‏سر غريب في أجنة الثعابين ... اختلاف نمو الجسم والأمعاء يحدد اتجاه الالتفاف

‏لماذا تلتف أجنة الثعابين دائما إلى اليمين؟ دراسة تكشف السر ‏( مصدر الصورة: Current Biology ) ‏لماذا تلتف أجنة الثعابين دائما إلى اليمين؟ دراسة تكشف السر ‏( مصدر الصورة: Current Biology )

‏قد يكون هناك تفسير مفاجئ للسبب الذي يجعل أجنة الثعابين تلتف إلى اليمين خلال مراحلها الأولى من النمو.

‏فمع نمو جنين الثعبان داخل البيضة، يزداد طول جسمه تدريجيا ويلتف على شكل حلزوني قبل أن تتطور لديه العضلات التي تمكنه من الحركة.

‏وتشير دراسة جديدة إلى أن الأمعاء تلعب دورا في تشكيل هذه الالتفافات الأولى، إذ يبدو أنها تعمل على تقييد جسم ينمو بسرعة أكبر منها.

‏ووجد فريق دولي بقيادة باحثين كنديين أدلة على أن هذا الاختلاف في سرعة النمو يجعل جسم الجنين ينثني ويلتوي في شكل حلزوني باتجاه اليمين.

التفاف أجنة الثعابين ‏( مصدر الصورة: Current Biology )

‏ونشرت الدراسة في 31 أغسطس 2026 في مجلة Current Biology، وربطت هذه القدرة على الالتفاف بطريقة نمو أجسام الثعابين التي تعد الأطول بين جميع أجسام الحيوانات الفقارية قبل الفقس.

‏جسم ينمو بسرعة والأمعاء تتأخر

‏توصل الباحثون إلى آلية هذا الالتفاف من خلال تركيب غير معتاد داخل الجنين، كشف عنه تصوير مقطعي أجراه الباحث راؤول دياز من جامعة ولاية كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

‏وتستخدم الأشعة السينية في التصوير المقطعي لإظهار التراكيب الموجودة داخل الجسم.

‏وقال المؤلف الرئيسي وقائد الفريق تتسوتو مياشيتا، عالم الأحياء التطورية في متحف الطبيعة الكندي، إن الصورة المقطعية لجنين الثعبان كشفت عن تركيب لم يسبق للفريق رؤيته.

‏وتمثل هذا التركيب في عمود من الأمعاء يمتد عبر المنطقة الحلزونية التي يتخذها الجسم أثناء الالتفاف.

‏وأوضح الباحث أن هناك أمعاء منفصلة عن بقية الجسم، وتحيط بها أوعية دموية متفرعة قادمة من كيس المح.

‏ومع استمرار جسم الجنين في الاستطالة بسرعة، لا تستطيع الأمعاء مواكبة هذا النمو.

‏وبحسب مياشيتا، تنفصل الأمعاء البطيئة النمو عن بقية الجسم، لكنها تظل مرتبطة به وتعمل على تقييد الجسم الذي يزداد طولا.

‏ونتيجة لذلك، ينثني الجسم ويلتوي ويتخذ شكلا حلزونيا.

‏لماذا يكون الالتفاف إلى اليمين؟

‏يرى الباحثون أن قوة الالتفاف توجه الجسم بحيث ينمو باتجاه الجانب المقابل من كيس المح.

‏وهنا تكمن النقطة الأساسية في تفسير اتجاه الالتفاف، إذ يوجد كيس المح دائما على الجانب الأيسر من جنين الثعبان.

‏وبالتالي، يبدأ الجنين بالالتفاف دائما باتجاه اليمين.

‏وشبه مياشيتا هذه العملية بما يحدث عند تغيير طول حزام، إذ يؤدي اختلاف طول الجزء المنثني إلى التواء الحلقة الأطول.

‏أجنة الثعابين تستطيع تغيير اتجاهها

‏بدأ الفريق البحث عن تفسير فيزيائي لهذه الظاهرة بعد ملاحظة أن أجنة الثعابين، خلال الأسابيع الأولى بعد وضع البيض، تبدو وكأنها تلتف من الرأس إلى الذيل باتجاه اليمين فقط، أو ما يعرف بالالتفاف اليميني.

‏وقالت المؤلفة الرئيسية ألكسندرا ويبر، التي أصبحت لاحقا طالبة دراسات عليا في علم الحيوان بجامعة كولومبيا البريطانية، إن الأجنة في هذه المرحلة لا تمتلك عضلات تمكنها من الحركة، ولذلك يجب أن تكون هناك قوى أخرى تدفعها إلى الالتفاف باتجاه اليمين.

