تنمو سحابة بيضاء خلف بركان أرسيا مونس على كوكب المريخ كل صباح خلال فصلي الربيع والصيف في نصف الكرة الجنوبي للكوكب.
وترتفع هذه السحابة الرقيقة ، المكونة من جليد الماء، بمحاذاة بركان يبلغ ارتفاعه نحو 20 كيلومترا، ويمكن أن تمتد لمسافة تصل إلى 1800 كيلومتر، أي ما يعادل نحو 1120 ميلا، وهو طول يقارب ضعف طول المملكة المتحدة، قبل أن تتبخر بسرعة.
وتتكرر هذه الدورة كل صباح على مدى عدة أشهر خلال موسم الغبار على المريخ.
وفشلت المحاولات السابقة لمحاكاة كيفية تشكل هذه السحابة، المعروفة باسم سحابة أرسيا مونس الطويلة (AMEC)، في مطابقة الصور التي التقطتها المركبات الفضائية.
لكن دراسة جديدة جمعت بين رصد المركبة الفضائية الأوروبية «مارس إكسبريس» ونموذج متقدم للأرصاد الجوية، تشير إلى أن السحابة قد تعتمد على آلية لتشكل الجليد لم يسبق رصدها في الغلاف الجوي لأي كوكب.
سحابة المريخ ( مصادر الصور: ESA )
هل يمكن أن يتشكل الجليد في السحب من دون غبار؟
تعد سحابة أرسيا مونس الطويلة نوعا من السحب التضاريسية، وهي سحب تتشكل أيضا على الأرض عندما تمر الرياح فوق تضاريس غير مستوية، مثل الجبال والبراكين.
وأظهرت عمليات المحاكاة أن بركان أرسيا مونس يولد موجة هوائية قوية ترفع كتل الهواء الرطب عدة كيلومترات خلال دقائق قليلة.
ومع ارتفاع الهواء، تنخفض درجة حرارته بمقدار 30 درجة خلال عشر دقائق فقط، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في الرطوبة النسبية.
وتجتمع رقة الغلاف الجوي للمريخ مع الارتفاع الشاهق للبركان لتوفير الظروف الاستثنائية التي يحتاج إليها النموذج لتفسير تشكل السحابة.
وتتشكل السحب عادة عندما يبرد الهواء الرطب، فيتكاثف بخار الماء ويتحول إلى قطرات سائلة أو بلورات جليدية. وغالبا ما تتجمع جزيئات بخار الماء حول جسيمات دقيقة عالقة في الغلاف الجوي، مثل الأملاح أو حبوب اللقاح أو السخام أو الغبار.
وتسمى هذه العملية التنوي غير المتجانس، ويعتقد العلماء أن الغبار يوفر عادة النوى الأولية اللازمة لتشكل السحب على المريخ.
لكن الباحثين يطرحون الآن احتمالا مختلفا.
آلية غير مسبوقة لتحول بخار الماء إلى جليد
قال خورخي هيرنانديز برنال، الباحث في مختبر الأرصاد الجوية الديناميكية التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وجامعة السوربون في باريس، والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة:
«يبدو أن تشكل سحابة أرسيا مونس الطويلة لا يحتاج إلى أي من هذه المواد. إذ يتحول بخار الماء مباشرة إلى جسيمات جليدية تشكل السحابة، من دون مرحلة وسيطة».
وأضاف أن هذه العملية تشبه ظهور قطرات التكاثف في منتصف الغرفة بدلا من تشكلها على النافذة.
ويطلق العلماء على هذه الآلية اسم التنوي المتجانس، وهي عملية تتشكل فيها النوى الجليدية مباشرة من بخار الماء، من دون الحاجة إلى جسيمات أخرى يبدأ التكاثف حولها.
ووفقا للباحثين، لم يسبق رصد هذه العملية أثناء حدوثها في الغلاف الجوي لأي كوكب.
وأوضح هيرنانديز برنال أن هذه النتيجة كانت غير متوقعة تماما.
ويتطلب التنوي المتجانس مستويات شديدة الارتفاع من الرطوبة النسبية، تزيد على المستويات التي يتعرض لها الإنسان عادة على الأرض بأكثر من 100 ألف مرة.
وكان العلماء قد اقترحوا سابقا احتمال حدوث هذه العملية في الطبقات العليا من الغلافين الجويين للأرض والزهرة، لكنهم لم يتمكنوا من رصدها هناك.
وقال هيرنانديز برنال: «لم نرصد هذه الظروف على المريخ من قبل، لكن نتائجنا تشير بقوة إلى أن رطوبة الغلاف الجوي للكوكب يمكن أن تصل بالفعل إلى هذه المستويات القصوى».
