العفن الغروي من النوع Physarum polycephalum كائن يتكون من خلية عملاقة واحدة تحتوي على العديد من الأنوية. ولا يمتلك دماغا أو خلايا عصبية أو جهازا عصبيا متكاملا، لكنه يستطيع العثور على مخرج المتاهة، بل واختيار طريق قصير للوصول إلى الغذاء.
وقد أثبت الباحث الياباني توشيوكي ناكاغاكي، من مركز المحاكاة الحيوية في مدينة ناغويا، هذه القدرة في تجربة نُشرت نتائجها عام 2000.
وتثير هذه الظاهرة اهتمام العلماء لأنها تظهر كيف يمكن لكائن بسيط، لا يمتلك جهازا عصبيا، أن ينتج سلوكا يبدو وكأنه يعتمد على اتخاذ القرارات وحل المشكلات.
كيف نجح العفن الغروي في الخروج من المتاهة؟
العفن الغروي ( مصدر الصورة: Techinsider )
أجرى ناكاغاكي تجربته باستخدام متاهة بلاستيكية يبلغ حجمها نحو 3 × 3 سنتيمترات، وتحتوي على أربعة مسارات محتملة.
وضع الباحث قطع العفن الغروي عند مدخل المتاهة، ووضع رقائق الشوفان في مركزها لتكون مصدرا للغذاء.
وبعد ذلك، بدأ الكائن بمد امتداداته في اتجاهات متعددة، حتى انتشر جسمه داخل الممرات المختلفة للمتاهة.
لكن ما حدث بعد عدة ساعات كان لافتا؛ إذ بدأت الامتدادات التي وصلت إلى الطرق المسدودة تنكمش وتتلاشى تدريجيا، بينما بقي أنبوب واحد يصل إلى الغذاء عبر أقصر مسار متاح.
ونُشرت نتائج التجربة في مجلة Nature في سبتمبر 2000.
لم يكن العفن الغروي يختبر الطرق واحدا تلو الآخر كما يفعل الإنسان، بل انتشر في اتجاهات متعددة، ثم تراجعت الأجزاء التي لم تعد مفيدة للوصول إلى الغذاء.
فالمسارات التي لم توفر تدفقا كافيا للمواد الغذائية ضعفت تدريجيا، في حين تعزز المسار الذي سمح بنقل الغذاء بكفاءة.
وهكذا ظهر أقصر طريق نتيجة نمو الكائن وانكماش أجزائه المختلفة، دون الحاجة إلى دماغ يخطط للمسار مسبقا.
كيف بنى شبكة تشبه شبكة قطارات طوكيو؟
لم تتوقف قدرات العفن الغروي عند العثور على أقصر طريق داخل المتاهات.
ففي عام 2010، كرر فريق بحثي بقيادة أتسوشي تيرو تجربة مشابهة، لكن على نطاق أوسع، بهدف دراسة قدرة هذا الكائن على بناء شبكات فعالة.
وزع الباحثون رقائق الشوفان على سطح رطب في مواقع تمثل مدنا ومناطق مختلفة حول طوكيو، ووضعوا العفن الغروي في النقطة التي تمثل العاصمة اليابانية.
وبعد نحو 26 ساعة، أنشأ الكائن شبكة من الأنابيب المتفرعة التي ربطت بين مصادر الغذاء.
وكانت بنية هذه الشبكة تشبه إلى حد ملحوظ شبكة السكك الحديدية في طوكيو، ليس من حيث التطابق الكامل، بل من حيث كفاءة الربط بين المواقع والقدرة على الحفاظ على الاتصال عند تعرض بعض المسارات للاضطراب.
وأظهرت التجربة أن العفن الغروي يستطيع تكوين شبكات معقدة انطلاقا من قواعد بسيطة، من دون أن يمتلك خريطة للمواقع أو تصورا مسبقا لشكل الشبكة النهائية.
ما الآلية التي تساعده على بناء هذه الشبكات؟
صورة توضيحية: العفن الغروي كائن يتكون من خلية عملاقة واحدة تحتوي على العديد من الأنوية.
لا يرسم العفن الغروي خريطة للمكان، ولا يحدد مساراته باستخدام عملية تفكير واعية، بل يستجيب لمصادر الغذاء ويعيد توزيع المواد داخل جسمه.
ويتكون جسمه من شبكة من الأنابيب التي تتحرك داخلها البروتوبلازما، وهي المادة الحية التي تضم محتويات الخلية.
