خريطة عالمية جديدة للكثبان الرملية تكشف أسرار الرياح والمناخ على الأرض والمريخ

العلماء يرسمون أدق خريطة عالمية للكثبان الرملية على الأرض ( مصدر الصور: Unsplash ) العلماء يرسمون أدق خريطة عالمية للكثبان الرملية على الأرض ( مصدر الصور: Unsplash )

تمكن عالم أسترالي من إنشاء أكثر الخرائط اكتمالا  للكثبان الرملية على سطح الأرض، في خطوة يمكن أن تساعد العلماء على فهم تأثير الرياح والمناخ والجيولوجيا في تشكيل المناظر الرملية، إلى جانب استخدامها في دراسة تاريخ مناخ الأرض وتحليل سطح المريخ.

وتعكس أشكال الكثبان الرملية وأنماطها اتجاه الرياح، وكميات الأمطار، والخصائص الجيولوجية للمنطقة التي توجد فيها.

ولهذا السبب، يعتمد العلماء على دراسة الكثبان في محاولة لإعادة بناء الظروف المناخية التي كانت سائدة على الأرض في الماضي، كما يمكن استخدام أشكال الكثبان الموجودة على المريخ لتحديد اتجاهات الرياح في كوكب لا تتوفر فيه عمليات رصد أرصاد جوية مباشرة كما هي الحال على الأرض.

خريطة شاملة للكثبان الرملية ( مصدر الصور: Unsplash )

لكن الباحثين لم تكن لديهم حتى الآن خريطة عالمية موحدة ومفصلة لجميع أنظمة الكثبان الرملية.

أطلس رقمي لجميع أنظمة الكثبان

تمكن أندرو غان، الباحث في كلية علوم الأرض والغلاف الجوي والبيئة في جامعة موناش الأسترالية، من معالجة هذه المشكلة من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية العالمية وبيانات عالية الدقة عن تضاريس سطح الأرض.

واستخدم الباحث هذه البيانات لإنشاء أطلس رقمي شامل لأنظمة الكثبان الرملية في العالم.

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications العلمية.

ومن خلال مقارنة الخريطة الجديدة بالبيانات المناخية والجيولوجية، تمكن غان من تحديد أنماط أساسية تساعد على تفسير كيفية تشكل الكثبان الرملية في البيئات المختلفة.

الرياح ومصدر الرمال يحددان شكل الكثبان

في المناطق الجافة، تتمثل العوامل الرئيسية التي تتحكم في تكوين الكثبان في تقارب الرياح، التي تلتقط الرمال وتحافظ على حركتها، إضافة إلى قرب مصدر المواد الرسوبية التي تتكون منها الكثبان.

ومن أمثلة مصادر الرمال مجاري الأنهار القديمة التي جفت مع مرور الزمن.

أما في المناطق التي تتلقى كميات أكبر من الأمطار وتحتوي على غطاء نباتي كثيف، فلا يكفي وجود مصدر للرمال وحده لتكوين كثبان نشطة.

وفي هذه المناطق، تحتاج الرياح إلى أن تكون أقوى حتى تتمكن من التغلب على ما وصفه الباحثون بـ"مقاومة" البيئة، والتي تشمل تأثير الغطاء النباتي والعوامل الأخرى التي تحد من حركة الرمال.

الكثبان الهلالية تكشف اتجاه الرياح

تحظى الكثبان الهلالية، المعروفة باسم البرخان، بأهمية خاصة في دراسة حركة الرمال والرياح.

فشكل هذه الكثبان يمكن أن يساعد العلماء على تحديد اتجاه الرياح، كما يوفر معلومات عن خصائص المواد الرسوبية التي تتكون منها.

لكن الباحثين يحذرون من ضرورة التعامل بحذر مع هذه المعلومات، لأن بعض الكثبان التي تشكلت في الماضي قد تعكس ظروفا مناخية لم تعد موجودة حاليا.

وبالتالي، فإن شكل الكثيب لا يمثل بالضرورة الظروف المناخية والرياح الحالية في المنطقة نفسها، إذ يمكن أن يكون شاهدا على بيئة كانت مختلفة في فترة سابقة.

ماذا تكشف كثبان المريخ؟

لا تقتصر أهمية الخريطة الجديدة على دراسة الأرض، بل يمكن تطبيق نتائجها مباشرة على المريخ.

وتعد الكثبان الرملية من أهم التكوينات السطحية التي يمكن للعلماء استخدامها لتقدير اتجاه الرياح على سطح الكوكب الأحمر.

كما يمكن أن توفر الكثبان معلومات عن الخصائص المعدنية للمواد الموجودة على سطح المريخ.

وبسبب عدم وجود شبكة رصد أرصاد جوية شاملة ومباشرة على المريخ، تصبح التكوينات الرملية وسيلة مهمة لفهم طبيعة الرياح والعمليات التي شكلت سطح الكوكب.

الكثبان أرشيف طبيعي للمناخ

يمكن النظر إلى الكثبان الرملية باعتبارها سجلات طبيعية للتاريخ المناخي والجيولوجي للأرض.

وتساعد الخريطة العالمية الموحدة العلماء على فهم كيفية تطور المناظر الطبيعية التي تشكلها الرياح على كوكبنا في الوقت الحالي، كما توفر مرجعا يمكن الاعتماد عليه عند تحليل تكوينات مشابهة محفوظة داخل الصخور أو الموجودة على كواكب أخرى.

وقال أندرو غان، صاحب الدراسة، إن الكثبان الرملية يمكن أن تكون بمثابة أرشيفات طبيعية للمناخ والتاريخ الجيولوجي، وإن إنشاء خريطة عالمية موحدة لها يساعد على فهم تطور البيئات التي تشكلها الرياح على الأرض، ويوفر مرجعا لتحليل التكوينات المماثلة في الصخور أو على الكواكب الأخرى.

أهمية الخريطة في مواجهة تغير المناخ

لا تقتصر أهمية الأطلس الجديد على الأبحاث الجيولوجية والفلكية، إذ يمكن أن تكون له تطبيقات عملية في دراسة التغيرات البيئية.

ومع استمرار تغير المناخ العالمي، توفر الخريطة خط أساس يمكن استخدامه لمتابعة التغيرات في أنظمة الرياح والمناطق الجافة في الوقت الفعلي.

ويمكن لعلماء المناخ الاستفادة من هذه البيانات في محاولة توقع تأثير التصحر والتعرية الناتجة عن الرياح في المجتمعات البشرية خلال العقود المقبلة.

كما تتيح الخريطة للباحثين، بمن فيهم الجيولوجيون وعلماء المناخ وعلماء الكواكب، موردا موحدا لدراسة التغيرات البيئية على الأرض وخارجها.

وتوفر الخريطة بذلك قاعدة بيانات مهمة لفهم العلاقة بين حركة الرمال والرياح والمناخ والجيولوجيا، كما يمكن أن تساعد على مراقبة التغيرات التي تشهدها المناطق الجافة مع استمرار تغير المناخ.