يعد عدس الماء من أكثر النباتات المزهرة غرابة على كوكب الأرض، إذ لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات. وعلى الرغم من صغر حجمه الشديد، فإن أقرب أقاربه نباتات عشبية كبيرة الحجم.
ولفترة طويلة، اعتقد العلماء أن هذا الحجم المتناهي الصغر نتج عن تبسيط البنية النباتية وفقدان بعض الأعضاء والأنسجة، على غرار ما يحدث كثيرا لدى الحيوانات عندما تتطور نحو أحجام أصغر. لكن دراسة أجرتها جامعة نوتنغهام البريطانية كشفت صورة مختلفة تماما.
وأجرى فريق البحث تحليلا للتعبير الجيني، واستخدم تقنيات مجهرية متطورة لفحص البنية الداخلية لعدس الماء. وقد أذهلت النتائج، المنشورة في مجلة Current Biology العلمية، الباحثين.
وقال أنتوني بيشوب، رئيس الدراسة من جامعة نوتنغهام: «أردنا معرفة كيف يمكن أن تستوعب هذه المساحة الصغيرة للغاية المخطط البنيوي الكامل للنبات».
نبات عدس الماء ( مصادر الصور: Wikimedia )
كيف يضغط النبات جميع أجزائه في مساحة صغيرة؟
أظهرت الدراسة أن عدس الماء لم يفقد أيا من البنى الأساسية للجزء الخضري من النبات، وهي البنى الموجودة أيضا لدى النباتات الكبيرة.
وبدلا من ذلك، تعرضت جميع مكوناته لضغط شديد واندماج بعضها مع بعض، لتشكل جسما نباتيا بالغ الصغر. وهكذا، احتفظ النبات بالبنية الأساسية الكاملة للجزء الخضري، لكن في صورة مضغوطة ومندمجة بإحكام.
ويغير هذا الاكتشاف النظرة العلمية إلى كيفية حدوث التصغير في عالم النباتات. ففي الحيوانات، غالبا ما تترافق هذه العملية مع فقدان أعضاء وأنسجة كاملة، بينما اتبع عدس الماء مسارا تطوريا مختلفا، إذ احتفظ بالبنى الأساسية وضغطها إلى أقصى حد ممكن.
ويحذر مؤلفو الدراسة من الاعتقاد بأن عدس الماء نبات بدائي أو نبات فقد بعض أجزائه خلال تطوره، مؤكدين أن هذا التصور غير دقيق.
عدس الماء قد يصبح مصدرا غذائيا للمستقبل
يتزايد الاهتمام العلمي بعدس الماء حاليا، إذ يدرسه الباحثون باعتباره مصدرا محتملا للغذاء والبروتين الجديد على الأرض، فضلا عن إمكانية زراعته خلال البعثات الفضائية المستقبلية.
وعلى خلاف معظم المحاصيل الزراعية التي تشكلت خصائصها عبر آلاف السنين من الانتقاء والتدجين، لا تزال الإمكانات الكاملة لعدس الماء غير مفهومة بما يكفي. وحتى بنيته الداخلية ظلت لغزا علميا لفترة طويلة.
فهم بنية عدس الماء يمهد للاستفادة من إمكاناته
إن فهم كيفية تشكل عدس الماء ونموه وتطوره وأدائه لوظائفه يوفر أساسا علميا مهما لاستكشاف إمكاناته والاستفادة منها.
وبحسب الدكتور وير، ستساعد هذه الدراسة على تحويل هذا النبات الصغير إلى محصول زراعي متكامل يمكن الاستفادة منه في المستقبل.
وقد يسهم الكشف عن أسرار بنيته المدمجة في تطوير استخداماته الزراعية والغذائية، ولا سيما في المجالات التي تتطلب إنتاجا فعالا للغذاء والبروتين ضمن مساحة محدودة، بما في ذلك المهمات الفضائية طويلة الأمد.