أجزاء من الثانية. في غضون ذلك الوقت القصير، ينبعث من الدفقة قدر من الطاقة يعادل 500 مليون شمس.

تتدفق معظم دفقات الإشعاع السريعة مرة واحدة فقط، ولا يسمع عنها أحد منذ ذلك الحين. ومن المستحيل التنبؤ بها. وبغية الكشف عن أحدها، علينا فقط أن نأمل أن تحدث عندما نمتلك تلسكوباً موجهاً في الاتجاه الصحيح يرصد هذه الإشعاعات (على الرغم من أن مشاريع مثل CHIME، التي تمتلك مجال عرض كبير، تفيد كثيراً في هذا الصدد). هذه هي أكثر أنواع الإشارات الإشعاعية شيوعاً.

واستقبال إشارات متكررة من نقطة واحدة في السماء أمر أكثر ندرة. وهي دفقات إشعاع سريع متكررة. ونظراً لتكرارها، بإمكان العلماء توجيه تلسكوب إلى السماء ودراسة الإشارات بتفصيل أكبر. لكن من غير الواضح إن كانت الآلية نفسها مسؤولة عن جميع الدفقات الإشعاعية السريعة.

الاختلاف بين الدفقات الإشعاعية السريعة

فقد تختلف في شدتها وطولها الموجي والاستقطاب والتشتت. وتحمل إحدى الدفقات السريعة دليلاً مهماً، ففي عام 2020، كشف عن دفقة إشعاع سريعة قادمة من داخل مجرة درب التبانة لأول مرة. وتتبعها العلماء نحو نوع من النجوم النيوترونية يسمى النجم المغناطيسي، ما يشير إلى أن هذه الأجسام الشديدة المغنطة والعالية الكثافة قد تكون مسؤولة على الأقل عن بعض الدفقات الإشعاعية السريعة.

قال ميتشيلي: "رصد CHIME حتى الآن العديد من الدفقات الإشعاعية السريعة بخصائص مختلفة، ورأينا بعضها داخل السحب الشديدة الاضطراب، بينما يبدو أن بعضها الآخر يكمن في بيئات صافية. واستناداً إلى خصائص هذه الإشارة الجديدة، يمكننا القول إن هناك سحابة من البلازما حول المصدر، ولا بد أن تكون مضطربة للغاية".

أنواع النجوم النيوترونية

وبالنسبة لماهيتها، لا تزال العلامات تشير إلى نجم نيوتروني من نوع ما (للأسف، لا يوجد علامات حتى الآن لكائنات فضائية).

والنجوم النيوترونية هي النوى المنهارة للنجوم الضخمة التي انتهت حياتها وقذفت معظم موادها في الفضاء. وعندما تفتقر لدعم الضغط الخارجي للاندماج، ينهار اللب ليصبح جسماً كثيفاً بشكل هائل، يبلغ عرضه نحو 20 كيلومتراً، ولكن كتلته تصل إلى 2.3 ضعف كتلة الشمس.

والنجوم المغناطيسية هي نوع من النجوم النيوترونية ذات مجال مغناطيسي قوي جداً. وبسبب قوى السحب الخارجية لهذا المجال المغناطيسي الذي يتنافس مع الجاذبية الداخلية، تتسبب المغناطيسية بشكل دوري بزلازل كبيرة.

أما النجوم النابضة هي نجوم نيوترونية تقذف حزماً من الانبعاثات الإشعاعية من أقطابها، وتدور بسرعة تصل إلى مقاييس ملي ثانية بحيث يبدو أن الشعاع ينبض. وحلل ميتشيلي وزملاؤه دفقات هذه الإشارات الإشعاعية ووجدوا ميزات مشتركة مع الدفقات المنبعثة من النجوم المغناطيسية والنجوم النابضة.

آمال بتحديد مصدر الإشارات الإشعاعية المنتظمة

وظهرت أمامهم مشكلة واحدة فقط، فعلى الرغم من عدم وضوح المسافة التي قطعتها الإشارة، من المحتمل أنها جاءت من مجرة أخرى، ويبدو انفجارها أكثر سطوعاً بمليون مرة من النجوم المغناطيسية والنجوم النابضة في مجرتنا.

وأوضح ميشيلي: "لا توجد أشياء كثيرة في الكون تنبعث منها إشارات منتظمة ودقيقة. من الأمثلة التي نعرفها في مجرتنا النجوم النابضة الإشعاعية والمغناطيسية، والتي تدور وتنتج انبعاثاً مشابهاً للمنارة. ونعتقد أن هذه الإشارة الجديدة قد تكون نجماً مغناطيسياً أو نجماً نابضاً نشطاً".

يأمل الفريق في أن يكتشفوا المزيد من الدفقات من المصدر الغامض لهذه الإشارة، ليضيقوا نطاق بحثهم ويحددوا أين مصدرها وما سببها. في المقابل، قد يساعدنا هذا في فهم النجوم النيوترونية بشكل أفضل.

قال ميتشيلي: "هذا الاكتشاف يثير تساؤلاً حول طبيعة الشيء الذي يمكن أن يسبب هذه الإشارة المتطرفة التي لم نشهدها من قبل، وكيف يمكننا استخدام هذه الإشارة لدراسة الكون... تعدنا التلسكوبات المستقبلية باكتشاف الآلاف من هذه الإشارات المنتظمة شهرياً، وفي هذه المرحلة قد نجد المزيد منها".

sciencealert