‏التفسير العلمي للحساسية الناتجة عن ملامسة الذهب للعرق

‏كيف يمكن للذهب أن يسبب الحساسية عند ملامسة العرق؟ ‏( مصدر الصورة: Western Communications ) ‏كيف يمكن للذهب أن يسبب الحساسية عند ملامسة العرق؟ ‏( مصدر الصورة: Western Communications )

‏توصل علماء إلى أن الحساسية تجاه الذهب ممكنة، رغم أنها نادرة الحدوث، وذلك لأن المعدن يمكن أن يتحول إلى صورة كيميائية قابلة للتفاعل عند ملامسته بعض المركبات الموجودة في العرق.

‏وعادة ما يُنظر إلى الذهب باعتباره معدنا شديد الاستقرار، لأنه لا يفقد بريقه بسهولة ولا يصدأ، كما أنه لا يتفاعل بسهولة مع كثير من المواد. لكن دراسة جديدة أظهرت أن هذه الخصائص لا تعني أن الذهب خامل كيميائيا في جميع الظروف.

‏وأوضحت عالمة الكيمياء يولاندا هيدبيرغ من جامعة ويسترن الكندية أن الذهب ليس خاملا بصورة مطلقة، بل تختلف استجابته باختلاف المواد التي يتعرض لها. فهو يتحمل ملامسة الأكسجين دون تفاعلات ملحوظة في الظروف المعتادة، لكنه قد يتفاعل مع مواد أخرى.

‏تجربة تكشف تفاعل الذهب مع العرق

حساسية الذهب ‏( مصدر الصورة: Western Communications )

‏قررت هيدبيرغ وفريقها، بالتعاون مع باحثين من مركز «Surface Science Western» وجامعة كوبنهاغن، دراسة كيفية تفاعل المجوهرات الذهبية عند ملامستها العرق.

‏ولإجراء التجربة، أعد الباحثون محلولا اصطناعيا يحاكي العرق البشري، وأغنوه بمادة السيستئين، وهي حمض أميني موجود بصورة طبيعية في الجسم ويحتوي على عنصر الكبريت.

‏واشتبه العلماء في أن الكبريت قد يساعد على تنشيط التفاعلات الكيميائية للذهب، ما يسمح بتحرر كميات منه إلى المحلول.

‏ووضع الباحثون خمس أزواج من الأقراط المصنوعة من الذهب عيار 10 و14 قيراطا داخل المحلول، وكانت قد اشتُريت من متجر متخصص في المجوهرات.

‏ثم تركوا العينات في المحلول لمدة 168 ساعة، أي سبعة أيام، عند درجة حرارة بلغت نحو 30 درجة مئوية.

‏ويوضح هذا الاختبار كيف يمكن للظروف الكيميائية المحيطة بالمجوهرات أن تؤثر في استقرارها، حتى عندما تكون مصنوعة من معدن يُعرف بمقاومته للتفاعلات.

‏كم تبلغ كمية الذهب التي تحررت؟

‏أظهرت النتائج تحرر الذهب من جميع العينات التي خضعت للاختبار، بمتوسط بلغ 0.057 ميكروغرام لكل سنتيمتر مربع.

‏وهذه كمية ضئيلة للغاية، ومن غير المرجح أن تكون كافية لإثارة الحساسية لدى معظم الأشخاص.

‏ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الذهب يمكن أن يتحول إلى صورة كيميائية قابلة للذوبان والتحرر في ظروف معينة، وهو ما يساعد على تفسير الكيفية التي قد يصبح بها المعدن متاحا للتفاعل مع الجسم.

‏وتوضح الباحثة يولاندا هيدبيرغ أن المعدن يجب أن يصبح متاحا كيميائيا أولا حتى يتمكن من التسبب في استجابة تحسسية.

‏وبمعنى آخر، فإن مجرد ملامسة قطعة الذهب للجلد لا يعني بالضرورة حدوث الحساسية؛ إذ يعتمد الأمر أيضا على إمكانية تحرر المعدن ودخوله في تفاعلات كيميائية مناسبة.

‏كما رصد الباحثون تحررا أكثر نشاطا للنحاس، وهو أحد المعادن المستخدمة في صناعة سبائك الذهب.

‏لماذا تختلف المجوهرات الذهبية عن المطليات الرخيصة؟

‏من النتائج المهمة في الدراسة أن العينات المصنوعة من الذهب لم تُظهر تحررا ملحوظا للنيكل.

‏ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن النيكل من المعادن المعروفة بقدرتها على التسبب في حساسية الجلد لدى بعض الأشخاص.

‏وفي اختبارات سابقة أجريت على أقراط مشتراة من منصات البيع عبر الإنترنت، اكتُشف النيكل في جميع العينات، بل تجاوزت كمياته في عدد من الحالات الحدود المسموح بها.

‏وأظهرت تحاليل التحليل الطيفي اختلافا في تركيب المجوهرات؛ إذ يتوزع الذهب في المنتجات المصنوعة منه على امتداد المادة، بينما يقتصر وجوده في كثير من المنتجات المطلية منخفضة التكلفة على طبقة سطحية رقيقة تغطي سبائك أخرى قد تحتوي على معادن مسببة للحساسية.

‏وهذا يعني أن مظهر القطعة الذهبية وحده لا يكفي لتحديد تركيبها الكيميائي أو معرفة المعادن التي قد تتلامس مع الجلد عند تآكل الطبقة الخارجية.

‏مصدر الصورة التوضيحية للمجوهرات الذهبية: متاحف شمال يوتلاند.

‏هل تشكل المجوهرات الذهبية خطرا على الصحة؟

‏لا تعني نتائج الدراسة أن المجوهرات الذهبية تشكل خطرا عاما على صحة المستخدمين، كما أنها لا تثبت أن ارتداء الذهب يؤدي بالضرورة إلى الإصابة بالحساسية.

‏فالكمية التي تحررت خلال التجربة كانت ضئيلة، ولا يمكن اعتبار النتائج وحدها دليلا على حدوث تفاعلات تحسسية لدى الأشخاص الذين يرتدون هذه المجوهرات في حياتهم اليومية.

‏لكن الدراسة تكشف نقطة مهمة، وهي أن الذهب، رغم مقاومته العالية للتفاعلات الكيميائية، يمكن أن يتحرر في ظروف معينة عند تعرضه لمركبات محددة.

‏وقد تكون لهذه النتيجة أهمية عملية بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون حساسية مؤكدة تجاه بعض المعادن، إذ يساعد فهم تركيب المجوهرات وطبيعة المواد التي تحتوي عليها على تقليل التعرض للمواد المسببة للحساسية.

‏وعند ظهور احمرار أو حكة أو طفح جلدي في موضع ملامسة المجوهرات، لا ينبغي افتراض أن الذهب نفسه هو السبب الوحيد؛ فقد تكون المشكلة مرتبطة بالنيكل أو أحد المعادن الأخرى الموجودة في السبيكة.

‏وفي النهاية، تقدم الدراسة تفسيرا كيميائيا محتملا لكيفية حدوث الحساسية تجاه الذهب في بعض الحالات، لكنها لا تشير إلى أن هذه المشكلة شائعة بين مستخدمي المجوهرات الذهبية.