‏لكن الباحثين لم يعرفوا في البداية ما الذي يسبب هذه الحركة.

‏ومع استمرار نمو الجنين، يعيد وضع جسمه داخل البيضة بينما يتقلص كيس المح.

‏وفي هذه المرحلة، تبدأ العضلات بالنضج، ما يسمح للجنين بالحركة وتغيير اتجاه الالتفاف.

‏وقالت ويبر إن بعض الأجنة تستمر في الالتفاف إلى اليمين، بينما يعيد بعضها الالتفاف باتجاه اليسار.

‏وبذلك، تصبح الأجنة التي تقترب من موعد الفقس موزعة تقريبا بين من تلتف أجسامها إلى اليمين ومن تلتف إلى اليسار.

‏أكثر من 900 جنين تحت الدراسة

‏بدأت مجموعة الصور التي كشفت هذا النمط خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19 عام 2020.

‏وفي ذلك الوقت، كان مياشيتا يعمل من منزله ويحاول ابتكار مشروع بحثي يستطيع الطلاب تنفيذه من دون الوصول إلى المختبر أو مجموعات المتحف.

‏ثم خطرت له فكرة دراسة اتجاه التفاف أجنة الثعابين.

‏وقال إنه كان مهتما منذ فترة طويلة بعدم التماثل في أشكال أجسام الحيوانات، ولذلك بدأ يتساءل عند رؤية صور أجنة الثعابين في الدراسات العلمية عما إذا كانت تلتف إلى اليمين أم إلى اليسار.

‏وبتوجيه منه، قامت ويبر، التي كانت تدرس آنذاك في جامعة كارلتون، وطالبان جامعيان آخران من جامعة أوتاوا، بطلب الصور عبر البريد الإلكتروني والبحث في الأدبيات العلمية وقواعد بيانات مجموعات المتاحف.

‏وجمع الفريق صورا لأكثر من 900 جنين ينتمون إلى 39 نوعا من الثعابين وغيرها من أنواع الحرشفيات عديمة الأطراف.

‏وتنتمي الحرشفيات إلى مجموعة من الزواحف تضم الثعابين والسحالي.

‏ويرى مياشيتا أن هذا العدد يمثل عينة قوية من الناحية الإحصائية.

‏طريقة بسيطة تكشف لغز التطور

‏لطالما أثار الشكل الغريب لأجسام الثعابين اهتمام العلماء، وركزت أبحاث كثيرة على تفسير كيفية تطور هذا الشكل، بما في ذلك دراسة الجينات المتخصصة مثل جينات Hox والعناصر التنظيمية المرتبطة بها.

‏ويقول الباحثون إن هذه الدراسات قدمت اكتشافات مهمة، لكن البحث الحالي توصل إلى جانب من أسرار الثعابين باستخدام طريقة بسيطة نسبيا.

‏فقد اعتمد الفريق على جمع صور أجنة الثعابين وتسجيل اتجاه التفافها، ثم دراسة تشريحها بالتفصيل.

‏وقالت ويبر إن المشروع بدأ بدافع الفضول لمعرفة ما إذا كانت الثعابين «يمينية أو يسارية» في طريقة التفافها، لكنها وجدت أن متابعة هذه الملاحظة قادت إلى رؤى أعمق حول تطور الثعابين.

‏هل تفسر آلية النمو أشكالا حلزونية أخرى؟

‏يريد الباحثون الآن معرفة ما إذا كان النمو غير المتساوي يمكن أن يساعد في تفسير كيفية تشكل الأشكال الحلزونية لدى حيوانات أخرى.

‏وقالت ويبر إن الأشكال الحلزونية تحمل جانبا من الغموض، وإن العلماء بدأوا فقط في فهم كيفية إنتاج هذه الأشكال لدى الحيوانات، مثل الأمعاء الملتفة وقواقع الحلزون وأجنة الثعابين التي تلتف في أشكال حلزونية.

‏وأشار مياشيتا إلى أن هذه الأشكال الطبيعية أثارت فضول البشر منذ زمن طويل، وألهمت أشكالا مختلفة في الحياة اليومية، من المعكرونة الحلزونية إلى عمود الحلاق، وحتى بعض التصورات الفنية لـ برج بابل.

‏ويأمل الباحثون في تطوير النموذج الذي توصلوا إليه، بحيث يمكن استخدامه مستقبلا لتفسير أشكال حلزونية أخرى موجودة في الطبيعة.