نبيل سرور: البعد التجاري الاقتصادي يحكم علاقة الصين مع الدول الأخرى وواشنطن تهدف لتخريب مبادرة الحزام والطريق

مختص في الشأن الصيني يكشف العامل الذي يحكم علاقة الصين مع الدول الأخرى وطبيعة المنافسة الأمريكية الصينية

أكد المختص في الشأن الصيني الدكتور في العلاقات الدولية نبيل سرور، بأن البعد التجاري الاقتصادي ما زال يحكم علاقة الصين مع الدول الأخرى، متحدثا عن طبيعة علاقات الصين الخارجية في ظل المنافسة مع الولايات المتحدة وكيفية رؤيتها للعلاقات الدولية وطبيعة علاقاتها مع دول منطقتنا.

حيث رد الدكتور سرور خلال استضافته في مساحة الصحافي فراس فرحات عبر تويتر على سؤال عن مستقبل منطقة غرب آسيا في ظل الصراع المتوقع بين أمريكا والصين على شرق آسيا والخليج الذي يعتبر مصدر الطاقة التي تحتاجها الصين، بالتزامن مع السير الصيني في مشروع طريق الحرير، مبينا بأن هناك تنافسا بين النفوذين الصيني والأمريكي في العالم، فالنفوذ الصيني اقتصادي تجاري في المقام الأول وليس استراتيجيا حتى الآن، وبدأت بكين منذ سنوات قليلة تتلمس دورها السياسي من خلال تحصين تحالفاتها.

ولفت إلى أن مما لا شك فيه أن منطقة شرق آسيا ستكون محور الأحداث فهناك ملف الكوريتين المهم جدا والشائك وهناك عسكرة كبيرة للمنطقة وهناك مشكلة تايوان، حيث تختزن الجزيرة أكبر احتياطي للشرائح الالكترونية، وهناك بحر الصين الجنوبي والجزر المتنازع عليها بين الصين وعدد من الدول، وهناك محاولات أمريكية لتأليب كل محيط الصين عليها، وفي منطقتنا فإن الصين تسعى إلى كسر عزلتها والانتفتاح عليها وهذا ستتم مواجهته أمريكيا أيضا، فمنطقتنا يجب أن تستفيد من الحضور الصيني دون أن يغيب عنا أن هذا التمدد الصيني لن تسكت عليه الولايات المتحدة وحلفائها.

الولايات المتحدة تهدف إلى تخريب مبادرة الحزام والطريق

وفيما يخص مشروع الحزام والطريق، أوضح الدكتور نبيل بأن هذا مشروع صيني واعد جدا وتشارك به حوالي مئة دولة، وستفتح الاقتصاد الصيني على الكثير من الدول ومن بينها الدول العربية، إلا أن هناك عقبات ميدانية تعيق تحقيق هذا المشروع، فالولايات المتحدة تدرك أن الصين إن نجحت بهذا المشروع فستهيمن على الاقتصاد والتجارة العالمي وستصبح الدولة الأولى في العالم، لذا فقد يتعذر على الصين تحقيق هذا المشروع بشكل كامل.

وأجاب الدكتور سرور على سؤال عن الوقت الذي سنرى فيه الصين تقدم على خطوة في العالم وتفرض نفسها عالميا وأن لا تبقى دون موقف على الصعيد العالمي، موضحا بأنه في زمن الرئيس أوباما كان هناك رأيان في الولايات المتحدة للتعامل مع الصين، أحدهما يقول بضرورة استيعاب الصين ودمجها في منظمة التجارة العالمية وعدم إمكانية مواجهتها عسكريا كمنافس لدود للولايات المتحدة والتعامل معها كقوة عالمية موجودة، ورأي آخر يقول بوجوب تقليم أظافر الصين ومواجهتها ومنع تمدد نفوذها في العالم لأنها ستكون المنافس الأكبر لواشنطن في العقود القادمة وخطر يهدد الهيمنة الأمريكية على العالم، وفي زمن الرئيس ترامب فرض عقوبات على الصين وحاول مواجهتها.

