سر فراء القندس ... كيف يسبح تحت الجليد دون أن يفقد حرارة جسمه؟

‏كيف يحافظ القندس على دفء جسمه في المياه المتجمدة شتاء؟ ‏كيف يحافظ القندس على دفء جسمه في المياه المتجمدة شتاء؟

‏لا يدخل القندس في سبات شتوي، بل يواصل السباحة تحت الجليد والغوص في المياه المفتوحة بين الكتل الجليدية ، ثم يعود إلى كوخه. وتكون درجة حرارة المياه في هذه الظروف أعلى بقليل من الصفر المئوي.

‏وفي حين قد يؤدي التعرض لهذه المياه إلى انخفاض خطير في درجة حرارة جسم الإنسان خلال وقت قصير، يقضي القندس جزءا كبيرا من حياته في هذه البيئة دون أن يفقد حرارة جسمه بسرعة.

‏ويعود ذلك أساسا إلى التركيب المميز لفرائه، الذي يعمل كنظام عزل حراري متعدد الطبقات، ويساعده على الاحتفاظ بالحرارة حتى أثناء الغوص المتكرر.

‏طبقتان من الفراء تحتفظان بالهواء

‏كيف لا يشعر القندس بالبرد في المياه الجليدية؟ ‏( مصدر الصورة: Eliot Sachot / CC0 )

‏يختلف فراء القندس عن الفراء المعتاد لدى كثير من الحيوانات، إذ يتكون من نوعين رئيسيين من الشعر، يؤدي كل منهما وظيفة مختلفة.

‏تتكون الطبقة الخارجية من شعيرات طويلة وخشنة تسمى الشعر الحارس، وهي مغطاة بإفرازات دهنية تمنحها لمعانا وتساعدها على طرد الماء.

‏أما الطبقة الداخلية، فتتكون من زغب قصير وناعم وكثيف للغاية، يعمل على الاحتفاظ بالهواء بالقرب من جلد الحيوان.

‏وعندما يغوص القندس، تنضغط الشعيرات الخارجية باتجاه الجسم، وتساعد على إبقاء الهواء محبوسا بين شعيرات الزغب. وتشكل هذه الطبقة الهوائية حاجزا يقلل انتقال حرارة الجسم إلى المياه الباردة.

‏وبالتالي، فإن الهواء المحبوس بين الشعيرات هو العنصر الأساسي في العزل الحراري، بينما يؤدي الفراء دور الهيكل الذي يحافظ على هذه الطبقة في مكانها.

‏وفي عام 2016، أنشأ مهندسون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نموذجا يحاكي تركيب فراء القندس باستخدام شعيرات مطاطية. وأكدت التجارب أن طبقة من الهواء يمكن أن تبقى بين الشعيرات عند غمرها في سائل، بحيث لا يطردها الماء بسهولة.

‏وكلما ازدادت كثافة الطبقة الداخلية من الفراء، ازدادت قدرتها على الاحتفاظ بالهواء، ما يعزز كفاءة العزل الحراري.

‏كيف يبقى فراء القندس جافا رغم الغوص المتكرر؟

‏حتى الفراء الكثيف قد يفقد قدرته على العزل إذا تشبع بالماء. ولهذا يعتمد القندس أيضا على آلية طبيعية لتزييت فرائه باستمرار.

‏توجد غدد دهنية بالقرب من قاعدة ذيله، وتفرز مادة زيتية يستخدمها القندس في العناية بفرائه. وينقل الحيوان هذه المادة إلى كفوفه، ثم يوزعها على الشعيرات أثناء تنظيف جسمه.

‏ويساعده في ذلك تركيب مميز في إحدى أصابع القدمين الخلفيتين، إذ يمتلك ظفرا مشقوقا يشبه المشط، يستخدمه لتسريح الشعيرات المتشابكة وتوزيع المادة الدهنية على الفراء.

‏وتستغرق عملية تنظيف الفراء وقتا ملحوظا من يوم القندس، وهي ضرورية للحفاظ على خصائصه العازلة.

‏فإذا لم يُزيت الفراء بصورة مناسبة، فقد يتسرب الماء إلى الطبقات الداخلية ويزيح الهواء المحبوس بينها، ما يؤدي إلى فقدان الحرارة بسرعة أكبر بكثير.

‏ولهذا السبب، يواصل القندس تنظيف فرائه وتمشيطه بانتظام، سواء على اليابسة أو في المياه الضحلة.

‏هل تحمي الدهون الموجودة تحت الجلد القندس من البرد؟

‏يعتقد البعض أن الطبقة الدهنية الموجودة تحت جلد القندس هي السبب الرئيسي في قدرته على تحمل المياه الباردة، لكن هذا التفسير ليس دقيقا تماما.

‏يمتلك القندس طبقة من الدهون تحت الجلد، لكنها رقيقة نسبيا مقارنة بالطبقة الدهنية السميكة التي تعتمد عليها حيوانات مثل الفقمات والحيتان للحفاظ على حرارة أجسامها.

‏وتستطيع هذه الحيوانات الاعتماد بدرجة كبيرة على الدهون لأنها لا تمتلك فراء كثيفا يؤدي وظيفة العزل الحراري نفسها.

‏أما لدى القندس، فيؤدي الفراء الدور الأساسي في الحد من فقدان الحرارة، بفضل قدرته على الاحتفاظ بطبقة هوائية عازلة بالقرب من الجلد.

‏ويخزن القندس أيضا احتياطيات من الدهون في ذيله، لكنها تستخدم أساسا مصدرا للطاقة خلال فصل الشتاء، عندما يصبح العثور على الغذاء تحت الجليد أكثر صعوبة، وليس بوصفها وسيلة رئيسية للتدفئة.

‏كذلك، لا يؤدي الذيل دورا مهما في العزل الحراري، لأنه مغطى بحراشف صلبة وليس بالفراء. وتتمثل وظائفه الأساسية في المساعدة على توجيه الحركة داخل الماء وإصدار إشارات تحذيرية عند الحاجة.

‏أما الحفاظ على حرارة الجسم، فيعتمد أساسا على الفراء الذي يغطي الجذع.

‏تكيفات أخرى تساعد القندس على قضاء الشتاء

‏على الرغم من أن الفراء هو وسيلة الحماية الرئيسية من البرد، فإن جسم القندس يمتلك مجموعة أخرى من الخصائص التي تساعده على التكيف مع البيئة المائية الباردة.

‏فجسمه مدمج، وأطرافه قصيرة نسبيا، وأذناه صغيرتان. ويساعد هذا الشكل على تقليل مساحة الأجزاء البارزة المعرضة للبرد، ما يحد من فقدان الحرارة.

‏كما تستطيع الأذنان وفتحتا الأنف الانغلاق بواسطة صمامات خاصة أثناء الغوص، لمنع دخول الماء.

‏وتغطي العينين غشاء شفاف يحميهما ويسمح للقندس بالرؤية تحت الماء، بطريقة تشبه وظيفة نظارات السباحة.

‏ويمكن للقندس البقاء تحت الماء لمدة تصل إلى 15 دقيقة، وخلال هذه الفترة يساعده الهواء المحبوس داخل فرائه على الحد من فقدان حرارة الجسم.

‏وعندما يعود إلى كوخه، يظل الفراء جافا بالقرب من الجلد إلى حد كبير، إذ تنزلق قطرات الماء عن الشعيرات الخارجية، بينما تحافظ الطبقة الداخلية على خصائصها العازلة.

‏نظام طبيعي للعزل الحراري

‏لا يعتمد القندس على تحمل البرد فحسب، بل يمتلك تكيفات جسدية وسلوكية تساعده على الحد من تأثيره.

‏فالفراء المكون من طبقتين، والهواء المحبوس بين الشعيرات، والعناية اليومية باستخدام الإفرازات الدهنية، تعمل معا للحفاظ على حرارة الجسم في المياه شديدة البرودة.

‏ويحقق هذا النظام الطبيعي وظيفة مشابهة لما توفره بدلات الغوص العازلة وأجهزة التدفئة التي يستخدمها الإنسان في البيئات الباردة، لكن القندس يعتمد على تكيفات تطورت لديه عبر ملايين السنين.

‏وتوضح هذه الخصائص كيف تستطيع الحيوانات تطوير وسائل فعالة للبقاء في ظروف بيئية قاسية، دون الحاجة إلى مصادر خارجية للتدفئة.