ناسا تكتشف فوهة ضخمة جديدة على القمر ... ‏اصطدام نادر يحدث مرة كل قرن

‏ناسا ترصد أكبر فوهة قمرية حديثة ‏( مصادر الصور: NASA ) ‏ناسا ترصد أكبر فوهة قمرية حديثة ‏( مصادر الصور: NASA )

ساعدت المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية التابعة لوكالة ناسا في اكتشاف فوهة اصطدام يبلغ عرضها 728 قدما، تشكلت على سطح القمر عام 2024 نتيجة اصطدام نادر وعنيف بجسم فضائي.

‏بدأ الاكتشاف كفحص روتيني لبيانات رسم خرائط القمر، لكنه تحول سريعا إلى اكتشاف غير متوقع. كان روبرت واغنر، وهو عالم يعمل مع المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية (LRO) التابعة لناسا، يفحص خريطة كبيرة للقمر عندما لفت انتباهه شيء غير معتاد: بقعة شديدة السطوع تحيط بها هالة داكنة.

‏وأشارت هذه الصورة إلى أن مادة على سطح القمر تعرضت مؤخرا لاضطراب.

‏وقال واغنر، وهو متخصص في معالجة الصور لدى شركة Intuitive Machines ويعمل مع بيانات نظام كاميرات المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية:

‏«"توقفت عن كل شيء وبدأت أبحث في ماهية تلك البقعة."»

‏وعندما قارن واغنر الصور القديمة بالصور الأحدث، أدرك أن هذه السمة لم تكن موجودة دائما.

‏وخلص العلماء لاحقا إلى أن ما اكتشفه كان أكبر فوهة اصطدام حديثة التكوين جرى تحديدها على الإطلاق في النظام الشمسي، وفقا لبحث نشر في 16 سبتمبر 2026 في مجلة Science Advances.

‏ويوضح هذا الاكتشاف كيف يمكن للمراقبة المستمرة للقمر التي تجريها ناسا منذ سنوات طويلة أن تكشف أن سطحه لا يزال يتغير.

‏وتزداد أهمية هذه المعلومات مع عمل ناسا على إقامة وجود بشري مستدام على القمر، بالتزامن مع تزايد النشاط العلمي والتجاري هناك.

‏فوهة ماكغيتشين ... اصطدام نادر خلّف حفرة عملاقة

فوهة ماكغيتشين القمرية ‏( مصادر الصور: NASA )

‏أطلق على الفوهة اسم ماكغيتشين (McGetchin) تكريما لعالم القمر الرائد توم ماكغيتشين.

‏وتشكلت الفوهة بالقرب من الحافة الشرقية للقمر في وقت ما بين 11 أبريل و22 مايو 2024.

‏ويقدر العلماء أن الجسم الذي تسبب في الاصطدام كان مذنبا أو كويكبا يبلغ حجمه نحو حجم مبنى يتراوح ارتفاعه بين ثلاثة وستة طوابق.

‏ونتج عن الاصطدام حفر فوهة يبلغ عرضها 728 قدما، أي ما يعادل تقريبا الطول الإجمالي لملعبي كرة قدم، كما يبلغ عمقها 141 قدما، وهو ما يكفي لاستيعاب ثلاث حافلات مدرسية صفراء مكدسة فوق بعضها.

‏وتعد اصطدامات بهذا الحجم نادرة للغاية. ويقدر الباحثون أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة واحدة كل قرن تقريبا.

‏منذ أكثر من 17 عاما، تدور المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية حول القمر، بينما تعمل أجهزتها العلمية السبعة على قياس سطحه ورسم خرائط له.

‏وتدرس المركبة مجموعة واسعة من خصائص القمر، بما في ذلك ارتفاع سطحه وتركيبه الكيميائي ودرجة حرارته وبيئة الإشعاع المحيطة به.

