‏دواء مضاد للديدان يساعد في مواجهة سرطان الرئة المقاوم للأدوية

‏دواء رخيص يساعد في مواجهة سرطان الرئة المقاوم للعلاج ‏( مصدر الصورة: Getty Images ) ‏دواء رخيص يساعد في مواجهة سرطان الرئة المقاوم للعلاج ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏عندما تتمكن الخلايا السرطانية من مقاومة دواء صمم لإيقاف نموها، يبحث العلماء عن نقاط ضعف أخرى يمكن استهدافها. وتشير دراسة جديدة إلى احتمال غير متوقع، يتمثل في استخدام دواء معروف لعلاج العدوى بالديدان الطفيلية.

‏جمع الباحثون بين دواء مضاد للديدان وعقار موجه لعلاج سرطان الرئة. وأظهرت التجارب المخبرية أن هذا المزيج خفض نسبة بقاء الخلايا السرطانية المقاومة للعلاج ، بينما بينت التجارب على الفئران أن الجمع بين الدواءين أطال المدة اللازمة لتضاعف حجم الأورام مقارنة باستخدام كل دواء بمفرده.

‏وتقوم الفكرة على اكتشاف نقطة ضعف في الخلايا التي طورت القدرة على مقاومة العلاج، ثم استهدافها بطريقة تجعل استمرارها ونموها أكثر صعوبة.

‏وقال الباحث في علم الأدوية شكتا ماني ساتيام، من جامعة رأس الخيمة للطب والعلوم الصحية في الإمارات العربية المتحدة، لموقع ScienceAlert: «الرسالة المثيرة للاهتمام هي أن مقاومة الأدوية قد لا تجعل الخلايا السرطانية منيعة، بل ربما تترك فيها نقاط ضعف يمكننا استهدافها».

‏ونشرت الدراسة في مجلة PLOS ONE، واستخدمت مزيجا من عقار جيفيتينيب، وهو علاج موجه للسرطان، وميبيندازول، وهو دواء يستخدم لعلاج العدوى بالديدان الطفيلية.

‏كيف يعمل المزيج الدوائي ضد الخلايا السرطانية؟

السرطان المقاوم للعلاج ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏ركزت الدراسة على نموذج من سرطان الرئة غير صغير الخلايا يحمل طفرات في جين مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR)، وأصبحت خلاياه مقاومة لعقار جيفيتينيب.

‏ويعد EGFR بروتينا يساهم في نقل الإشارات التي توجه الخلايا إلى النمو. ويمكن لبعض التغيرات الجينية أن تبقي هذه الإشارات نشطة، ما يؤدي إلى تكاثر الخلايا السرطانية.

‏ويعمل جيفيتينيب على تثبيط هذا البروتين، وبالتالي الحد من إشارات النمو التي تدعم السرطان. لكن بعض الخلايا السرطانية تستطيع تطوير آليات تسمح لها بمواصلة النمو رغم العلاج.

‏وتساءل الباحثون عما إذا كان تعطيل جزء آخر من آليات عمل هذه الخلايا سيجعلها أكثر عرضة للتأثر بالدواء.

‏أما ميبيندازول، فيؤثر في تراكيب دقيقة داخل الخلايا تساعد على تنظيم عملية الانقسام ونقل المواد داخلها. وتؤدي هذه التراكيب دورا أساسيا في عمليات حيوية تعتمد عليها الخلايا أثناء التكاثر.

‏وقال ساتيام: «كانت فكرتنا هي مهاجمة السرطان من اتجاهين في الوقت نفسه».

‏وأضاف أن جيفيتينيب يثبط إشارات النمو، بينما يعطل ميبيندازول الآليات الداخلية للخلية ويزيد الضغط المرتبط بتضاعف الحمض النووي.

