أغشية نانوية شفافة ومرنة تحجب أكثر من 99% من التداخل الكهرومغناطيسي دون معادن

ابتكار يحجب الإشارات اللاسلكية بالكامل دون معادن  ( مصدر الصورة: Getty Images ) ابتكار يحجب الإشارات اللاسلكية بالكامل دون معادن ( مصدر الصورة: Getty Images )

نعيش اليوم داخل بيئة مشبعة بالإشارات الكهرومغناطيسية غير المرئية. الهواتف الذكية، وأجهزة توجيه الواي فاي، وشبكات الجيل الخامس (5G)، والساعات الذكية، وأجهزة الاستشعار الطبية، جميعها ترسل وتستقبل موجات كهرومغناطيسية بشكل مستمر.

ورغم أن هذا التدفق الهائل من الإشارات هو ما يدعم التكنولوجيا الحديثة، إلا أنه يخلق مشكلة خطيرة تُعرف باسم التداخل الكهرومغناطيسي (EMI)، وهي إشارات غير مرغوب فيها قد تؤدي إلى تشويش أو تعطيل الأجهزة الإلكترونية الحساسة.

مشكلة خطيرة للأجهزة الطبية والإلكترونيات المرنة

يُعد التداخل الكهرومغناطيسي خطرا خاصا على الأجهزة الطبية، والمستشعرات القابلة للارتداء، والشاشات المرنة، حيث لا مجال للأعطال أو الأخطاء.

حتى الآن، كانت الطريقة الوحيدة لحجب هذا التداخل تعتمد على استخدام طبقات معدنية سميكة، لكنها تعاني من عدة عيوب، إذ إنها:

صلبة وغير قابلة للانحناء

ثقيلة الوزن

معتمة وغير شفافة

وهذا يجعلها غير مناسبة للأجهزة الشفافة أو القابلة للطي والانثناء.

حل مبتكر: غشاء نانوي شفاف ومرن

نجح فريق من الباحثين مؤخرا في تقديم حل غير مسبوق يتمثل في غشاء نانوي فائق الرقة، مرن، وشفاف، قادر على حجب معظم الإشعاع الكهرومغناطيسي غير المرغوب فيه، مع الحفاظ على خفة الوزن وقابلية التصنيع على نطاق واسع.

وقال الباحث الرئيسي جونغانغ تشانغ:

"هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تجاوز المفاضلة التقليدية بين التوصيل الكهربائي والشفافية الضوئية في شبكات الأسلاك النانوية المعدنية. فبعد المعالجة بالليزر، تحسنت كل من الموصلية والشفافية في الوقت نفسه."

كيف صُنعت دروع شفافة من أسلاك نانوية؟

لطالما واجه هذا المجال تحديا أساسيا يتمثل في أن:

المواد ذات التوصيل الكهربائي العالي تكون عادة غير شفافة

المواد الشفافة تكون ضعيفة التوصيل

بدت الأسلاك النانوية المعدنية خيارا واعدا، لكن ترتيبها العشوائي لم يكن يوفر حماية فعالة من التداخل الكهرومغناطيسي.

التحكم الدقيق في ترتيب الأسلاك على المستوى النانوي

قام فريق جامعة غلاسكو بحل هذه المشكلة من خلال التحكم الدقيق في كيفية تموضع الأسلاك النانوية واتصالها ببعضها البعض على مقياس النانو.

استخدم الباحثون أسلاكا نانوية من الفضة أرفع آلاف المرات من شعرة الإنسان. وبدلًا من تركها تنتشر عشوائيًا على السطح، استخدموا تقنية تُعرف باسم الرحلان الكهربائي البيني (Interfacial Dielectrophoresis).

وبأسلوب مبسط، تم تطبيق مجالات كهربائية مصممة بدقة تعمل على توجيه الأسلاك النانوية بلطف لتنتظم في أنماط دقيقة فوق غشاء بلاستيكي شفاف ومرن.

دقة مذهلة في التشكيل والمرونة

أتاحت هذه التقنية تحكمًا استثنائيا، حيث تمكنت الأسلاك النانوية من:

الانحناء والالتواء

تغيير الاتجاه

الحفاظ على انتظامها دون فقدان الترتيب

ولإظهار هذه الدقة، نجح الفريق حتى في تشكيل الأسلاك النانوية على هيئة حروف مقروءة فوق الغشاء.