وأبدى سرور اعتقاده بأن العلاقات الصينية الأمريكية هي علاقات معقدة جدا وهناك تبادل تجاري ضخم جدا، فالصين تخشى من الهيمنة الأمريكية عليها وعلى حضورها في العالم، وفي المقابل تحاول الولايات المتحدة أن تحد من نفوذ الصين في كل مكان من إفريقيا إلى آسيا إلى أمريكا اللاتينية، وأحد أهداف واشنطن هو تخريب مشروع الحزام والطريق في السنوات والمراحل القادمة.

الوضع الاقتصادي اللبناني ومستقبل المشاريع الصينية في لبنان

اعتبر الدكتور سرور بأن واقع لبنان واقع مأزوم نتيجة تراكمات على مدى سنوات طويلة من الخلل السياسي والاقتصادي، فمنذ الاستقلال لم نبني بلدا بل مجموعة توافقات، فالأزمة الاقتصادية هي انعكاس للأزمة السياسية والعكس صحيح، فإن لم نوجد قواسم وأساسيات مشتركة لحل المشاكل السياسية فستتفاقم المشاكل الاقتصادية، وإن لم يقف اللبنانيون وقفة صادقة في سبيل مساءلة الطبقة السياسية عن إنجازاتها وإذا كررنا انتخاب ذات هذه الطبقة فالأزمة مستفحلة والوضع الاقتصادي ذاهب إلى مزيد من الانهيار، وسيكون للخارج مسوغ للتدخل في لبنان لأننا لم نعمل على تحصين بيتنا الداخلي.

وفي خلال المساحة تكلم أحد المتابعين عن لبنان الذي كان يعتبر وسيطا بين الغرب والشرق في ظل حالة المقاطعة مع الكيان الإسرائيلي، وبأن الدور اللبناني تراجع بعد تطبيع بعض الدول العربية، وأصبح الغرب يهدف إلى تفعيل ميناء حيفا كمصلحة له بحكم قربه من الخليج، وتسائل إن اعتمد لبنان التوجه شرقا وذهب إلى الصين فكم من الممكن أن يستعيد مرفأ بيروت لدوره بين الشرق والغرب للخروج من الأزمة والحصار الحالي؟

وأجاب الدكتور سرور بأن الانفتاح اللبناني على المشاريع والمبادرات الصينية مسألة مهمة للاقتصاد اللبناني، وقد تقدم الصينيون ببعض الاقتراحات على صعيد البنى التحتية وكان لديهم رؤية اقتصادية متكاملة ولو أخذ اللبنانيون قرارا بالانفتاح الكامل على المستوى التفاوض المجدي مع الصين، فكان الصينيون سيقدمون أفكارا تعود بالنفع على الجانبين، فالموانئ اللبنانية قد يكون لها مستقبل واعد، ولبنان لم يزل يلعب دورا مهم على الصعيد الجغرافي والسياسي، وقيل إن تفجير مرفأ بيروت كان بهدف تفعيل مرفأ حيفا ولا أستطيع نفي ذلك، وأعتقد أن أي دولة من الممكن أن تمد لنا يدها في المشاريع وغيرها والصين أو روسيا قد تكون من هذه الدول، فيجب أن ند لها يد التعاون والمفاوضة التجارية ولكن هيهات في ظل هذا الانقسام في لبنان.

وكشف بحكم عمله في وزارة الاقتصاد اللبناني عن زيارة وفد رفيع من إحدى الدول الصديقة يضم وزراء ومدراء إلى لبنان منذ ثمانية أوتسع سنوات، وقدموا حزمة اقتراحات لبنى تحتية ومشاريع في الكهرباء والمياه والسدود والعديد من القطاعات الإنتاجية، إلا أن لبنان اجتمع مع هذا الوفد بقيادات إدارية وسطى أما الوزراء وكبار المسؤولين لم يجرؤا على المشاركة وتم الاتفاق بأن يذهب وفد لبناني إلى الدولة الصديقة بعد حسم خيارهم، ولغاية الآن لم يحسموا خيارهم إن كان باستقبال الهبات أو الموافقة على مشاريع خوفا من غضب هذه الدولة أو تلك، وهذا لا يبني دولا ولا يبني مشاريع.