‏فكل خلية تنقسم تحتاج إلى نسخ حمضها النووي (DNA) قبل الانقسام. وافترض الباحثون أن تعطيل إشارات النمو والآليات الداخلية للخلية في آن واحد قد يجعل من الصعب على الخلايا المقاومة مواصلة التكاثر.

‏انخفاض بقاء الخلايا السرطانية في التجارب المخبرية

‏اختبر الباحثون الدواءين أولا على خلايا بشرية لسرطان الرئة أصبحت مقاومة لجيفيتينيب.

‏وبعد 72 ساعة من التجربة، ظلت نسبة بقاء الخلايا التي عولجت بجيفيتينيب وحده عند نحو 93% من المستوى المسجل في المجموعة غير المعالجة.

‏أما استخدام تركيز منخفض من ميبيندازول وحده، فخفض هذه النسبة إلى نحو 80%.

‏وعند الجمع بين الدواءين، انخفضت نسبة بقاء الخلايا إلى نحو 38%.

‏كما أدى استخدام تركيز من ميبيندازول أعلى بخمسة أضعاف، من دون جيفيتينيب، إلى خفض نسبة بقاء الخلايا إلى نحو 30%.

‏ووفقا للدراسة، حقق الجمع بين جيفيتينيب والتركيز المنخفض من ميبيندازول انخفاضا في بقاء الخلايا مماثلا لما حققه التركيز الأعلى من ميبيندازول وحده.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن الجمع بين الدواءين قد يحقق تأثيرا ملحوظا حتى مع استخدام تركيز أقل من الدواء المضاد للديدان. ومع ذلك، فإن قياس بقاء الخلايا في المختبر لا يثبت وحده أن هذا المزيج سيكون فعالا أو آمنا لدى المرضى.

‏تلف في الحمض النووي للخلايا السرطانية

‏رصدت الاختبارات التي أجريت على الخلايا أيضا تلفا في الحمض النووي، شمل حدوث انقطاعات في أحد شريطيه أو كليهما.

‏وفسر الباحثون هذه النتائج بأنها تتفق مع زيادة الضغط الواقع على الخلايا أثناء نسخ الحمض النووي.

‏وتدعم هذه الملاحظات فرضية أن الجمع بين الدواءين قد يعطل العمليات التي تحتاج إليها الخلايا السرطانية لمواصلة التكاثر، لكن الدراسة لم تحدد بصورة قاطعة الآلية الدقيقة التي تؤدي إلى هذا التلف.

‏تباطؤ نمو الأورام لدى الفئران

‏انتقل الباحثون بعد ذلك إلى تجارب على فئران تحمل أوراما نشأت من الخلايا البشرية المقاومة للعلاج.

‏واستمرت التجربة 40 يوما، وضم كل مجموعة علاجية ثمانية فئران. وقاس الباحثون المدة اللازمة لتضاعف حجم الورم، باعتبارها أحد المؤشرات المستخدمة لتقييم تأثير العلاج في نموه.

‏وجاءت النتائج على النحو الآتي:

‏من دون علاج: استغرق الورم 6.2 أيام في المتوسط الوسيط ليتضاعف حجمه.

‏ميبيندازول وحده: ارتفعت المدة إلى 10.3 أيام.

‏جيفيتينيب وحده: ارتفعت المدة إلى 15.5 يوما.

‏الجمع بين الدواءين: وصلت المدة إلى 25 يوما.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن استخدام الدواءين معا أبطأ تضاعف حجم الأورام بدرجة أكبر مما حققه أي منهما منفردا في هذا النموذج التجريبي.

‏لكن الأورام لم تختف، كما أن هذه النتائج لا تزال ضمن مرحلة الأبحاث قبل السريرية، أي إنها لم تثبت بعد فعاليتها لدى البشر.

‏كذلك، لا يمكن تعميم النتائج المستخلصة من نموذج واحد لسرطان الرئة المقاوم للعلاج على جميع أنواع سرطان الرئة أو على جميع المرضى.