وتتحرك هذه المادة في نبضات إيقاعية تتكرر تقريبا كل دقيقتين، ما يساعد على نقل المواد داخل جسم الكائن.
وعندما تتوفر المواد الغذائية في اتجاه معين، يزداد تدفق البروتوبلازما عبر الأنابيب المرتبطة بهذا الاتجاه، فتتوسع هذه الأنابيب وتصبح أكثر قدرة على نقل المواد.
أما الأنابيب التي لا تسهم في الوصول إلى الغذاء، فيضعف التدفق عبرها تدريجيا، فتبدأ بالانكماش.
ومع استمرار هذه العملية، تتعزز المسارات الأكثر فاعلية وتتراجع المسارات الأقل فائدة، ما يؤدي إلى تكوين شبكة تحقق توازنا بين الوصول إلى الغذاء وكفاءة النقل.
وبذلك تنشأ بنية معقدة من خلال تفاعلات فيزيائية وكيميائية بسيطة، من دون الحاجة إلى نظام مركزي يتحكم في جميع أجزاء الكائن.
هل يمتلك العفن الغروي نوعا من الذاكرة؟
درس العلماء أيضا قدرة العفن الغروي على الاحتفاظ بآثار التجارب السابقة والاستجابة للمؤثرات الخارجية.
وفي عام 2025، راقب باحثون من ألمانيا كيفية تسجيل التغيرات الناتجة عن المؤثرات البيئية في أنماط التذبذب والانكماش داخل جسم الكائن.
وقارن الباحثون هذه الظاهرة بآلية شبيهة بالذاكرة، لكنها لا تعتمد على الخلايا العصبية، بل على التغيرات الديناميكية التي تحدث في جسم الكائن.
وفي عام 2026، تناولت دراسة أخرى الذاكرة المكانية لدى العفن الغروي، إذ لوحظ أنه يبدل اتجاهاته في متاهات قصيرة على شكل حرف T، بطريقة توحي بتأثر سلوكه بالمسارات التي سلكها سابقا.
لكن هذه الظاهرة لا تعني أن العفن الغروي يمتلك ذاكرة بشرية أو يتذكر التجارب بالطريقة التي يتذكر بها الإنسان الأحداث.
والأدق أن العمليات الفيزيائية التي تحدث داخل جسمه تترك آثارا تؤثر في استجابته اللاحقة للمؤثرات، ما يسمح له بتعديل سلوكه وفقا للظروف التي واجهها سابقا.
وهذا يفتح مجالا لدراسة كيفية ظهور بعض أشكال السلوك التكيفي لدى الكائنات التي لا تمتلك جهازا عصبيا.
هل يحل العفن الغروي المشكلات مثل الإنسان؟
الإجابة: نعم، ولكن مع تحفظ علمي مهم.
تؤكد التجارب أن العفن الغروي يستطيع العثور على مسارات فعالة داخل المتاهات وبناء شبكات تربط بين مصادر الغذاء بكفاءة.
لكن وصف هذه القدرة بأنها «حل للمشكلات» لا يعني أنه يفكر أو يخطط بالطريقة نفسها التي يفعل بها الإنسان أو الكمبيوتر.
فالإنسان يستطيع تكوين تصور ذهني للمتاهة، ومقارنة المسارات المختلفة، ثم اختيار أحدها بناء على التفكير والتخطيط.
أما الكمبيوتر، فيمكنه استخدام خوارزميات محددة لتحليل المسارات وحساب أقصر طريق وفق قواعد رياضية.
في المقابل، يعتمد العفن الغروي على نمو جسمه وتدفق المواد داخله واستجابته للمؤثرات الكيميائية والبيئية. وتؤدي هذه العمليات مجتمعة إلى ظهور مسار فعال دون وجود مركز لاتخاذ القرار.
وقد أثبتت عشرات التجارب قدرته على تكوين شبكات فعالة والتكيف مع الظروف المحيطة، لكن تفسير هذه الظواهر لا يتطلب افتراض أنه يمتلك وعيا أو تفكيرا مماثلا للتفكير البشري.
الخلاصة: يستطيع العفن الغروي العثور على أقصر طريق في بعض المتاهات وبناء شبكات فعالة رغم افتقاره إلى الدماغ والخلايا العصبية. ولا تكمن أهمية هذه الظاهرة في أن الكائن يفكر مثل الإنسان، بل في أنها توضح كيف يمكن للتفاعلات الفيزيائية والكيميائية داخل خلية واحدة أن تنتج سلوكا معقدا وفعالا.