فراغات نانوية تعزز الحماية دون حجب الضوء

من النقاط الجوهرية أن الأسلاك النانوية لم تكن ملتحمة بالكامل، بل ظلت بينها فجوات دقيقة للغاية.

عند اصطدام الموجات الكهرومغناطيسية بالغشاء، تعمل هذه الفجوات كـمخازن طاقة مجهرية تُضعف الإشارات الواردة قبل وصولها إلى المكونات الإلكترونية الحساسة.

ويُعرف هذا التركيب باسم شبكة أسلاك نانوية مقترنة سعويا، وقد أدى إلى تعزيز كبير في كفاءة الحجب دون التأثير على الشفافية.

تعزيز الأداء باستخدام نبضات ليزر فائقة السرعة

في المرحلة الثانية، عرّض الباحثون الأسلاك النانوية المنتظمة لنبضات ليزر قصيرة جدا تدوم أجزاء من البيكوثانية.

عملت هذه النبضات على:

لحام نقاط التلامس بين الأسلاك النانوية

إنشاء مسارات كهربائية قوية

إزالة الطبقات العازلة المتبقية من عملية التصنيع

وأثمرت هذه الخطوة الواحدة عن نتيجتين مذهلتين:

انخفاض المقاومة الكهربائية بمقدار 46 مرة

زيادة الشفافية بنسبة تصل إلى 10%

وهو إنجاز لم يتحقق سابقا في أغشية الأسلاك النانوية المعدنية.

نتائج مذهلة في اختبارات الحجب

الحماية من الإشعاع الكهرومغناطيسي غير المرغوب فيه ( مصدر الصورة: مجلة ACS Nano 2025 )

أظهرت الاختبارات أن المادة النهائية:

حجبت أكثر من 99.97% من الإشعاع الكهرومغناطيسي

حققت كفاءة حجب تجاوزت 35 ديسيبل

عملت ضمن نطاق ترددات من 2.2 إلى 6 غيغاهرتز، بما يشمل شبكات الواي فاي والجيل الخامس

ورغم ذلك، احتفظت الأغشية بنسبة شفافية بلغت 83%، وبسماكة لا تتجاوز 5.1 ميكرومتر، أي أرفع من شعرة الإنسان.

قفزة نوعية مقارنة بالحلول السابقة

قال البروفيسور هادي حيدري، أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ في جامعة غلاسكو:

"أداء حجب التداخل الكهرومغناطيسي الذي حققناه يفوق أداء الأسلاك النانوية غير المنتظمة بأكثر من ألف مرة، وهو ما قد يمهد الطريق لتطوير جيل جديد من الأجهزة المرنة والقابلة للزرع داخل الجسم."

أهمية هذا الابتكار لمستقبل الإلكترونيات

يمثل هذا الإنجاز اختراقا حقيقيا في تصميم الإلكترونيات المستقبلية، إذ يمكن الآن حماية الأجهزة القابلة للانحناء أو المزروعة داخل الجسم من الضوضاء الكهرومغناطيسية دون الحاجة إلى طبقات معدنية ضخمة.

وأوضح تشانغ:

"بالنسبة للشاشات المرنة، والأجهزة القابلة للارتداء، والتقنيات الطبية المزروعة، فإن الجمع بين الحجب الفعال والشفافية العالية أمر بالغ الأهمية لضمان نقل إشارات نقي ودقيق في أنظمة المراقبة الصحية."

قابلية التصنيع على نطاق صناعي

على عكس تقنيات غرف التنظيف التقليدية المكلفة والمحدودة الحجم، يمكن توسيع هذه الطريقة لتغطية مساحات كبيرة.

وقد نجح الفريق بالفعل في تصنيع أغشية بقياس 40 × 80 سنتيمترا، مما يشير إلى إمكانية الإنتاج الصناعي على نطاق واسع.

رغم النتائج الواعدة، لا يزال من الضروري دراسة:

أداء هذه المواد على المدى الطويل

مدى توافقها مع البيئات البيولوجية داخل جسم الإنسان.