‏هل يعيد ميبيندازول حساسية السرطان للعلاج؟

‏لا يستطيع الباحثون حتى الآن الجزم بما إذا كان ميبيندازول يعيد الخلايا السرطانية إلى حالة تصبح فيها حساسة لجيفيتينيب، أم أنه يضيف نوعا آخر من الضرر يجعل الخلايا المقاومة أقل قدرة على البقاء.

‏ولم يجر الفريق قياسا رسميا للتآزر الدوائي، أي ما إذا كان تأثير الدواءين معا يتجاوز التأثير المتوقع لكل منهما على حدة. كما لم يتتبع بصورة مباشرة الكيفية التي تعطلت بها آليات نسخ الحمض النووي.

‏وقال ساتيام: «تشير نتائجنا إلى أن الجمع بين الدواءين قد يفعل أكثر من مجرد إضافة مصدر آخر للضرر، لكننا لا نستطيع حتى الآن القول بصورة قاطعة إنه يعيد الحساسية الكاملة لجيفيتينيب».

‏ويعني ذلك أن النتائج تدعم مواصلة البحث في هذا النهج، لكنها لا تحسم بعد الآلية المسؤولة عن التأثير الذي ظهر في التجارب.

‏تحديات تتعلق بالجرعة والسلامة

‏يمثل إيصال كمية كافية من الدواء إلى الورم لدى البشر تحديا إضافيا.

‏فامتصاص ميبيندازول بعد تناوله عن طريق الفم قد يختلف من حالة إلى أخرى، ولذلك لا تزال هناك حاجة إلى دراسة مقدار الدواء الذي يصل فعليا إلى الأنسجة السرطانية، وتحديد الجرعات التي يمكن أن تحقق التأثير المطلوب.

‏ولم تُظهر الفئران انخفاضا مستمرا في وزن الجسم خلال التجربة، لكن هذا المؤشر وحده لا يكفي لإثبات سلامة العلاج.

‏ويحتاج الباحثون إلى إجراء تجارب إضافية لتقييم تأثير المزيج الدوائي في الأعضاء والأنسجة السليمة، ودراسة سلامة استخدامه لفترات طويلة، فضلا عن التفاعلات المحتملة بين العقارين.

‏كما تشمل الخطوات البحثية المقبلة اختبار المزيج على سلالات أخرى من الخلايا السرطانية المقاومة للعلاج، واستخدام نماذج أورام مشتقة من المرضى لمعرفة ما إذا كانت النتائج ستتكرر في ظروف أقرب إلى الحالات البشرية.

‏وأشار ساتيام إلى أن دراسة مقاومة عقار أوسيمرتينيب، وهو علاج أحدث يستهدف EGFR، تمثل أحد الأسئلة المهمة التي ينبغي بحثها مستقبلا.

‏هل يمكن استخدام هذا المزيج لعلاج المرضى؟

‏رغم النتائج المشجعة في المختبر وعلى الفئران، لا تزال هناك خطوات عديدة قبل تحديد ما إذا كان الجمع بين ميبيندازول وجيفيتينيب يمكن أن يصبح خيارا علاجيا للبشر.

‏وتشمل هذه الخطوات التحقق من النتائج في نماذج إضافية، وتحديد الجرعات المناسبة، وفهم آلية التأثير، وتقييم السلامة والتفاعلات الدوائية.

‏وأكد ساتيام أن الفريق متفائل بالنتائج، لكنه شدد على ضرورة إجراء مزيد من التحقق قبل السريري والتقييم الدقيق لتعرض الجسم للدواء وسلامته، قبل استخلاص أي استنتاجات بشأن إمكاناته العلاجية لدى المرضى.

‏وبالتالي، فإن الدراسة لا تعني أن دواء ميبيندازول أصبح علاجا مثبتا لسرطان الرئة المقاوم للأدوية، بل تقدم مسارا بحثيا يستحق المزيد من الدراسة.