كشفت دراسة علمية جديدة أن ممارسة الغوص الحر قد تؤدي إلى تغييرات في الروابط بين مناطق الدماغ المختلفة، بما يساعد على الحفاظ على الذاكرة رغم التعرض المتكرر لنقص الأكسجين أثناء حبس الأنفاس تحت الماء.
وأظهرت بيانات التصوير العصبي أن سبعة أشهر من التدريب على الغوص الحر ارتبطت بتغيرات في الاتصالات بين الحُصين، وهو أحد المراكز الرئيسية المسؤولة عن الذاكرة، وشبكات عصبية أخرى في الدماغ.
وأجرى الدراسة فريق من علماء الأعصاب الفرنسيين، ونُشرت نتائجها الأولية في صورة بحث تمهيدي على منصة bioRxiv، قبل استكمال إجراءات المراجعة العلمية اللازمة للنشر النهائي.
كيف يؤثر الغوص الحر في الدماغ؟
الغوص الحر ( مصدر الصور: ScienceAlert )
يُعد الغوص الحر رياضة تعتمد على الغوص تحت الماء مع حبس الأنفاس، من دون استخدام أجهزة التنفس المخصصة للغوص.
وخلال ممارسة هذه الرياضة، يتعرض الغواصون بصورة متكررة لنقص الأكسجين، وهي حالة تُعرف باسم نقص التأكسج، ما يضع الدماغ أمام تحد يتمثل في مواصلة أداء وظائفه رغم انخفاض إمدادات الأكسجين.
ولفهم كيفية تكيف الدماغ مع هذه الظروف، درس باحثون فرنسيون التغيرات التي تحدث في الاتصالات العصبية لدى ممارسي الغوص الحر بعد فترة من التدريب المنتظم.
ووجد الباحثون أن التدريب ارتبط بتغيرات ملحوظة في طريقة اتصال مناطق الدماغ ببعضها، بما يشير إلى أن الدماغ قد يعيد تنظيم بعض شبكاته استجابة للتعرض المتكرر لنقص الأكسجين.
كيف أُجريت الدراسة؟
قاد فريق البحث جوليا ميكو من جامعة باريس ساكلاي في فرنسا، وراقب 17 رجلا يمارسون الغوص الحر، تتراوح أعمارهم بين 27 و55 عاما، وخضعوا لبرنامج تدريبي استمر سبعة أشهر.
وللمقارنة، استعان الباحثون بمجموعة ضابطة تضم 20 رجلا من الفئة العمرية نفسها، لم يمارسوا الغوص، لكنهم كانوا يمارسون تمارين هوائية بمعدل خمس ساعات أسبوعيا تقريبا.
وخضع المشاركون لتصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي قبل البرنامج التدريبي وبعده، بهدف رصد التغيرات في نشاط الدماغ والاتصالات بين مناطقه.
وأثناء جلسات التصوير، حبس المشاركون أنفاسهم أربع مرات، لمدة تصل إلى دقيقتين في كل مرة، مع التنفس بصورة طبيعية لمدة 90 ثانية بين المحاولات.
وبعد ذلك، خضعوا لاختبار لقياس الذاكرة العرضية، وهي الذاكرة المرتبطة بتذكر الأحداث والتجارب الشخصية وتفاصيلها.
وأتاح هذا التصميم للباحثين مقارنة التغيرات التي طرأت على نشاط الدماغ لدى الغواصين بعد التدريب، ودراسة علاقتها بأدائهم في اختبارات الذاكرة.
تغيرات في الروابط بين شبكات الدماغ
أظهرت نتائج التصوير العصبي أن التدريب على الغوص الحر ارتبط بتعزيز الاتصالات بين المناطق الجبهية والجدارية في الدماغ، من جهة، والشبكات الحسية الحركية وشبكة الأهمية والشبكات البصرية، من جهة أخرى.
وتشارك المناطق الجبهية والجدارية في مجموعة واسعة من الوظائف المعرفية، بما في ذلك الانتباه والتحكم في السلوك ومعالجة المعلومات.
أما الشبكات الحسية الحركية، فتسهم في معالجة المعلومات الحسية والتحكم في الحركة، في حين تساعد الشبكة البصرية على معالجة المعلومات التي تصل عبر حاسة البصر.
وتشارك شبكة الأهمية في تحديد المعلومات المهمة التي تستدعي انتباه الدماغ والاستجابة لها.
ويشير تعزيز الاتصالات بين هذه المناطق إلى حدوث تغيرات في طريقة تفاعل الشبكات العصبية لدى الغواصين بعد التدريب.
لكن التغير الأبرز ظهر في الحُصين، الذي يؤدي دورا أساسيا في تكوين الذكريات وتنظيمها واسترجاعها.
الحُصين يغير اتصالاته للمحافظة على الذاكرة
على عكس التغيرات التي ظهرت في الشبكات الأخرى، اتخذت اتصالات الحُصين نمطا مختلفا.
فقد ازدادت قوة الاتصال بين الحُصين والمخيخ، بينما ضعفت الاتصالات بين الحُصين والمناطق الحسية الحركية.
والمخيخ منطقة في الدماغ ترتبط أساسا بتنسيق الحركات والتوازن، لكن الأبحاث تشير أيضا إلى مشاركته في بعض الوظائف المعرفية.