لا يكاد يختلف اثنان على أن الأنظمة السياسية في الخليج الفارسي بالشكل العام هي صنيعة الاستخبارات البريطانية منذ أكثر من قرنين من الزمن، وذلك أن بريطانيا العظمى آنذاك كانت تسيطر على المحيط الهندي بأكمله وصولاً إلى الصين شرقاً ومصر والسودان جنوباً، وليس خافياً على أحد أن هذه الإمبراطورية عملت جاهدة آنذاك على تأمين طريق تجارتها إلى الهند عبر قناة السويس وخليج عدن والخليج الفارسي ، فكان لا بدّ لها تحت هذا العنوان من تأمين منطقة الجزيرة العربية أو بالحدّ الأدنى الوصول إلى تفاهمات مع سكان هذه المناطق على حماية تجارتها مع الهند، وهذا طبعاً يتقاطع مع هدف آخر لها في المنطقة والعالم وهو خدمة الصهيونية العالمية التي كانت فكرتها قد بدأت بالتبلور آنذاك، وكان السعي حثيثاً لجلب مؤيدين لها من كل أصقاع العالم.
ففي إطار سعي الصهيونية العالمية وقتها إلى صناعة كيان لها ولأتباعها يشكل قاعدة انطلاق لها للسيطرة على العالم، تم طرح مجموعة من الأماكن في العالم للسيطرة عليها تكون منطلقاً لهذه المنظمة، ومن بين هذه الأماكن طبعاً فلسطين العربية، وعندما وقع الاختيار على فلسطين كان لا بدّ من البحث عن حجج لاحتلال هذا البلد، فكان أن تم امتطاء أكذوبة حق الشعب اليهودي في الحصول على وطن قومي لهم.

في هذه الأثناء كانت الاستخبارات البريطانية تجوب الجزيرة العربية بحثاً عن زعامات تؤمّن لها مصالحها في المنطقة، ومن بين هذه المصالح تمهيد الطريق أمام الكيان الوليد الذي ستشرف بريطانيا على إنشائه في المنطقة وهو الكيان الصهيوني بالاستناد إلى ادّعاءات اليهود بأحقيتهم في أرض فلسطين وعدّها أرض الميعاد لهم حسب العهد القديم.

فبدأت المخابرات البريطانية البحث عن هذه الزعامات واتفقت فعلياً مع مجموعة من الحكام المحليين تحقيقاً لهذه الغاية، ولكن منطقة الحجاز كانت لا تزال تابعة للسلطنة العثمانية، وكذلك اليمن، فكان لا بدّ من صناعة زعامة لهذه المنطقة تكون تابعة للعرش البريطاني مباشرة وتوحّد القبائل في الجزيرة على الولاء لبريطانيا العظمى، وبعد دراسة المنطقة بشكل جيد تبيّن أن توحيد هذه القبائل على رأي واحد لا يتم إلا من خلال الدين، وذلك أن الفكر الإسلامي كان غائباً عن هذه المنطقة قروناً من الزمن، ويعيش أهلها طبعاً حياة البداوة بعيداً عن الحواضر الإسلامية الشهيرة دمشق وبغداد والقاهرة التي ظلت طوال الخلافة الإسلامية مراكز إشعاع حضارية، فكان أن استقدمت الاستخبارات البريطانية المدعو محمد بن عبد الوهاب إلى العراق ودرّبته وعلّمته الدين الإسلامي “وهو من أصول يهودية تركية على الأغلب” لترسله فيما بعد إلى منطقة نجد في الجزيرة العربية التي كانت آنذاك تعيش في عصور الظلام، فوجدت الاستخبارات البريطانية ضالتها عندما رأت أبناء سعود يتناحرون فيما بينهم على حكم منطقة نجد، ومع القبائل الأخرى في الجزيرة على حكم سائر المناطق كالحجاز وحائل وعسير والقطيف، حيث دعمتهم بشكل خفي على التغلب على حكام تلك المناطق الفعليين الذين يدينون بالولاء للسلطنة العثمانية.

وطبعاً تم التزاوج الفريد بين آل عبد الوهاب وآل سعود، حيث وُضعت الوهابية في خدمة ترسيخ حكم آل سعود وبدعم غير معلن من العرش البريطاني، على أن يؤمّن آل سعود مصالح بريطانيا في المنطقة ويلتزموا بتنفيذ سياساتها، فكانت الاتفاقيات الخطيرة التي وقعت بين الطرفين وأهمها على الإطلاق تعهّد عبد العزيز آل سعود بعدم التعرّض لدولة اليهود الوليدة في فلسطين وحمايتها، وهو ما استمر عليه أبناء عبد العزيز آل سعود حتى الآن.

