17 تهديدا صحيا تواجه البشرية حتى عام 2100 وخطرين قد يؤديان إلى انقراضها

أبرز المخاطر التي تهدد صحة البشرية حتى عام 2100 ‏( مصدر الصورة: Getty Images ) أبرز المخاطر التي تهدد صحة البشرية حتى عام 2100 ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏إذا كان هناك درس رئيسي علمتنا إياه جائحة كوفيد-19، فهو أن العالم قد لا يكون مستعدا للأزمات بالقدر الذي نعتقده.

‏وفي تقييم دولي واسع نشرته مجلة لانسيت (The Lancet)، حدد عشرات الخبراء العلميين 17 تهديدا صحيا عالميا رئيسيا يواجه البشرية خلال القرن الحادي والعشرين، مع التركيز على مدى استعداد العالم للتعامل معها.

‏ورغم خطورة الصورة التي يرسمها التقرير، فإن رسالته الأساسية تتمثل في أن بالإمكان الحد من مخاطر الكوارث العالمية وإدارتها، لكن ذلك يتطلب اتخاذ إجراءات الآن، قبل أن تتفاقم التهديدات.

‏وقال الطبيب والاقتصادي الصحي كريستوفر جيه إل موراي، من جامعة واشنطن، والرئيس المشارك للجنة لانسيت المعنية بالتهديدات العالمية لصحة البشرية في القرن الحادي والعشرين، إن النتيجة اللافتة لا تقتصر على حجم هذه المخاطر، بل تشمل أيضا قدرة البشرية على التحرك لمواجهتها.

‏وأضاف: «عبر التهديدات الكارثية السبعة عشر، ستحدد القرارات التي يتخذها القادة اليوم صحة الجيل القادم ورفاهيته».

‏كيف قدر العلماء حجم المخاطر الصحية؟

‏استخدم الباحثون نماذج حسابية لتقدير حجم الوفيات والإعاقات التي يمكن تجنبها نتيجة التعامل مع كل تهديد خلال الفترة الممتدة من عام 2025 إلى عام 2100.

‏واعتمدوا في ذلك على مقياس يسمى سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة (DALYs)، وهو مؤشر يجمع بين سنوات الحياة المفقودة بسبب الوفاة المبكرة والسنوات التي يعيشها الأشخاص مع المرض أو الإعاقة.

‏وبذلك، يساعد هذا المقياس على تقدير العبء الصحي الإجمالي للأمراض والإصابات، وليس الوفيات وحدها.

‏وقال موراي إن التقديرات توضح مقدار الخسائر الصحية التي يمكن تجنبها في كل مجال، مشيرا إلى أن بعض التهديدات تفرض بالفعل أعباء صحية كبيرة في الوقت الحالي، بينما تحمل تهديدات أخرى مخاطر حقيقية إذا تحققت.

‏خطران قد يحملان إمكانية انقراض البشرية

‏من بين التهديدات التي تناولها التقييم، خص الباحثون خطرين باهتمام استثنائي، معتبرين أنهما يحملان إمكانية انقراض البشرية خلال الفترة الممتدة حتى عام 2100، رغم أن احتمال وقوعهما يظل منخفضا.

‏وهذان الخطران هما:

‏الذكاء الاصطناعي المستخدم لأغراض خبيثة: بما في ذلك توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير أسلحة بيولوجية جديدة.

‏الصراع النووي وما قد يترتب عليه من مجاعة نووية: إذ قد يؤدي استخدام الأسلحة النووية على نطاق واسع إلى اضطرابات كارثية، تشمل التأثير في إنتاج الغذاء والإمدادات الغذائية العالمية.

‏وأوضح الباحثون في تقريرهم أن أخطارا أخرى قد تؤدي نظريا إلى انقراض البشرية، مثل اصطدام الكويكبات بالأرض أو ثوران البراكين العملاقة، لم تُدرج ضمن التهديدات التي خضعت للتقييم نفسه، بسبب الانخفاض الشديد لاحتمال وقوعها خلال هذا القرن.

‏كما استبعدوا سيناريو آخر افترض بعض العلماء أنه قد يحمل إمكانية انقراض البشرية، وهو إنشاء ما يعرف باسم «الحياة المرآتية» (Mirror Life)، لأن هذا النوع من الحياة لم يُطوَّر حتى الآن، ولأن تقييم آثاره المحتملة في صحة الإنسان لا يزال سابقا لأوانه.

التهديدات الصحية العالمية ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏15 تهديدا آخر قد يتسبب كل منها في خسائر صحية هائلة

‏إلى جانب الخطرين الاستثنائيين، حدد الباحثون 15 تهديدا كارثيا رئيسيا آخر، يرتبط كل منها بإمكانية تجنب أكثر من مليار سنة من العمر المصححة باحتساب الإعاقة بين عامي 2025 و2100.

‏وللمقارنة، يعادل مليار سنة من هذا المقياس، وفقا للباحثين، العبء الصحي الناجم عن جائحتين بحجم جائحة كوفيد-19.

‏وكتب الباحثون أن هذه التقديرات توضح مدى أهمية التعامل مع تلك المخاطر بالنسبة إلى الحكومات والمجتمع الدولي.

‏وشملت التهديدات الخمسة عشر ما يلي:

‏تلوث الهواء.

‏مقاومة مضادات الميكروبات.

‏سوء التغذية لدى الأطفال.

‏تغير المناخ.

‏انهيار تمويل المساعدات الصحية الدولية.

‏النزاعات المسلحة التقليدية.

‏الاستهلاك المرتفع للكحول.

‏ارتفاع ضغط الدم.

‏التفاوت في الدخل.

‏انخفاض مستوى التحصيل التعليمي.

‏الأوبئة الناشئة بصورة طبيعية.

‏السمنة.

‏اعتلال الصحة النفسية.

‏التدخين.

‏الشيخوخة غير الصحية.

‏وتختلف هذه المخاطر في أسبابها وآليات تأثيرها، لكنها تشترك في قدرتها على التسبب في أعباء صحية كبيرة، يمكن الحد من جزء منها من خلال السياسات الوقائية والاستثمارات طويلة الأمد.

‏السمنة تتصدر قائمة الأعباء الصحية القابلة للتجنب

‏من بين التهديدات الخمسة عشر، قدرت الدراسة أن السمنة تمثل المجال الذي يمكن فيه تجنب أكبر قدر من الخسائر الصحية.

‏وشمل تقدير الباحثين الآثار الصحية المرتبطة بارتفاع مؤشر كتلة الجسم، والنظام الغذائي غير الصحي، وانخفاض النشاط البدني.

‏ووفقا للنماذج المستخدمة، بلغ الفرق بين السيناريوهين الأفضل والأسوأ فيما يتعلق بالعبء الصحي للسمنة نحو 23.1 مليار سنة من العمر المصححة باحتساب الإعاقة حتى عام 2100.

‏ويعادل هذا الرقم، بحسب المقارنة الواردة في الدراسة، العبء الصحي لنحو 46 جائحة بحجم جائحة كوفيد-19.

‏ولا يعني ذلك أن السمنة ستؤدي حتما إلى هذه الخسائر، بل إن الرقم يمثل الفرق المحتمل بين مسارات مستقبلية مختلفة، بحسب مدى نجاح العالم في الحد من عوامل الخطر المرتبطة بها.

‏وتبرز هذه النتيجة أهمية الوقاية من السمنة، وتحسين جودة الغذاء، وتشجيع النشاط البدني، إلى جانب تعزيز قدرة الأنظمة الصحية على اكتشاف الأمراض المرتبطة بها وعلاجها.

