تطوير سيراميك من العناصر الأرضية النادرة يحمي محركات الطائرات والمركبات الفضائية من الحرارة الشديدة

ابتكار سيراميك يتحمل حرارة تصل إلى 1700 درجة مئوية ( مصدر الصورة: LETI ) ابتكار سيراميك يتحمل حرارة تصل إلى 1700 درجة مئوية ( مصدر الصورة: LETI )

نجح فريق من العلماء الروس في تطوير مادة سيراميكية مسامية جديدة تعتمد على فوسفات العناصر الأرضية النادرة ، تتميز بقدرتها على الحفاظ على خصائصها العازلة للحرارة في درجات حرارة تصل إلى 1700 درجة مئوية، وهو ما قد يعزز كفاءة أنظمة الحماية الحرارية المستخدمة في الطائرات والمركبات الفضائية.

وأوضح باحثون من جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية الكهروتقنية (LETI) أن المادة الجديدة قد توفر حماية أفضل للمكونات التي تعمل في البيئات ذات درجات الحرارة المرتفعة للغاية.

مادة سيراميكية مسامية جديدة ( مصدر الصورة: LETI )

تحديات درجات الحرارة العالية

تعمل الطائرات الحديثة والمركبات الفضائية في ظروف حرارية قاسية، إذ يمكن أن تصل درجة حرارة بعض مكونات محركات الطائرات وأنظمة الفضاء إلى ما بين 1500 و1700 درجة مئوية.

وفي مثل هذه الظروف، تبدأ حتى أقوى المعادن بفقدان جزء من خصائصها الميكانيكية، لذلك تُستخدم طلاءات خاصة للعزل الحراري بهدف حماية هذه المكونات من التلف الناتج عن الحرارة.

لكن معظم الطلاءات الحرارية المستخدمة حاليا تواجه مشكلة أساسية، إذ تزداد قدرتها على توصيل الحرارة كلما ارتفعت درجة الحرارة، ما يؤدي إلى انخفاض كفاءتها في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إلى الحماية أكبر.

مادة جديدة تعتمد على العناصر الأرضية النادرة

وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون أورثوفوسفات العناصر الأرضية النادرة، وهي فئة من المركبات الكيميائية تتميز بثبات حراري مرتفع قد يصل إلى نحو 2000 درجة مئوية.

وتكوّن هذه المركبات تراكيب بلورية شبيهة بمعادن طبيعية مثل الزينوتيم والمونازيت، اللذين يعدان من المصادر الطبيعية للعناصر الأرضية النادرة، ويوجدان في صخور الجرانيت والصخور النارية، بما في ذلك بعض المناطق داخل روسيا.

وأظهرت المادة الجديدة خاصية مميزة، إذ تنخفض قدرتها على توصيل الحرارة مع ارتفاع درجة الحرارة، وهو سلوك معاكس لمعظم المواد العازلة التقليدية.

وبذلك، كلما ارتفعت درجة الحرارة، ازدادت كفاءة المادة في حماية المكونات من السخونة الزائدة.

كيف نجح العلماء في تقليل التوصيل الحراري؟

أوضحت ماريا ينيكييفا، الأستاذة المساعدة في قسم الكيمياء الفيزيائية بجامعة LETI، أن الفريق طور المادة باستخدام محاليل صلبة من فوسفات العناصر الأرضية النادرة ذات بنية بلورية مشابهة لمعدن الزركون.

وأضافت أن الباحثين نجحوا في خفض التوصيل الحراري للمادة عبر آليتين رئيسيتين:

- أولا: منح السيراميك درجة مسامية تبلغ نحو 30%، ما أدى إلى خفض معامل التوصيل الحراري عدة مرات مقارنة بالمواد غير المسامية ذات التركيب نفسه.

- ثانيا: استبدال بعض الذرات الخفيفة داخل الشبكة البلورية بذرات أثقل، الأمر الذي زاد من تشتت الفونونات، وهي الجسيمات المسؤولة عن نقل الطاقة الحرارية داخل المادة، مما أعاق انتقال الحرارة عبر السيراميك.

وأكدت أن الجمع بين هاتين الآليتين أدى إلى تحسين قدرة المادة على العزل الحراري بصورة ملحوظة.

نتائج واعدة للتطبيقات الفضائية

أظهرت التجارب أن التوصيل الحراري للمادة ينخفض مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث أُجريت القياسات حتى 925 درجة مئوية، بينما حافظت المادة على استقرارها الحراري عند درجات تتراوح بين 1500 و1700 درجة مئوية.

ويرى الباحثون أن هذه الخصائص تجعل السيراميك الجديد مناسبًا للاستخدام في تصنيع الطلاءات الحرارية الواقية لمحركات الطائرات، ومكونات المركبات الفضائية، وغيرها من الأنظمة الهندسية التي تعمل في بيئات ذات درجات حرارة شديدة الارتفاع.

تعاون بين عدة مؤسسات بحثية

شارك في تنفيذ هذا المشروع باحثون من عدة مؤسسات علمية روسية، من بينها:

- معهد إيوفي الفيزيائي التقني.

- معهد بطرسبرغ للفيزياء النووية باسم كونستانتينوف.

- المركز الوطني للأبحاث "معهد كورتشاتوف".

- معهد غريبينشيكوف لكيمياء السيليكات.

ويأمل الباحثون أن يسهم هذا الابتكار في تطوير جيل جديد من المواد العازلة للحرارة المستخدمة في صناعات الطيران والفضاء، بما يعزز أداء المعدات العاملة في البيئات الحرارية القاسية.