ابتكر علماء جهازا يكاد يقضي على صدى الصوت داخل الأنابيب. ويتكون التصميم من حلقات مثبتة على قضيب، تعمل على تبديد الطاقة الصوتية من خلال الاحتكاك وتبادل الحرارة، مما يمنع الموجات من الانعكاس إلى الخلف.
تمثل الضوضاء داخل الأنابيب وقنوات الهواء مشكلة تواجه المنشآت الصناعية والمباني العادية على حد سواء، إذ تنعكس الموجات الصوتية عن الجدران والعوائق، مسببة صدى مزعجا. وتبرز هذه المشكلة خصوصا في أنظمة التهوية وتكييف الهواء، وحتى في شبكات المياه، حيث يمكن للصوت أن يتضاعف وينتشر على امتداد القنوات.
لكن الباحثين طوروا تصميما مدمجا قد يوفر حلا لهذه المشكلة، إذ يعمل وفق مبدأ ما يعرف باسم «الثقب الأسود الصوتي».
حلقات متدرجة يمكن تركيبها داخل الأنابيب الموجودة

الثقب الأسود الصوتي ( مصدر الصور: مجلة Applied Acoustics )
طور الجهاز فريق من المهندسين في جامعة رامون لول بإسبانيا. وتتمثل أبرز ميزاته في تصميمه المعياري، الذي يسمح بتصنيعه باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد وإدخاله مباشرة في الأنابيب الموجودة، من دون الحاجة إلى تعديل النظام نفسه.
وعلى خلاف التصاميم السابقة، التي كانت تعتمد على دمج العناصر الصوتية في جدران القناة، يتكون التصميم الجديد من حلقات مثبتة على قضيب مركزي. ويتغير قطر الحلقات تدريجيا على امتداد الجهاز، بينما تؤثر التجاويف الموجودة بينها بطريقة خاصة في انتشار الموجات الصوتية.
كيف يعمل الثقب الأسود الصوتي؟
مع تقدم الموجة الصوتية داخل الجهاز، تتباطأ تدريجيا ويقصر طولها الموجي، بينما تتركز طاقتها وتتبدد بفعل الاحتكاك والتبادل الحراري مع الأسطح المحيطة. ونتيجة لذلك، لا ينعكس إلى الخلف سوى قدر ضئيل جدا من الصوت.
وقال أوريول غواش، وهو مهندس متخصص في الصوتيات بجامعة رامون لول في إسبانيا، إن ما يحدث للموجة عندما تقترب من نهاية الثقب الأسود الصوتي يشبه إلى حد ما ما يراه مراقب خارجي بالقرب من ثقب أسود فيزيائي فلكي؛ إذ يبدو أن الموجة تحتاج إلى زمن لا نهائي للوصول إلى نقطة النهاية.
اختبارات مخبرية تؤكد انخفاض الصدى
اختبر الباحثون النموذج الأولي في المختبر باستخدام أنبوب لقياس الممانعة الصوتية. ومرروا عبره موجات بترددات مختلفة، ثم استخدموا ميكروفونات لقياس مستوى الصوت المنعكس.
وتوافقت النتائج التجريبية مع نتائج المحاكاة الحاسوبية، وأظهرت أن الجهاز يقلل الصدى بدرجة ملحوظة.
كما كشفت المحاكاة أن الهندسة الجديدة توسع نطاق الترددات التي يعمل فيها الجهاز؛ إذ تنتقل ترددات الرنين الخاصة بالتجاويف إلى مستويات أعلى، ما يزيد من مرونة استخدامه في تطبيقات مختلفة.
الصورة: منظومة الاختبار المخبري على اليسار، والنموذج المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد على اليمين، مع حلقات مثبتة على قضيب دعم مركزي. المصدر: دان وآخرون، مجلة Applied Acoustics.
فكرة مستوحاة من مفارقة فلسفية قديمة
من اللافت أن المبدأ الذي ألهم هذا التصميم لا يأتي من علم الصوتيات وحده، بل يرتبط بمفارقة الفيلسوف اليوناني القديم زينون.
فكما توحي المفارقة بأن الجسم الذي يتحرك نحو هدف يقطع في كل مرة نصف المسافة المتبقية، تبدو الموجة الصوتية في هذا التصميم وكأنها تفقد طريقها تدريجيا داخل البنية، فلا تعود إلى نقطة انطلاقها.
ولا يقتصر تأثير الجهاز على كتم الصوت بصورة تقليدية، بل يعتمد على التحكم في سلوك الموجة الصوتية وطريقة انتشارها وتبدد طاقتها.
تحديات قبل الاستخدام العملي
يواجه المطورون حاليا عددا من التحديات العملية، أبرزها تحديد تأثير الغبار والتغيرات في درجات الحرارة والضغط، إذ يمكن لهذه العوامل أن تؤثر في أداء التجاويف داخل الجهاز.
ومع ذلك، تبدو تطبيقات التقنية واعدة، ليس فقط في قنوات التهوية وكواتم الصوت، بل أيضا في تحسين الخصائص الصوتية داخل الغرف.
ويبحث العلماء بالفعل إمكانية تطوير نسخ ثنائية وثلاثية الأبعاد من الثقوب السوداء الصوتية، في خطوة قد توسع نطاق استخدام هذه التقنية مستقبلا.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Applied Acoustics.