عندما تمشي في الخارج خلال فصل الشتاء، قد تسمع صوت صرير الثلج تحت قدميك. هذا الصوت مألوف لدى كثيرين، لكن قلة منهم تتساءل عن مصدره. وراء هذا الصوت تكمن فيزياء انكسار البلورات الجليدية واحتكاكها، وتؤدي درجة الحرارة دورا رئيسيا في تحديد طبيعته وشدته.
ماذا يحدث عندما نمشي فوق الثلج؟
عندما تطأ قدم الإنسان الغطاء الثلجي، تضغط على البلورات الجليدية الموجودة فيه. وتنكسر رقائق الثلج، وتحتك بعضها ببعض، فتنتج الصوت المميز الذي نسمعه.
ويفسر عالم الفيزياء ويليام كريغ كارتر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذا الصرير بتكوّن روابط صغيرة بين رقائق الثلج المنفصلة. وتسمى هذه العملية التلبد، وهي عملية تتحد فيها الجسيمات المنفصلة لتشكل بنية أكثر تماسكا نتيجة الضغط أو التسخين.
وفي الثلج، تتكون هذه الروابط باستمرار ثم تتكسر تحت تأثير الضغط، ما يسهم في إصدار الصوت أثناء المشي.
كيف تؤثر درجة الحرارة في صوت الثلج؟
عندما يكون الصقيع خفيفا، تغطي رقائق الثلج طبقة رقيقة من الماء تعمل بمثابة مادة مزلقة، فتتمكن البلورات من الانزلاق بعضها فوق بعض مع إصدار صوت ضعيف أو شبه معدوم.
لكن الوضع يتغير عندما تنخفض درجة الحرارة إلى أقل من 10 درجات مئوية تحت الصفر. فعندها تتجمد المياه الموجودة على أسطح البلورات، ويزداد الاحتكاك بينها، ويبدأ الثلج بإصدار صوت الصرير بوضوح.
ويوضح دميتري ليوباشيفسكي، أستاذ الفيزياء الرياضية والفيزياء النووية المشارك في كلية الفيزياء بجامعة فورونيج الحكومية، أن صرير الثلج يصبح أعلى كلما اشتد الصقيع. ويرتبط ذلك بأن رقائق الثلج عند درجات الحرارة الأقل برودة تكون أكثر عرضة للتحول إلى الماء، وبالتالي تصبح أكثر قابلية للتشوه.
أما في البرد الشديد، فتقل قدرة رقائق الثلج على التشوه اللدن، أي تغيير شكلها بصورة دائمة دون أن تنكسر. كما تقل كمية الماء الموجودة بين البلورات، وهي الطبقة التي يمكن أن تخفف الصوت.
ماذا تكشف القياسات الصوتية؟
لا يتكون صرير الثلج من صوت واحد، بل من مجموعة من الترددات المختلفة.
في عام 1968، أجرى خبير الصوتيات السوفيتي فسيفولود أرابادجي سلسلة من القياسات لصوت الثلج في الهواء الطلق، عند درجات حرارة تراوحت بين 4 و20 درجة مئوية تحت الصفر. ووضع الميكروفون على مسافة تتراوح بين 8 و10 سنتيمترات من مصدر الصوت.
وأظهر تحليل الطيف الصوتي وجود نطاقين بارزين نسبيا للترددات: الأول بين 200 و400 هرتز، والثاني بين 1 و2 كيلوهرتز.
وعندما تجاوزت درجة الحرارة 6 درجات مئوية تحت الصفر، أصبح النطاق الأعلى ترددا أقل وضوحا، واختفى أحيانا تماما. ومع انخفاض الحرارة من 8 إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر، ازدادت شدة صوت الصرير بنحو ديسيبل واحد.
وفي معظم الحالات، كانت شدة النطاق منخفض التردد أعلى ببضعة ديسيبلات من شدة النطاق المرتفع. وهذا يعني أن الصوت يغلب عليه طابع منخفض ومكتوم، بينما تضاف إليه نبرة حادة أعلى ترددا.
وقارن أرابادجي أيضا الطيف الصوتي لصرير الثلج بالطيف الناتج عن تكسر الجليد. وتبين أن نطاقات الترددات المرتفعة تقع في المجال نفسه تقريبا، في حين اختلفت نطاقات الترددات المنخفضة. ويُعزى ذلك إلى اختلاف صلابة البنية؛ فالثلج أقل صلابة من الجليد، ولذلك تختلف تردداته المنخفضة.
