.

كيف يا ترى تتم شيطنة طائفة أو مذهب مُعَيَّن في عالمنا العربي الموبوء بالكراهية والمنكوب بالأحقاد والضغائن الدينية؟

فلنضع الشيعة جانباً، ولنأخذ المواطنين السوريين المنتمين إلى الطائفة العلوية كمثال...

هل سألتم أنفسكم كيف تحولت هذه الطائفة إلى عنوان الشر ومصدره في نظر الملايين من أبناء المذهب السني في هذا الشرق الأوسخ؟

في بلدي الأردن، لا يوجد جالية من العلويين تعيش بيننا لكي نبرر عنصريتنا تجاهها، وأغلب أفراد الشعب الأردني لم يقابل شخصاً علوياً في حياته، إلا أن كمية الحقد والكراهية التي تلمسها هنا تجعلك تعتقد أن العلويين هم من احتلوا فلسطين وشردوا أهلها ونكّلوا بشعبها، وليس بنو صهيون وأعوانهم...

ولكن لماذا وكيف؟

لا تصدقوا من يقول لكم أن السبب هو أكذوبة استئثار العلويين بالحكم في سوريا، فهذه الخرافة هي أصل الداء، لأن الحقيقة المدعومة بالأرقام تقول أن أكثر من ثلاثة أرباع المناصب الحساسة في الجيش وحزب البعث والحكومة السورية يملأوها غير العلويين، وهي النسبة الطبيعية نظراً للتركيبة السكانية في سوريا...

فكيف إذاً تَرَسَّبَ كل هذا البغض والمقت لطائفة دون غيرها؟

هل هي كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وحدها، والتي تكفر كل سكان الكرة الأرضية؟

لا أعتقد ذلك، فغالبية الشعب بينهم وبين القراءة عداوة أزلية أصلاً، ومعظمهم لا يقرأ في حياته سوى عناوين الصحف الصفراء...

فما هو السبب الحقيقي إذاً؟

الجواب بسيط، وهو التحريض عن طريق الفبركة والتلفيق واختراع القصص والأكاذيب...

مثلاً، في محاضرة مسجلة وموجودة على اليوتيوب أمام حشد من الطلبة في الجامعة الأردنية قبل بضعة سنوات، يقول مدرس الشريعة الإسلامية (ما غيره) لمن يفترض أنه مؤتمن على تعليمهم وتثقيفهم، يقول لهم بأن العلويين هم أخبث وأحقر مجموعة في تاريخ الأمة الإسلامية، ثم ينهال عليهم بالشتائم ويصفهم بأقذع الأوصاف، ويسهب بالشرح عن الشر المطلق الذي يمثله "النصيريين" على حد تعبيره...

لا يكتفي الدكتور الفاضل بهذا التجييش الطائفي الموتور، بل يكمل ويروي قصة عجيبة لتلاميذه، ويقول أنه يذكر شخصياً قبل أحداث حماة في 1982 ما أسماه "أحداث دمشق" في 1979، وتحديداً "حملة خلع الحجاب" التي قامت بها فرقة من المظليات السوريات من حزب البعث، حيث كانت تنزل من السماء مجندات مسلحات شعرهن يصل حتى الركبة وقمصانهن مفتوحة كاشفة لنهودهن حسب تعبيره، فيقمن بخلع حجاب المسلمات الآمنات في دمشق بالقوة (لا يشرح الأستاذ لطلبته لماذا ينزلن المجندات من السماء ولا تتم هذه الحملة عن طريق المشاة والدبابات مثلاً، وما هو هدف الإنزال المظلي من الناحية العسكرية!)...

هكذا يتم تدريس طلاب أهم وأكبر وأقدم جامعة أردنية؛ بأن الجيش البعثي العلوي قرر الهجوم على دمشق باستعمال مظليات شبه عاريات يهبطن من فوق الغيوم في مهمة محددة، وهي خلع حجاب المؤمنات البريئات عن رؤوسهن بالقوة!

هذا القدر من الافتراء غير كافٍ، فبعد أن حصل على انتباه جميع من في القاعة بقصة المقاتلات العاريات الحاقدات على حجاب المسلمات، يتم إدخال العنصر الشخصي، فيقول أن أستاذ جامعة سوري صديق وقريب روى له كيف أن إحدى تلك المقاتلات علقت مظلتها في أحد الأبنية أثناء هبوطها في دمشق، فهجم عليها مع بقية المواطنين وأخذوا يضربون رأسها بالحائط حتى فارقت الحياة...

هكذا يكتمل تحليل سفك الدماء وقتل الآخر بأبشع الطرق، فالطلبة الذين سمعوا قصة المظليات العصية على التصديق، يتم إشفاء غليلهم في النهاية بهذه الصورة الدموية للإنتقام، حيث يصبح تفجير دماغ العلوي بطرقه في الصخر أمراً طبيعياً، لا بل جزاءاً عادلاً في نظر المستمعين...

ثم يختم أستاذ الجامعة قصته بسؤال غير بريء ويقول بالحرف الواحد، وهنا مربط الفرس:

"هل تعلمون من هم مؤسسي وقادة حزب البعث؟ نعم، نصارى! ميشيل وجورج وديفيد... صدفة؟ لا، ليست صدفة"

وهكذا تم زرع حقد مزدوج في قلوب أجيال الأردنيين والأردنيات ضد العلويين والمسيحيين في آنٍ واحد، وكل ذلك من منبر رسمي في منتصف الصرح الثقافي والتعليمي الذي يفترض أن يخرج أجيالاً من المتنورين لبناء هذا الوطن...

ولذلك لا تستغربوا اليوم عندما ترون قطعاناً من المخلوقات التي تفرح من قلبها عندما تسمع أن إسرائيل قصفت مواقعاً للجيش السوري، أو أن الأحمق ترامب ينوي القيام بعمل عسكري ضد سوريا...

فباستثناء قلة من المأجورين الذين يتقاضون رواتباً لكي يشيطنوا القيادة السورية، ستجدون أن جبال الحقد الأعمى لدى الغالبية من الناس قد تأصلت في نفوسهم منذ نعومة أظفارهم، لأن معظم هؤلاء، سواء كانوا يعلمون ذلك أم لا يعلمون، قد رضعوا قاذورات السرطان الوهابي مع حليب أمهاتهم...

بعد استكمال النصر في سوريا، فإن المعركة الحقيقية يجب أن تبدأ في المدارس وفي الجامعات وفي المساجد لتطهير عقول الأجيال، لأن داعش وأخواتها في النهاية هي ليست جيوشاً وسلاحاً فقط، وإنما هي فِكر وعقيدة في الأساس، وهزيمتها لا تكتمل إلا باجتثاث مصدر ذلك الفكر وباقتلاع أصل تلك العقيدة..

زيد النابلسي

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه