تجربة روسية تحاكي ظاهرة نوافير الغبار القمري داخل المختبر استعدادا لمهمة صينية

علماء روس يحاكون نوافير الغبار على سطح القمر ( مصدر الصور: وكالة ناسا ) علماء روس يحاكون نوافير الغبار على سطح القمر ( مصدر الصور: وكالة ناسا )

تمكن باحثون من قسم فيزياء الكواكب في معهد أبحاث الفضاء التابع لأكاديمية العلوم الروسية من إعادة إنتاج الظروف التي يمكن أن يرتفع فيها الغبار عن سطح القمر ويتشكل على هيئة ما يعرف باسم نوافير الغبار القمرية.

وأجريت التجارب في إطار الاستعدادات لتشغيل جهاز «مراقبة الغبار على القمر» (ПмЛ-Ч7)، الذي سيحمل إلى سطح القمر على متن المهمة الصينية «تشانغ آه-7» (Chang’E 7) التابعة للإدارة الوطنية الصينية للفضاء.

محاكاة الغبار القمري ( مصدر الصور: وكالة ناسا )

ومن المقرر إطلاق المهمة في 24 أغسطس 2026، وفقا للمعلومات الواردة في المصدر الروسي.

ظاهرة رصدها رواد أبولو

لاحظ رواد الفضاء خلال الرحلات الاستكشافية ضمن برنامج أبولو التابع لوكالة ناسا ظاهرة غير مألوفة تمثلت في ظهور نوافير من الغبار فوق سطح القمر.

كما سجلت أجهزة آلية في وقت سابق توهجا على الأفق قبل شروق الشمس، ويمكن تفسير هذه الظاهرة بتشتت الضوء على جزيئات الغبار الموجودة فوق سطح القمر.

وتظهر رسومات رسمها قائد مهمة أبولو-17، يوجين سيرنان عام 1972 ما وصفه بـ«توهج الأفق القمري» و«الأشعة الشفقية»، إلى جانب صور لسيرنان داخل الوحدة القمرية وصور مجهرية لجزيئات الغبار القمري التي جمعتها مهمة أبولو-17.

لماذا يرتفع الغبار عن سطح القمر؟

يرتبط أحد أهم أسباب ارتفاع الغبار القمري بتراكم الشحنات الكهربائية نتيجة الإشعاع فوق البنفسجي الصادر عن الشمس.

فعندما يصل الإشعاع فوق البنفسجي إلى جزيئات تربة القمر، فإنه يؤدي إلى إخراج إلكترونات منها، وهي ظاهرة تعرف باسم التأثير الكهروضوئي. ونتيجة لذلك، تكتسب جزيئات الغبار وسطح القمر شحنة كهربائية.

كما تساهم الإلكترونات والأيونات القادمة مع الرياح الشمسية في شحن سطح القمر، إلا أن تأثيرها يكون أضعف إلى حد ما مقارنة بتأثير الأشعة فوق البنفسجية.

ويعد الاختلاف في الشحنات الكهربائية أحد العوامل الرئيسية التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع الغبار فوق السطح.

فعندما يتعرض سطح القمر لضوء الشمس فوق البنفسجي، تفقد جزيئات الغبار إلكترونات وتصبح موجبة الشحنة. أما في المناطق الواقعة في الظل، فيمكن أن يكتسب السطح شحنة سالبة نتيجة تدفق الإلكترونات القادمة من الرياح الشمسية.

وقد يؤدي اختلاف الشحنات بين سطح القمر وجزيئات الغبار إلى تنافرها، ما يسمح للجزيئات بالارتفاع عن السطح أو التحليق فوقه.

جاذبية القمر تساعد على ارتفاع الغبار

تبلغ جاذبية القمر نحو سدس جاذبية الأرض، ولذلك يمكن حتى لدفع ضعيف نسبيا أن يؤدي إلى رفع جزيئات الغبار لمسافة عدة أمتار.

ويمكن أن ينتج هذا الدفع عن اصطدام نيازك دقيقة بسطح القمر أو عن تأثير الإشعاع الشمسي.

وعندما ترتفع جزيئات الغبار فوق السطح، فإنها يمكن أن تشكل طبقة رقيقة من الغبار في المنطقة القريبة من سطح القمر، وهي طبقة ترتبط بما يعرف باسم الإكسوسفير القريب من السطح.

تجارب داخل غرفة مفرغة

أجرى العلماء تجاربهم داخل حجرة مفرغة من الهواء باستخدام مادة تحاكي تربة القمر.

ولمحاكاة الظروف الموجودة على سطح القمر، وضع الباحثون العينات فوق قاعدة موصلة للكهرباء، واستخدموا مجالا كهربائيا رأسيا تبلغ شدته 1700 فولت لكل سنتيمتر للمساعدة في محاكاة تأثير الجاذبية الأرضية في ظروف التجربة.