موقف الصين من حزب الله

الصين تتعاطى مع حزب الله كقوة سياسية وازنة في لبنان، وهم يدركون بأن الحزب مكون أساسي في الواقع اللبناني وله تأثيره بمجريات الأحداث في لبنان وقد يكون رقما هاما قد يصلون عبره إلى الساحة اللبنانية، ويحترمونها كقوة مقاومة وقوة سياسية لها وزنها، وحليفة لإيران.

العلاقات الصينية الإيرانية لن تتأثر بعلاقة الصين مع الغرب

فسر المختص في الشأن الصيني نبيل سرور طبيعة العلاقات بين الصين وإيران وإمكانية تأثرها بمسايرة الصين للغرب، بأن العلاقات الصينية الأمريكية هي علاقات قديمة ووطيدة وفي مرحلة العقوبات الغربية على إيران كانت الصين تخرق مبدأ العقوبات مستبعدا بأن يكون هذا الخرق للعقوبات هو مجرد تعاطف مع إيران، فالبعد الاقتصادي الاستثماري المصلحي هو من يحكم علاقة الصين مع الدول، فالعلاقات الدولية ليست مجانية والمصالح هي من تغلب فإيران سوق مهم جدا واستفادت الصين من الواردات الصينية والعلاقات التجارية معها، وكانت هناك اتفاقية ضخمة أبرمتها الصين مع إيران من حوالي ثلاث سنوات، بشراكة بنحو 450 مليار دولار على جميع المستويات الاقتصادية والدفاعية والاستراتيجية والأقمار الصناعية،

وأعرب عن اعتقاده بأن الصين لم تزل لغاية الآن تساير جميع الدول في سبيل مصالحها، إلا أن بكين تدرك أن طهران لاعب إقليمي كبير والتخلي عن العلاقة معها له ثمنه، فالصين مكملة في علاقاتها واتفاقياتها مع عدد كبير من الدول وتمسك العصا من الوسط ولن تقطع علاقتها مع أحد، فلم تزل مصالح الصين الاقتصادية والاستثمارية هي من تغلف علاقتها مع جميع الدول ومنها إيران، ومصلحة الصين أن لا تخسر أي من هذه الدول واللاعبين الإقليميين.

موقف الصين من روسيا

وحول الموقف الصيني من روسيا أوضح الدكتور نبيل سرور بأنه محكوم بالكثير من الاعتبارات، والروس لم يطلبوا من الصينيين أي تدخل واضح، وكان هناك اتصال متوتر بين الرئيس بايدن والرئيس شي جينغ بينغ منذ فترة اتهم فيه الرئيس الأمريكي الصينيين بمحاولة تخليص روسيا من حزمة العقوبات الضخمة التي تم فرضها عليها، فأوضح له الرئيس الصيني بأن الغرب يلعب بالنار وهذا الاتهام مردود عليكم، واعتقد سرور بأن الموقف الصيني مازال لحد الآن يدرس طبيعة مساعدة روسيا، وفي حال تأزمت الأمور بشكل كبير فقد نجد مواقف صينية أكثر وضوحا في دعم روسيا.

حقيقة منشأ فيروس كورونا

أبدى الدكتور نبيل سرور اعتقاده بأن هذا الموضوع لم يخرج عن هذه الحرب القذرة التي تستهدف القوى المهيمنة على العالم وإيجاد مناخات جديدة في العالم في سبيل فرز مواقع قوى جديدة من قوى خفية في العالم تهيمن على مختبرات، وأعتقد بأن ملف كورونا هو مفتعل ومخطط له، فالبعض يقولون بأن الصين تقف وراءه وآخرين يقولون بأن الأمريكيين ورطوا الصينيين بها، وأيا كان الأمر فأعتقد بأن هذا من صنع اليد البشرية.

الاتفاقيات العراقية الصينية

وردا على سؤال حول احتلال العراق لموقع استراتيجي في خطط الصين المستقبلية وفي منطقة الخليج بشكل عام، بسبب موقعه الاستراتيجي وثروته النفطية الهائلة وعلاقاته مع دول إقليمية مؤثرة، واحتمال إحياء الاتفاقيات بين العراق والصين وإعادة دوران عجلة الاقتصاد العراقي.