‏التعليم وعدم المساواة يؤثران في صحة المجتمعات

‏بعد السمنة، جاءت مستويات التحصيل التعليمي المنخفضة والتفاوت في الدخل ضمن المجالات التي يمكن أن يؤدي التعامل معها إلى تجنب أعباء صحية كبيرة.

‏وأشار الباحثون إلى أن رفع مستويات التعليم قد يساعد على تقليل عبء الأمراض من خلال تحسين صحة الأفراد، كما قد يسهم في إبطاء النمو السكاني.

‏ويؤثر التعليم في الصحة بطرق متعددة، من بينها تحسين القدرة على فهم المعلومات الطبية، واتخاذ قرارات صحية أفضل، والوصول إلى فرص العمل والموارد التي تدعم الحياة الصحية.

‏أما التفاوت في الدخل، فقد يرتبط باختلاف فرص الحصول على الرعاية الصحية الجيدة والغذاء المناسب والسكن الآمن والتعليم، وهي عوامل تؤثر في صحة الأفراد والمجتمعات على المدى الطويل.

‏وتشير نتائج التقييم إلى أن الحد من المخاطر الصحية الكبرى لا يعتمد على التدخلات الطبية وحدها، بل يتطلب أيضا سياسات اجتماعية واقتصادية تعالج العوامل التي تسهم في نشوء الأمراض وانتشارها.

‏العبء الصحي العالمي قد يصل إلى 246 مليار سنة

‏وفق السيناريو الأساسي الذي اعتمده الباحثون، يُقدر إجمالي العبء العالمي للأمراض والإصابات خلال الفترة من عام 2025 إلى عام 2100 بنحو 246 مليار سنة من العمر المصححة باحتساب الإعاقة.

‏ويعادل هذا الرقم، وفق المقارنة التي استخدمتها الدراسة، العبء الصحي لنحو 500 جائحة بحجم جائحة كوفيد-19.

‏ويعكس هذا التقدير حجم التحديات الصحية التي قد تواجه العالم خلال العقود المقبلة، لكنه يحتاج إلى تفسير دقيق.

‏فالباحثون حسبوا العبء الصحي لكل تهديد على حدة، ولذلك لا يمكن جمع تقديرات المخاطر المختلفة بصورة مباشرة للوصول إلى إجمالي جديد؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى احتساب الأعباء الصحية نفسها أكثر من مرة.

‏فعلى سبيل المثال، قد يتعرض الشخص الواحد لتأثيرات عدة عوامل خطر في الوقت نفسه، مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم والتلوث، وقد تتداخل النتائج الصحية المرتبطة بهذه العوامل.

‏ولهذا، فإن الأرقام الواردة في الدراسة تمثل تقديرات لنطاقات مختلفة من الخسائر الصحية المحتملة، وليست مقادير مستقلة يمكن جمعها من دون مراعاة التداخل بينها.

‏لماذا تحتاج المخاطر الصحية إلى حلول مترابطة؟

‏يشدد الباحثون على أن العديد من التهديدات الصحية العالمية مترابطة، وأن التعامل معها يتطلب نهجا طويل الأمد ومتعدد الجوانب، بدلا من معالجة كل مشكلة بصورة منفصلة.

‏فالتلوث وتغير المناخ، على سبيل المثال، قد يؤثران في صحة الإنسان بطرق متعددة، بينما يمكن أن تتفاقم بعض المخاطر الصحية نتيجة الفقر أو ضعف التعليم أو محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية.

‏كذلك، يمكن أن تؤدي النزاعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية الصحية وتعطيل حملات التطعيم وتقليص وصول السكان إلى الغذاء والدواء.

‏أما مقاومة مضادات الميكروبات، فتزيد صعوبة علاج بعض أنواع العدوى، وقد ترفع مخاطر الإجراءات الطبية التي تعتمد على فعالية هذه الأدوية.

‏وتعني هذه الروابط أن معالجة خطر واحد قد تسهم أحيانا في الحد من مخاطر أخرى، إذا صُممت السياسات بصورة تراعي العوامل المشتركة بينها.

‏ثلاث توصيات لتعزيز استعداد العالم

‏قدم الباحثون ثلاث توصيات رئيسية لمساعدة الحكومات والمجتمع الدولي على مواجهة التهديدات الصحية خلال القرن الحالي.

‏1. بناء أنظمة صحية مستعدة للأزمات

‏دعا الباحثون الحكومات إلى إنشاء أنظمة صحية قادرة على الاستعداد للتهديدات المختلفة والاستجابة لها، مع توفير التمويل اللازم لتعزيز مرونتها.

‏ويشمل ذلك تحسين القدرة على رصد الأمراض، والاستعداد للأوبئة، وتطوير خطط الطوارئ، وضمان استمرار الخدمات الصحية الأساسية خلال الأزمات.

‏2. زيادة الاستثمار في الابتكارات النوعية

‏أوصى التقييم بزيادة كبيرة في الاستثمارات الموجهة إلى الابتكارات التي يمكن أن تحقق تقدما مهما في مجالات الصحة والمناخ والتكنولوجيا.

‏وقد تشمل هذه الجهود تطوير وسائل جديدة للوقاية من الأمراض وعلاجها، وتحسين تقنيات مراقبة المخاطر، وابتكار حلول تساعد على الحد من الآثار الصحية للتغيرات البيئية.

‏3. إنشاء مرصد عالمي للتهديدات الصحية

‏اقترح الباحثون إنشاء هيئة أو آلية رصد تحمل اسم «مرصد التهديدات العالمية لصحة البشرية في القرن الحادي والعشرين».

‏وستتمثل مهمتها في متابعة المخاطر الصحية العالمية وتحديث التقييمات باستمرار، بما يساعد صانعي القرار على التعرف إلى التغيرات في مستويات التهديدات وتحديد الأولويات.

‏ومن شأن هذه الآلية، إذا أُنشئت ونُفذت بفاعلية، أن تدعم تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول والمؤسسات العلمية والصحية.

‏دعوة إلى تجاوز التعامل مع كل خطر بصورة منفصلة

‏في تعليق افتتاحي مصاحب للدراسة، شدد محررو مجلة لانسيت على ضرورة تجاوز النظرة التي تتعامل مع الأضرار الصحية كل على حدة.

‏وأشاروا إلى أن التهديدات التي تواجه العالم متعددة ومعقدة وصعبة المعالجة، مؤكدين أن نتائج اللجنة يمكن أن تساعد على تحفيز إجراءات دولية وإقليمية ووطنية لحماية مستقبل الصحة البشرية وتعزيزه.

‏وتدعو هذه الرؤية إلى توسيع نطاق التفكير في مصادر الخطر، بحيث لا تقتصر الاستجابة على علاج الأمراض بعد ظهورها، بل تشمل أيضا الحد من العوامل التي تجعل المجتمعات أكثر عرضة للأزمات.

‏وتبرز الدراسة أن حجم التحديات الصحية المستقبلية لا يجعل التعامل معها مستحيلا، لكنه يزيد الحاجة إلى التخطيط المبكر والاستثمار في الوقاية والبحث العلمي والتعاون الدولي.

‏الخلاصة: حدد التقييم العلمي 17 تهديدا صحيا عالميا رئيسيا، من بينها السمنة والتلوث وتغير المناخ ومقاومة مضادات الميكروبات، إلى جانب خطرين منخفضي الاحتمال قد يحملان إمكانية انقراض البشرية، هما الذكاء الاصطناعي المستخدم لأغراض خبيثة والحرب النووية المصحوبة بمجاعة نووية. ويرى الباحثون أن الحد من هذه المخاطر يتطلب أنظمة صحية أكثر استعدادا، واستثمارات أكبر في الابتكار، ومراقبة مستمرة للتهديدات العالمية.