مركبة مارس إكسبريس تراقب السحابة منذ سنوات
استندت البيانات المستخدمة في بناء النموذج إلى رصد فضائي متواصل للسحابة على مدى سنوات.
فقد كشفت المركبة الأوروبية «مارس إكسبريس» عن سحابة أرسيا مونس الطويلة لأول مرة عام 2018، وأتاحت عمليات الرصد المتكررة للباحثين دراسة تطورها والتغيرات التي تطرأ على سلوكها.
وفي الدراسة الجديدة، استخدم الفريق بيانات من ثلاث كاميرات وأجهزة تصوير على متن المركبة المدارية، هي:
كاميرا المراقبة المرئية (VMC): تتيح التقاط صور واسعة للمريخ ومراقبة الظواهر المتغيرة.
كاميرا الاستريو عالية الدقة (HRSC): تستخدم لتصوير سطح المريخ ودراسة تضاريسه.
جهاز أوميغا (OMEGA): يستخدم لدراسة خصائص سطح الكوكب وتركيبه المعدني من خلال التحليل الطيفي.
ويمكن لمركبة مارس إكسبريس تصوير مساحات واسعة من سطح المريخ بدقة عالية. وإلى جانب مركبة «إكسومارس لتتبع الغازات» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، تعد من المركبات المدارية القليلة التي تستطيع رصد الكوكب خلال ساعات الصباح، عندما تكون السحابة موجودة.
مصدر الصورة: وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، وبرنامج التعاون العالمي (GCP)، وجامعة إقليم الباسك في بلباو (UPV/EHU). التقطت الصورة بواسطة كاميرا المراقبة المرئية في 10 أكتوبر 2018.
وقال كولين ويلسون، عالم مشروع مارس إكسبريس في وكالة الفضاء الأوروبية، إن المركبة تستطيع أيضا تتبع تغيرات السحابة خلال ساعات قليلة، ما يوفر رؤية استثنائية لظواهر قصيرة العمر على الكوكب.
وأضاف أن هذا الاكتشاف يمثل إنجازا للمهمة وللعلماء المشاركين فيها، إذ اكتشفت مارس إكسبريس السحابة، وواصلت مراقبتها لسنوات، وتساعد الآن على كشف أسرار تشكلها.
فيزياء غير مألوفة تساعد على تفسير السحابة
لإعادة إنتاج المشاهدات التي سجلتها المركبة الفضائية، احتاج الباحثون إلى توسيع نطاق العمليات الفيزيائية التي يتضمنها النموذج المستخدم في عمليات المحاكاة.
وقال هيرنانديز برنال إن الفريق اكتشف ضرورة إدراج بعض العمليات الفيزيائية غير المألوفة لإنشاء سحابة أرسيا مونس ضمن النموذج.
وأوضح أن هذه العمليات، رغم تناولها في الكتب العلمية، تعد نظرية في الغالب، ولا يتوقع العلماء عادة حدوثها في الطبيعة، كما لم يسبق رصدها وهي تحدث فعليا.
وأضاف: «بمجرد أن أدرجنا هذه الفيزياء في عمليات المحاكاة، ظهرت سحابة أرسيا مونس الطويلة بالشكل الذي كنا نأمله».
ومع ذلك، لا تزال بعض خصائص السحابة في النموذج تختلف عن المشاهدات الفعلية. ووصف هيرنانديز برنال النتيجة بأنها لافتة، مشيرا إلى أن المعلومات المتاحة عن الغلاف الجوي للمريخ أقل بكثير من المعلومات المتوافرة عن الغلاف الجوي للأرض، ولذلك فإن الوصول إلى هذا المستوى من التطابق يعد نجاحا كبيرا للنموذج.
ماذا يعني الاكتشاف لفهم الكواكب الأخرى؟
تشير النتائج إلى أن العمليات الفيزيائية التي تبدو غير مرجحة قد تستحق اهتماما أكبر عند دراسة الأغلفة الجوية في أماكن أخرى من الكون، بما في ذلك الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية، والمعروفة باسم الكواكب الخارجية.
وقال ويلسون إن السحب على الأرض والمريخ تبدو خاضعة للقواعد نفسها، لكن فهم هذه السحابة المريخية غير المألوفة تطلب الاستعانة بعمليات فيزيائية غير مألوفة أيضا، وقد ينطبق الأمر نفسه على أماكن أخرى في الكون.
وقد تساعد هذه النتائج العلماء على إعادة تقييم كيفية تشكل السحب والجليد في البيئات الكوكبية المختلفة، وعلى فهم الظروف الجوية المتطرفة التي يمكن أن تحدث في الأغلفة الجوية للكواكب.