بين سرور بأن الصين تعتبر ثالث أكبر مستهلك عالمي للنفط، والممرات المائية والبرية والطاقة ستكون أكثر نقاط الاحتدام في السنوات القادمة، والعالم العربي والإسلامي سيكون هدفا هاما لأنه منطقة ثروات مهمة فالمنطقة غنية بالموارد الأولية التي تحتاجها الصناعات والتكنولوجيا الحديثة، وعودة العراق إلى إبرام الاتفاقيات مع الصين من جديد، عائد إلى ضرورة وجود قادة يأخذون على عاتقهم قرارات أساسية في التوجه نحو الدول والانفتاح على كل الدول وتجيير كل الصداقات والعلاقات لمصلحة البلد، ويجب على العراق إعادة هذه الاتفاقيات لأن العلاقات مع الولايات المتحدة لم تكن علاقة إيجابية، فالصين نتيجة عدم توجهها الاستعماري قد تشكل مشروع طمأنة لكثير من دولنا بمعزل عن عقلية الهيمنة والسيطرة التي طبعت علاقة الأمريكي على مدى العقود الماضية تجاه منطقتنا.

احتمالات الهيمنة الصينية على العالم

أشار الدكتور نبيل في معرض إجابته عن الضامن لعدم فرض الصين إرادتها وهيمنتها على الدول التي تتعامل معها كأمريكا، إن تمكنت من إنجاز مشروع الحزام والطريق وأنجزت المشاريع في بلداننا وأمنت مصادر الطاقة، باعتبارها ستصبح قوة عظمى، إلى أن الصين من خلال تجارتها والبضائع التي قدمتها، سدت فراغا كبيرا في السوق الدولية وتحديدا في الأسواق النامية، فالدول الكبرى كانت أسعارها عالية جدا فالصين قدمت بدائلا رخيصة لها، فالصين تمكنت من فرض حضورها الاقتصادي في هذه الأسواق بما يؤمن بدائلا لجميع الدول بمعزل عن الغلاء الكبير الذي أصاب بضائع الدول، والضامن لعدم فرض الصين هيمنتها إن استولت على أسواق جديدة هو العقلية الصينية التي لم تزل تلتزم في البعد الأخلاقي، فالصين صديقة وساعدت الكثير من الدول ولم تسعى للمس في أمن الدول، خلافا عن التجربة الأمريكية الغربية التي مارست الهيمنة وتدمير أنظمة الدول واستقرارها.

ولفت إلى أن البعد التجاري الاقتصادي ما زال يحكم علاقة الصين مع الدول الأخرى، وهو البعد الأساسي والرائد لديهم وما زالوا يعملون لأخذ هذا البعد لصالحهم، مشيرا إلى ضرورة الحذر من تحول هذه الأبعاد إلى أبعاد سياسية وهيمنة، واستبعد أن تكون دولة كالصين بهذا الحجم أن يكون لها مواقف واضحة تجاه القضايا الأساسية كالقضية الفلسطينية، لأن البعد الاقتصادي المالي يتغلب على كل الأبعاد والمبادئ الأخرى.

وفيما يخص تموضع الصين إن وقع الصدام في العالم إن كان في حلف روسيا أو إيران أم مع المعسكر الآخر، وأين مكانها من المحاور القائمة، اعتبر سرور بأن من المبكر القول أن العالم ذاهب إلى معسكرين واصطفافين على المستوى العسكري والسياسي، والصين ما تزال تناور في سبيل كسب المزيد من النقاط الصداقات والتحالفات اقتصاديا بما يفك عزلتها في حال تم تطويقها من قبل حلفاء الولايات المتحدة والدول المعادية لها.

وأستبعد الدكتور نبيل أن تكسر الصين الجرة بينها وين الولايات المتحدة في المدى المنظور، فواشنطن لن تردد في منع وكسر أي تحالف يشكل خطرا عليها، وإن كنا نريد تشكيل محور يتصدى لأمريكا فعلينا الاستعداد للأسواء من الفتن والتشرذم الداخلي ولمزيد من المتحالفين من الوجود الأمريكي، ولا أجد الصين إلا مناوئة للولايات المتحدة وفي المعسكر المقابل لها رغم أنها قد يكون لها بعد اقتصادي في المقام الأول، إلا أنه إن انقسمت الأمور بشكل واضح فستكون في الصف المنافس لواشنطن.