‏وخلال المهمة، حدد العلماء ما لا يقل عن 1000 فوهة اصطدام حديثة التكوين.

‏كما سجلوا نحو 100 ألف تغير إضافي في سطح القمر، نتجت إما عن اصطدام أجسام به أو عن الحطام الذي تطاير إلى الخارج نتيجة تلك الاصطدامات.

‏وعلى عكس الأرض، لا يمتلك القمر غلافا جويا كبيرا يمكنه إبطاء الصخور الفضائية القادمة أو التسبب في احتراقها قبل وصولها إلى سطحه.

‏ونتيجة لذلك، يمكن للأجسام الفضائية أن تصطدم بسطح القمر مباشرة بسرعات هائلة.

‏ومعظم هذه الأجسام أصغر بكثير من الجسم الذي شكل فوهة ماكغيتشين.

‏وتبلغ أبعاد أصغر الفوهات الحديثة التي يستطيع الباحثون تحديدها بشكل موثوق في صور المركبة نحو 30 قدما، أي ما يقارب طول مبنى من ثلاثة طوابق موضوع على جانبه.

‏ويمكن أن تنتج هذه الفوهات عن صخور يبلغ عرضها نحو 43 بوصة، أي ما يقارب حجم إطار شاحنة ضخمة.

‏ويقدر الباحثون أن اصطدامات بهذا الحجم تنتج نحو 140 فوهة يمكن رصدها على سطح القمر كل عام.

‏كما تصطدم بالقمر أعداد لا تحصى من الأجسام الأصغر، لكن معظمها يترك آثارا صغيرة للغاية بحيث لا يمكن رصدها من المدار.

‏بقعة باردة تمتد لأربعة أميال حول الفوهة

‏تحمل المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية عدة أجهزة يمكنها اكتشاف تغيرات لا تظهر في صور الكاميرات العادية.

‏وبعد تحديد فوهة ماكغيتشين، استخدم الباحثون جهاز Diviner الحراري الموجود على متن المركبة لدراسة درجات الحرارة حول موقع الاصطدام.

‏واكتشفوا ظاهرة لافتة.

‏فقد تبين أن منطقة تمتد لنحو أربعة أميال حول الفوهة كانت أبرد بنحو 16 درجة فهرنهايت أثناء الليل مقارنة بالتضاريس القمرية المحيطة بها.

‏وفي بحث ثان نشر في 16 سبتمبر في المجلة نفسها، خلص الباحثون إلى أن هذا الاختلاف في درجة الحرارة ناتج عن التغيرات التي طرأت على التربة القمرية السطحية.

‏كيف تشكلت البقعة الباردة؟

‏تتكون التربة القمرية السطحية (Regolith) من طبقة مفككة من الغبار والصخور المتكسرة والحطام تغطي سطح القمر.

‏وأدى الاصطدام إلى تقليب هذه المادة وتفكيكها، ما جعلها أقل كثافة وتماسكا.

‏وأصبح السطح المتغير أقل قدرة على الاحتفاظ بالحرارة، ولذلك يبرد بسرعة أكبر بعد غروب الشمس.

‏وقد فاجأ الحجم الكبير لهذه "البقعة الباردة" الباحثين، لأنه يوضح أن آثار الاصطدام يمكن أن تمتد إلى مسافات بعيدة عن الفوهة نفسها.

‏وقد تكون لهذه التغيرات أيضا آثار عملية، إذ يمكن للتربة القمرية الأقل تماسكاً، على سبيل المثال، أن تؤثر في قدرة عجلات المركبات الجوالة على التماسك والتحرك فوق سطح القمر.

‏كيف اكتشفت ناسا الفوهة؟

‏يلتقط نظام كاميرات المركبة المدارية الاستطلاعية القمرية صورا للقمر من ارتفاع يقارب 60 ميلا، بينما تدور المركبة حول القطبين القمريين.

‏ويتضمن النظام كاميرتين تلتقطان صورا تفصيلية بالأبيض والأسود، إلى جانب كاميرا أخرى تسجل صورا متعددة الأطياف لمساحات أوسع.

‏وبعد آلاف الرحلات المدارية، تمكن العلماء من إعداد خرائط شديدة التفصيل تكشف ما هو أبعد من مجرد فوهات الاصطدام.

‏فقد استخدمت صور المركبة أيضا لتحديد الانهيارات الأرضية ومواقع هبوط المركبات الفضائية والصدوع الزلزالية والعلامات المحتملة لأنابيب الحمم البركانية الموجودة تحت سطح القمر.

‏ويفحص العلماء الذين يعملون مع نظام كاميرات المركبة بصورة منتظمة الصور التفصيلية التي تلتقطها الكاميرا ضيقة الزاوية، بحثا عن تغيرات صغيرة يقل عرضها غالبا عن 30 قدما.

‏لكن الفريق يجري كل عدة سنوات نوعا مختلفا من عمليات البحث.

‏إذ ينشئ الباحثون خرائط عالمية للقمر ويقارنونها بخرائط أقدم للبحث عن تغيرات أكبر بكثير، يزيد عرضها على 150 قدما.

‏وكان واغنر يجري إحدى عمليات المقارنة هذه في 24 أكتوبر 2025 عندما لفتت فوهة ماكغيتشين انتباهه.

‏وباستخدام الصور التي التقطتها الكاميرا واسعة الزاوية التابعة لنظام LROC، والتي تغطي مساحات هائلة من التضاريس وتبلغ مساحة البكسل فيها نحو حجم ملعب كرة قدم، جمع واغنر مئات الصور القديمة والحديثة باستخدام برنامج مصمم لإبراز أي تغيرات حدثت بين مجموعتي الصور.

‏وظهرت المناطق التي لم تتغير باللون الرمادي، بينما ظهرت الاختلافات بين مجموعتي الرصد على شكل بقع ساطعة أو داكنة.

‏إشارة واحدة كشفت الاصطدام

‏في الواقع، يتطلب فصل التغيرات الحقيقية على سطح القمر عن التشويش البصري جهدا كبيرا.

‏فقد تؤدي الاختلافات الطفيفة في الإضاءة والظلال إلى تشغيل البرنامج، ما ينتج مئات الإشارات الخاطئة.

‏لذلك يفحص واغنر الاكتشافات المحتملة يدويا.

‏وعادة ما يبحث عن هالات صغيرة وغير واضحة حول نقاط ساطعة لا يتجاوز عرضها بكسلا واحدا، وهي أنماط يمكن أن تشير إلى تناثر التربة القمرية نتيجة اصطدام حديث.

‏لكن فوهة ماكغيتشين كانت مختلفة تماما.

‏فبدلا من ظهورها كإشارة صغيرة، امتد نمط الحطام الناتج عنها عبر مئات وحدات البكسل.

‏وقال واغنر:

‏«"كان هذا بوضوح أكبر نمط لحطام اصطدام رأيته على الإطلاق في إحدى هذه الصور."»

‏بعد اكتشاف الفوهة، استخدم الباحثون الكاميرا ضيقة الزاوية التابعة لنظام LROC لإلقاء نظرة أكثر قربا.

‏ويمكن لهذه الكاميرا التقاط تفاصيل بدقة تصل إلى نحو 3 أقدام لكل بكسل.

‏وعندما مرت المركبة المدارية فوق الموقع مرة أخرى، كشفت هذه الصور الأكثر وضوحا أبعاد فوهة ماكغيتشين وشكلها ومدى الاضطراب الذي أصاب التضاريس المحيطة بها.

‏كما وفرت الصور للعلماء معلومات استخدموها لتقدير حجم الجسم الفضائي القادم وقوة الاصطدام.

‏ومن المتوقع عرض هذه الحسابات في بحث علمي مستقبلي.