صرير الثلج ( مصدر الصور: Unsplash )
هل يمكن معرفة درجة الحرارة من صوت الثلج؟
يستطيع بعض المراقبين ذوي الخبرة تمييز درجة حرارة الهواء من الصوت الصادر عن الثلج. فعندما تقترب الحرارة من الصفر، يصدر الثلج صوتا يشبه الخضخضة، ومع الاقتراب من 10 درجات مئوية تحت الصفر يظهر صوت الطقطقة، بينما يتحول إلى صرير حاد في الصقيع الشديد.
وأكدت قياسات أرابادجي هذا الاتجاه، إذ ارتفعت شدة الصوت من 71.5 ديسيبل عند درجات حرارة أعلى من 8 درجات مئوية تحت الصفر إلى 72.5 ديسيبل عند 20 درجة مئوية تحت الصفر.
ويختلف الصوت أيضا بحسب عمر الثلج وكثافته. فالثلج المتساقط حديثا يصدر صوتا ضعيفا، وتكون القمم في طيفه الصوتي أقل وضوحا مقارنة بالثلج الذي استقر وتراكم لفترة. أما الثلج القديم والمتراص، فكثافته أعلى ويصدر صوتا أكثر انخفاضا.
ومع ذلك، فإن الثلج الحديث التساقط قد يصدر صريرا مرتفعا عندما تكون درجات الحرارة منخفضة جدا.
مصدر الصورة التوضيحية: ماريا سولوفيوفا / Наука Mail
هل يصدر الصرير عن الثلج وحده؟
لم تقتصر الدراسات على الأصوات الناتجة عن المشي فوق الثلج. فقد سجل الفيزيائي الكندي توم باتيتساس من جامعة لورنتيان أصوات الاحتكاك بين الثلج وقطع خشبية ونعال مطاطية.
وتوصل إلى أن الصرير ينشأ بسبب الاهتزازات في الجسم الذي يحتك بالثلج، بينما يهيئ الثلج الظروف اللازمة لحدوث ظاهرة تعرف باسم الالتصاق والانزلاق المتعاقب (Stick-slip). وفي هذه العملية، يتوقف الجسم عن الانزلاق لحظة بسبب الاحتكاك، ثم يتحرر ويتحرك مجددا، وتتكرر هذه الدورة.
وأظهرت دراسة أخرى أن الصوت الناتج عن ضغط الثلج عالي الكثافة يرتبط بحدوث الانزلاق. وعندما تزداد سرعة الانزلاق، تصبح الحركة أكثر انتظاما، وقد ينتج عنها صرير عالي التردد.
«همس النجوم» في ياكوتيا
في منطقة ياكوتيا الروسية، يمكن عند انخفاض درجات الحرارة إلى أقل من 49 درجة مئوية تحت الصفر سماع صوت حفيف يشبه صوت حبات الحبوب عند سكبها.
وينشأ هذا الصوت عندما تصطدم بلورات الجليد بعضها ببعض، كما يحدث داخل سحابة البخار التي يطلقها الإنسان عند الزفير في الهواء شديد البرودة.
في البداية، نُسب هذا الصوت إلى الشفق القطبي، لكن العلماء توصلوا لاحقا إلى تفسير مختلف: فالبلورات الجليدية الصغيرة التي تتكون من بخار الزفير في الهواء المتجمد تتصادم فيما بينها، منتجة ذلك الحفيف المميز.
وأطلق سكان ياكوتيا على هذه الظاهرة اسما شاعريا هو «همس النجوم». لكن النجوم لا تتحدث في الحقيقة؛ بل إن بلورات الجليد هي التي تصدر الصوت.
الخلاصة: كلما اشتد البرد، ارتفع صرير الثلج
صرير الثلج صوت يرتبط بانكسار البلورات الجليدية وتفاعلها تحت الضغط. وكلما انخفضت درجة الحرارة، ازدادت هشاشة البنية الجليدية وقل تأثير الماء الذي يخفف الاحتكاك والصوت، ما يجعل الصرير أكثر وضوحا.
لذلك، عندما تسمع هذا الصوت في المرة المقبلة، تذكر أن خطواتك تتسبب في انكسار أعداد هائلة من البلورات الجليدية الصغيرة تحت قدميك.