مصدر الصور: معهد أبحاث الفضاء التابع لأكاديمية العلوم الروسية.

محاكاة النيازك والرياح الشمسية

استخدم الباحثون ثلاثة سيناريوهات مختلفة لمحاكاة العوامل التي يمكن أن تؤثر في الغبار القمري.

في التجربة الأولى، قصفوا المادة التي تحاكي تربة القمر بجسيمات دقيقة مشحونة من الحديد يبلغ حجمها نحو 10 ميكرومترات، وسرعتها نحو 10 أمتار في الثانية. وكان الهدف من ذلك محاكاة اصطدام النيازك الدقيقة بسطح القمر.

وفي التجربة الثانية، تعرضت العينات لتدفق من الإلكترونات تبلغ طاقتها 160 إلكترون فولت، لمحاكاة تأثير الرياح الشمسية.

أما التجربة الثالثة، فاستخدم فيها الباحثون إشعاعا فوق بنفسجي بطول موجي يبلغ 172 نانومترا.

وبذلك تمكن العلماء في كل تجربة من محاكاة أحد العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى رفع الغبار عن سطح القمر.

تصوير حركة الغبار بدقة عالية

سجل الباحثون جميع العمليات باستخدام كاميرات عالية السرعة تعمل بمعدل يتراوح بين 300 و1000 إطار في الثانية.

واستخدموا ليزرا صلبا لإضاءة منطقة التجربة، ما أتاح تصوير حركة جزيئات الغبار الناتجة عن العوامل المختلفة.

وبهذه الطريقة، تمكن الفريق من دراسة تأثير اصطدام الجسيمات الدقيقة والرياح الشمسية والإشعاع فوق البنفسجي في سلوك الغبار الموجود فوق سطح القمر.

جهاز لرصد الغبار على القمر

ولت دراسة الظاهرة في ظروفها الطبيعية على سطح القمر، طور قسم فيزياء الكواكب في معهد أبحاث الفضاء الروسي جهازا يحمل اسم «مراقبة الغبار على القمر».

وسبق استخدام جهاز من هذا النوع على المركبة الفضائية الروسية لونا-25، التي انتهت مهمتها بشكل غير مخطط له.

أما النسخة الجديدة من الجهاز، فقد تم تجهيزها للمشاركة في مهمة تشانغ آه-7 الصينية، التي من المقرر إطلاقها في الفترة بين 23 و24 أغسطس 2026 وفقا للمعلومات الواردة في النص.

وسيتم وضع الجهاز بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، في منطقة فوهة شاكليتون.

وتتميز هذه المنطقة بوجود أجزاء تقع في الظلام بشكل دائم، بينما تتعرض أجزاء أخرى للضوء بشكل شبه مستمر.

ويؤدي ذلك إلى اختلافات كبيرة في درجات الحرارة والشحنات الكهربائية على سطح القمر، ولذلك يتوقع العلماء أن يكون نشاط الغبار فيها مرتفعا بشكل خاص.

ثلاثة أنواع من أجهزة الاستشعار

زود جهاز «مراقبة الغبار على القمر» بثلاثة أنواع رئيسية من أجهزة الاستشعار.

الأول عبارة عن صفائح كهرضغطية خزفية تسجل اصطدام جزيئات الغبار بالجهاز.

والثاني هو أجهزة استشعار حثية تقيس الشحنة الكهربائية التي تحملها جزيئات الغبار.

أما النوع الثالث فهو مسبار لانغموير، الذي يستخدم لتحليل البلازما المحيطة بالقرب من سطح القمر.

ومن خلال الجمع بين هذه الأجهزة، سيتمكن العلماء من قياس سرعة جزيئات الغبار وكتلتها وشحنتها الكهربائية، إلى جانب الظروف الموجودة في البيئة القريبة من سطح القمر في الوقت نفسه.

حماية المهمات المستقبلية

يمكن أن تساعد البيانات التي سيجمعها الجهاز في تحسين فهم العلماء لكيفية حركة الغبار القمري والعوامل التي تؤثر فيه.

وتكتسب هذه المعلومات أهمية عملية بالنسبة إلى المهمات المستقبلية، لأن الغبار القمري يمكن أن يسبب مشكلات للمعدات الفضائية، بما في ذلك الألواح الشمسية والآليات الميكانيكية.

كما يمكن أن يشكل الغبار خطرا على رواد الفضاء، ما يجعل فهم خصائصه وحركته أمرا مهما عند تصميم المهمات التي ستعمل على سطح القمر.

وبعد مهمة تشانغ آه-7، من المقرر أن تستمر الدراسات المتعلقة بالغبار القمري خلال مهمات جديدة، من بينها لونا-27.1 ولونا-27.2.