ودون الخوض بأصول آل سعود اليهودية التي ترجعهم في الأغلب إلى يهود نجران أي يهود اليمن، نستطيع أن نميّز هنا أن الجهد كان منصبّاً على تأمين الشرعية الدينية لآل سعود وهو ما تحقق لهم فعلاً بعد أن سُخّرت الوهابية التي هي صنيعة المخابرات البريطانية لخدمة تثبيت حكم آل سعود على المنطقة الواقعة بين اليمن وعُمان جنوباً وبلاد الشام والعراق شمالاً، فعمل منظّرو الفكر الوهابي على نشر ثقافة التطرف والإرهاب ونقلوا صورة شديدة السوء عن الإسلام بعد أن أجبروا جميع السكان الموجودين تحت سيطرتهم على نبذ المذاهب الإسلامية الموجودة في المنطقة والتزام النهج الوهابي التكفيري الذي بُني على أساس تشويه صورة الإسلام وتدميره من الداخل من جهة وحماية الحكم السعودي من جهة ثانية، فبدأت الأفكار المتطرفة بالتسلل إلى الشعوب الإسلامية وساهم المال الوهابي بتعزيزها إلى أن وصل الأمر إلى ما نشاهده الآن من فتاوى وأكاذيب وافتراءات تلصق بالدين الإسلامي الحنيف وهو منها براء، وكان لسيطرة آل سعود على الحرمين الشريفين في مكة والمدينة الدور الأكبر في نشر التطرف والإرهاب حيث صار الولاء لآل سعود طريقة للوصول إلى أماكن الحج “والتقرّب إلى الله”.

ولما كان انتصار الفكر الصهيوني يعتمد بالدرجة الأولى على الأحقية الدينية، من خلال تحريف ما جاء في الكتب السماوية من حديث عن شعب الله المختار وأحقيّته في الوجود، ومحاولة الادّعاء أن نبي الله إسحق عليه السلام أسبق في الوجود من إسماعيل عليه السلام “جد العرب”، وغير ذلك من الأمور التي يسوقها علماء الصهيونية العالمية لإثبات أحقية اليهود بفلسطين، كان لا بدّ من إيجاد حكام في الجزيرة العربية يعتمدون في وجودهم على سلطة دينية يستطيعون من خلالها إجبار سكان الجزيرة على الانصياع لحكمهم بموجب الشرعية الدينية، فكان الفكر الوهابي على وجه الحقيقة يعمل على تأمين شرعية دينية لحكم آل سعود، وانتقل بالتالي تسويق أحقية اليهود في الوجود من علماء الصهيونية العالمية إلى منظّري الفكر الوهابي الذين بدافع من “فوبيا” التكفير التي مارسوها ضدّ كل من خالفهم الرأي استطاعوا إجبار الناس على تقبّل عقيدتهم المشوّهة التي ترمي أساساً إلى تمزيق الدين الإسلامي وتدميره من الداخل وصولاً إلى بثّ جميع الأكاذيب التي لا يستطيع منظرو الفكر الصهيوني بثّها مباشرة حول الإسلام، والأهم من ذلك تطويع كل من انتهج عقيدتهم للقبول بفكرة أحقية اليهود في الوجود.

ومن هنا نجد أن سعي آل سعود المحموم منذ ظهورهم في شبه الجزيرة العربية، إلى إشاعة التناحر بين العرب أنفسهم من جهة، وبينهم وبين سائر شعوب المنطقة من جهة أخرى، ليس وليد المصادفة وليس مبنيّاً أصلاً على أسباب موضوعية، وإنما هو تنفيذ حرفي للدور الوظيفي الذي أصبحوا حكاماً لهذه المنطقة من أجل القيام به، وكل المبرّرات التي يحاول آل سعود تسويقها مثلاً لعداء إيران الإسلامية تسقط أمام علمنا أن إيران التي يناصبها آل سعود العداء الآن هي ذاتها إيران التي كان آل سعود يطلبون رضاها زمن الشاه، والفارق واضح أن إيران الإسلامية الآن تعادي “إسرائيل” وتنتصر للشعب الفلسطيني، وإيران “الشاه” تابعة للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وفي هذا خير دليل على أن آل سعود قاعدة متقدّمة للمشروع الصهيوني في المنطقة، وما لا تستطيع “إسرائيل” تسويقه بين العرب والمسلمين يتكفّل آل سعود بتمريره عنهم.

* طلال ياسر/ المنار

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه