ما أصعب بناء وحدة الإنسان مع نفسه، ومع الإنسان الآخر، ووحدة شعب الوطن الواحد مع نفسه. وما أصعب بناء وحدة الشعوب مع بعضها البعض، لا من ناحية دمجها بالقوة والعنف وتذويب خصائصها وفروقاتها وتنوّعها وتناقضاتها، وهذا أمر مستحيل لا نقاش فيه، رغم الأطماع والطموحات المريضة والمحاولات اليائسة لبعض أغنياء العالم التلموديين المُمسكين بمعظم ثروات الكرة الأرضية، المهووسين بشهوة المال والذهب والسيطرة والعظمة وسفك الدماء واستعباد الحكومات والشعوب، بل من ناحية حسن الجوار والإحترام المُتبادَل لشخصية كل شعب، وخصوصيّة قوميته وعِرقه ولونه ولغته وثقافته وحضارته، والتكامل والتعاون في كل المجالات، وتقاسم خيرات الأرض، والعيش معا بسلام.

ومن ناحية أخرى، ما أسهل الفِرقة والإنقسام والتخريب والهدم. في لحظات قليلة، تُقطَع الشجرة الكبيرة المعمِّرة، ويُهدَم البناء الذي تعبت الأيدي في بنائه طيلة سنين. والثقة بين إنسان وإنسان، أو بين أبناء الشعب الواحد، أو بين الشعوب المتآلفة، سُرعان ما تُفقَد، وسُرعان ما ينشأ الخلاف والنزاع والإقتتال، حين يتدخل شياطين الفتنة (وهم دائما حاضرون وناشطون)، لإشعال نار النميمة وسوء التفاهم والفرقة والحقد بين الناس.

كما نرى في أيامنا هذه، الكون يتوحّد شيئا فشيئا من خلال تيار العولمة الغامر لكل البلدان (بقطع النظر عن سلبياته، وعن نوايا مُحرّكيه الخفيّة، والمُعلَنَة، والهادفة إلى السيطرة على الكرة الأرضية، وخلق حكومة واحدة لكل الشعوب)، وبفضل سرعة تطوّر وسائل الإتصالات، والمواصلات والتنقل بين القارات برًّا وبحرًا وجوًّا، وسهولة التبادل التجاري والصناعي والثقافي بين الشعوب. وقد سُمِّيتْ الكرة الأرضية ب"القرية الصغيرة"، جراء هذا التطوّر السريع، والذي لن يتوقف.

ونشهد أيضا دعوات بين الأديان والمذاهب لتوحيد الإيمان والأعياد والقلوب والصفّ، في مواجهة موجات الإلحاد المتصاعدة هنا وهنالك بين الشباب، والخطر الداهم على الأديان، والخوف من انقراضها، وفقدان روح الأخلاق والمحبة في المجتمعات البشرية، وفي ممارسة السياسيين في العالم لسياسة الأنانية والكبرياء والعنف والحروب، وعدم إحترام الشخص البشري كقيمة بحدّ ذاته، تحقيقا لأهداف السيطرة على ثروات الشعوب وإرادتها ومصيرها.

ما يهمّنا، اليوم، في هذا الجوّ الموبوء بالطمع والمحموم بالحقد والقلق، هو وطننا لبنان. إنه وطن محكوم عليه، عبر تاريخه القديم والحديث المليء بالغزوات والإحتلالات، وبالنزاعات والحروب الأهلية، ألّا يكون أبدا مُوَحَّدا. وإذا صدف أن تنعّم مرة بفترات وحدة بين أبنائه وبفترات سلام وازدهار، فهي كانت دائما فترات عابرة، قصيرة الأمد. السبب الرئيسي لفشل وحدة الشعب في لبنان هو انعدام الثقة التاريخي بين الطوائف اللبنانية، والذي ساهم في إبقائه حيّا تدخل الدول في الشؤون اللبنانية، واتباع سياسة "فَرِّق تَسُد" الناجحة بين مختلف الطوائف، وأيضا التسابق على السلطة بين زعماء الطوائف، وعلى تقاسم حصص الحكم، وتجميع الثروات، والإستقواء بالخارج على الفريق الآخر. وأما الإستقواء بالخارج فقد أصبح تقليدا موروثا "مقدّسا"، مقبولا ومُسَلَّما به دون نقاش، من قبل معظم اللبنانيين، ولا أحد يخطّط للإستغناء عن هذا الرباط مع الخارج، الذي يريح معظم السياسيين ويزيد من ثرواتهم، ولا يخنق إلا الشعب اللبناني.

الخارج، بكل بساطة، وبحسب هذا التقليد، يتدخل، بسطوة ماله وتعاون بعض الزعماء، في الإنتخابات اللبنانية، كما يحصل اليوم، ليؤمّن "أكثرية" نيابية يستطيع من خلالها حكم الشعب اللبناني. الشعب يردّد دائما أنه لا يُقطَعُ خيط في لبنان دون معرفة الخارج ورضاه. وإذا ارتفعت، من وقت إلى أخر، بعض الأصوات الحرّة ضدّ هذا التدخل، فهي لا تؤثر على تفكير وسلوك الزعماء، ولا تغيّر أي شيء في مجرى السياسة اللبنانية المرتهَنَة لهذا الخارج.

الوحدة الوطنية، إذا، بين أبناء الشعب اللبناني المتعدّد المذاهب والطوائف والأمزجة والمصالح والولاءات، وفي جوّ التدخلات الدائمة في شؤوننا كلها، وفي السيطرة على إرادتنا الوطنية، تبدو مسألة صعبة جدا. تاريخنا شاهد على هذه الحقيقة المرّة. إنه تاريخ مسلسل طويل لوصايات الدول على لبنان وإبقائه غير حرّ، وغير مستقل، وغير سيّد، وغير موحّد، وغير مزدهر، وغير سعيد، حتى كتابة هذه الكلمات.

المسألة المحيّرة، المؤلمة، هي أن اللبنانيين، شعبا وسياسيين، لم يتعلّموا شيئا من تجاربهم المأساوية المريرة. واليوم بالذات، نرى السياسيين اللبنانيين لا يتفقون على شيء، كما في الأمس البعيد والقريب، كذلك في الحاضر. كان السياسيون يصرّحون علنا ودون حياء، في عجقات زياراتهم إلى عواصم القرار في الخارج وعودتهم إلى الوطن، حين يتعذّر عليهم انتخاب رئيس للجمهورية، بأن المسألة ليست بيدهم، وبأن الخارج المؤلَف من أربع دول قوية هي الولايات المتحدة الأميريكية (مع ملحقاتها الأوروبيّة) وروسيا والسعودية وإيران، ما زال يطبخ طبخة الرئاسة، وهي لم تنضج بعد.

ماذا، أيضا، عن مشكلة تسليح الجيش المزمنة؟ الجميع يطالبون بحماس بتسليحه لمجابهة العدو التلمودي بجوارنا وإرهابييه، ولا أحد يقدم على على هذا العمل، خاصة من يقدرون بسهولة على التمويل كأغنياء لبنان الكثر، مثلا، في الحكم وخارجه، مما يضع حدا للإستعطاء المُذِلّ من الخارج. المسألة بيد الخارج المعروف الذي لا يسمح بتسليح جيشنا لئلا يشكل تهديدا للكيان العنصري الصهيوني، ولا يقدم مساعدات إلا مشروطة، ومُقيِّدة لتحركات الجيش وللقرار السياسي اللبناني.

ثم، عندنا مسألة كيفية التخلص من النفايات. الحلّ هو بانتظار موافقة كل زعيم طائفة على مطمر أو "محرقة" في محيط مراكز قوته وسيطرته، أو بانتظار كيفية "ترحيل" النفايات. حتى اليوم، لا حل لمشكلة النفايات. وأيضا مشكلة تلوث الهواء والمياه ما زالت تنتظر حلا من الزعماء.

وأما الشعب، فهو حيران وقرفان، يتفرّج، بانتظار ما يحدث، ويتهكّم بمرارة على الوضع المخزي، ويتساءل هل يتم ترحيله هو قبل النفايات إلى عالم الإغتراب، أو إلى العالم الآخر.

وأما أركان الدولة المتكبّرون، فهم منهمكون جدا بالحفاظ على وجودهم ومؤسساتهم وهيبتهم ورواتبهم ومخصصاتهم وحصانتهم وألقابهم، بواسطة التحصينات القوية حول قلاع وقصور حكمهم، وبواسطة أزلامهم، وبواسطة القوى الأمنية والجيش.

أين نحن يا ترى من وحدة الشعب اللبناني؟ وهل يخبىء لنا المستقبل شيئا أفضل ممّا قدّمه لنا الماضي، وأفضل مما يبشّرنا ويَعِدُنا به الحاضر؟

الوحدة، لا خيار للشعب اللبناني، إن أراد الحياة الكريمة والوجود القوي، إلّاها. الشعب اللبناني يريد، في أعماقه، الوحدة، وهو يفهم ويعي هذه الحقيقة البسيطة أنّ في الإتحاد القوّة. وهو قد شبع إذلالا وفِرقة وضعفا واستهتارا على يد السياسيين، وسئم من السياسيين والسياسة. والشعب، كما يبدو، يشعر بأن المصائب المتتالية عليه، دون توقف، ينبغي أن تساهم، على الأقل عاطفيا، في توحيد كل أبنائه ضد شرّ السياسيين المقصّرين، والذين لا يعترفون بتقصيرهم، ولا يتوبون، ولا يعتذرون من الشعب، ولا يريدون ترك الحكم. ولكنّ الذين يمنعون هذه الوحدة من الحدوث، هم، في الحقيقة، معظم السياسيين المستفيدين مالا ووجاهة من إنقسام الشعب اللبناني، طمعا بالهيمنة على سائر أفرقاء الوطن، والإستئثار بمغانم الحكم، وبالقرارت المصيرية التي تخدم مصالحهم ومصالح الخارج المموِّل والداعم لهم.

في نظر الخارج، الوطن اللبناني يجب أن يبقى غير موحَّد، مُمَزّقا ومُشَرذَما ومنقسِما على ذاته، وضعيفا وذليلا وتابعا، لا قرار حرّ لشعبه ولا لزعمائه. وهو، أي الخارج، لا يتعب ولا يشقى أبدا في محاولاته الدائمة لتحقيق ذلك الهدف، بوجود بعض السياسيين المتطوّعين والمتحمّسين دائما لخيانة شعبهم لقاء ثلاثين من الفضة، وتدفّق "المَكرُمات" الدائم إلى جيوبهم، لكي ينفّذوا مشيئة الخارج بفرح عظيم، وبدقّة فائقة، وبوفاء عجيب. والغريب في الأمر أن أتباع هذا الفريق من السياسيين لا ينتقدونهم، ولا يفعلون شيئا لمساءلتهم، ومحاسبتهم، وإيقافهم عند حدّهم. لا بل تراهم مستعدّين، رغم كل القهر والحرمان والذلّ والعذاب والمآسي بسبب سياسة سياسييهم الخاطئة والمؤذية لهم ولكل الشعب اللبناني، أن يعيدوا انتخاب جلاديهم من جديد، باسم العائلة والمذهب والطائفة والقرابة والصداقة، وقليل من المال. لا وحدة للشعب اللبناني، ولا كرامة ولا حرية، بوجود سياسيين من هذا النوع، وبوجود شعب جاهل، متعصّب، من هذا النوع. السياسيون أشرار، والشعب يمجدهم ويدعم شرّهم. إنها حالة مَرَضِيَّة خطيرة: عشق الضحيّة لجلادها.

هل يعي الشعب يوما حقيقةَ الأمر الواقع المذلّ الذي يعيشه؟

هل يعي مسؤوليته في خلق واستمرار هذا الواقع؟

هل يمكنه أن يجعل السياسيين يعون ويفهمون ماذا يفعلون به، وهل يمكنه إيقافهم؟

كيف، ومتى؟

وهل يفهم ويعي المسؤولون أخطاءهم، وسيئاتهم، وتقصيرهم في تأدية واجباتهم تجاه الشعب الذي انتخبهم ليحافظوا على وحدته، وليخدموه، لا ليفرِّقوه ويهملوه ويعبثوا بمصيره، هم وبعض حكومات الخارج المجرمة التي تجيد إنفاق المال الوفير من أجل زرع الفتن بين العائلات الروحية اللبنانية، والتي لا تقيم أيّ وزن للقيم الأخلاقية والروحية في تعاملها مع الشعوب قاطبة؟ كيف؟ ومتى؟

القادة بحاجة إلى شعب يقودونه. الشعب بحاجة إلى قادة ليسوسوا أموره وليتبعهم بثقة وأمان. لا يمكن تصوّر قادة بلا شعب أو تصوّر شعب بلا قادة. العلاقة الصحيّة بين الإثنين ينبغي أن تكون علاقة جَدَلِيّة متفاعلة تفاعلا ايجابيا مثمرا، علاقة وثيقة تتوطَّد وتتجدّد بالثقة المتبادَلَة، والإحترام المتبادَل، والوفاء المتبادَل. هذا النوع من العلاقة غير موجود في لبنان. جدليّة العلاقة السائدة بين الطرفين هي عكس ذلك. انها جدليّة عقيمة، سلبيّة، مؤذية للشعب فقط ولوحدة الوطن.

في الحقيقة، إن مسؤولية هذا النقص الفادح في العلاقة السليمة بين الشعب والقادة، والذي لا يمكن لأحد إنكاره إلا إذا توخى المكابرة والكذب والتمويه، تقع على كاهل زعماء الطوائف والسياسيين. هم النخبة كما يدّعون، وكما ينظر إليهم الشعب. من أولى واجباتهم العمل على خدمة الشعب دائما، وتوعيته على حقوقه وواجباته دون تردد أو خوف، والإخلاص له، وعدم خيانته وتمزيق وحدته من أجل مصالحهم الشخصية مع آلهة الشر والمال. من أولى واجباتهم أن يكونوا، بكل بساطة، منارة إخلاص ووفاء وهداية للشعب. إن الراعي الصالح هو وحده يحافظ على خرافه من غدر الذئاب الخاطفة، وهو وحده يقود خرافه إلى المراعي الخصيبة. السياسيّ الذي اختار مهنته كسياسي ليسوس أمور الناس بدراية وحكمة، وليوحّدهم، مُعَرَّض لأن يجنح، بسهولة بالغة، عن الصراط المستقيم، طمعا بالمال والجاه، ولأن ينسى أن الشعب الذي انتخبه موجود، وهو ينتظر خدماته الغائبة، المعدومة. مهنة السياسة الشريفة التي لا هدف لها سوى خدمة الناس، تصبح، مع بعض السياسيين المغامرين، مهنة التجارة الرابحة لهم وحدهم في سوق البيع والشراء، والمقامرة بحياة الشعب ومصيره.

نكرِّرُ السؤالَ المؤرِّق عينَه: هل تحدث معجزة الوعي في قلب الشعب اللبناني وفي قلب المسؤولين؟ كيف؟ ومتى؟

بكل بساطة وتواضع، لا نملك الجواب الحاسم.

إننا، من جهة، نرى شعبا منقسما على ذاته، غير موحَّد، حتى في تظاهرات الشارع وفي المطالبة بحقوق تتعلّق وتهمّ كل أبناء الشعب، ونرى، من جهة أخرى، سياسيين منقسمين على ذاتهم أيضا، لا يتفقون على شيء إلا على التباكي وذرف دموع التماسيح على سوء الأوضاع، وعلى التحذير الدائم من الأخطار التي تهدّد كيان الوطن اللبناني ووجوده، وعلى بيع الشعب وعودا كاذبة وهميّة بحلّ كل مشاكله في أقرب وقت، خاصة في هذه الأيام، أيام الإنتخابات.

ونرى، في نهاية الأمر، أن الحياة مستمرةّ، وأن كل السياسيين منتشون دائما في ذروة سعادتهم، والشعب منتشٍ دائما في ذروة قرفه وتعاسته.

ونرى أنّ ثمّة في الحكم من يحاول دائما أن يفسد ثورة الشعب البيضاء المسالمة، في الإعلام وفي الشارع.

ونرى خلافا دائما بين الأفرقاء السياسيين حول تفسير وتطبيق القوانين والدساتير، وحول تنفيذ المشاريع العمرانية من أجل الشعب، وحول مفهوم الصداقة والعداوة، وحول مفهوم مقاومة الأعداء أو عدم مقاومتهم، وحول مفهوم الإستقلال الحقيقي الكامل، والتعامل المخزي، المذلّ، مع حكومات الخارج زارعة وحامية وداعمة الكيان التلمودي اليهودي الصهيوني العنصري الإرهابي، عدوّ الشعب اللبناني الأول، الذي يهدّد اللبنانيين، كل يوم، بتدمير لبنان تدنيرا كاملا وإرجاعه إلى العصر الحجري. هذا غيض من فيض.

ونرى حوارات عقيمة بين الأفرقاء حول إيجاد حلول لمشاكل الشعب الكثيرة المزمنة، لا يبدو أنها تؤدي إلى أيّ مكان.

إننا نرى كل شيء إلا الوحدة الفعلية الصادقة بين زعماء الطوائف والسياسيين، وبين أبناء الشعب اللبناني.

ما نعرفه ونحبّ قوله وتكراره، هو أن الوحدة تتطلب جهدا مستمرا في بناء الثقة المتبادَلَة بين أبناء الشعب الواحد، والإقتناع الصادق بجدوى الثقة وبجدوى البناء، وأن الثقة بين الناس صعب بناؤها، وأن تخريب الثقة يتمّ بلحظة واحدة. بناء الوحدة يبقى كل لحظة مُعَرَّضا للزعزعة والإنهيار إن لم يسهر البناؤون سهرا دائما على بنائهم. البناؤون هم الشعب اللبناني ورعاتهم الصالحون. على الشعب اللبناني أن يعرف من هم هؤلاء الرعاة، وإن وجدهم وعرفهم، فعليه أن يتبع صوتهم الأمين الآمن، وإلا فليغيّر رعاته.

على الشعب اللبناني أن يعرف كيف يميّز بين السياسيّ الصالح والسياسيّ غير الصالح، بين الصادق والمنافق، بين الوفيّ الأمين الخادم لوطنه أي لشعبه والخائن لوطنه والخادم لآلهة المال في الخارج لا للشعب.

وعلى الشعب اللبناني أن يتجرّأ ويحاسب من ينتخبهم ليمثلوه في الحكم ويخدموه، إن هم أخطأوا. المحاسبة لا تتم بثورة دموية تُقطع فيها الرؤوس وتُدَمَّر فيها المباني وتُقْلَعُ فيها الأشجار، بل بعدم انتخاب السياسيين غير الأوفياء للشعب مرة ثانية وثالثة ورابعة، كما درج التقليد العائلي والطائفي "المقدّس"، المتوارَث عندنا في لبنان.

متى يتم ذلك؟

متى يصبح لبنان وطنا موحَّدا، قويا بوحدة أبنائه وبوحدة سياسييه الواعين المخلصين الصادقين الأشراف؟

لا أحد يعلم متى يتحقق هذا الحلم، حلم الوحدة. فليبدأ كل واحد من السياسيين والشعب، بتحرير نفسه أولا من كل الموروثات السيئة، وكل التناقضات العجيبة الغريبة في الطبع اللبناني إجمالا، وفي المزاج الطائفي بنوع خاص، وكل العقد المريضة، بدءا بعقدة النقص تجاه الأجانب والغرباء، ودعوتهم دائما إلى تسلم أمورنا وحكمنا لقاء "خدمات" لها إسم واحد، مهما حاولنا أن نُلطّف الأشياء، وهو "خيانة"، ثم بعقدة عشق المال و"تسوّل" مكافآت ومَكرُمات ومراكز وجاه لا تفيد الشعب بشيء، وانتهاءا بعقدة الكبرياء والعظمة، وعقدة التحدي والنكاية والمنافسة، في تعاملنا مع بعضنا البعض.

إن تربية شخص واحد تربية سليمة، كاملة، أمر صعب. فكيف بتربية أو ربما الأصحّ القول "إعادة تأهيل" شعب بكامله هو وسياسيوه، ومعظمهم يعتقدون بأنهم كاملو الخَلْقِ والخُلُق؟ كلما تأمّلنا بموضوع وحدة الشعب اللبناني، كلما زاد شكّنا بإمكانية حصول هذه الوحدة. ولكن الأمل ينبغي أن يظل مشتعلا في نفوسنا المؤمنة التي ترفض الإستسلام واليأس.

متى تتحقّق، إذا، وحدة لبنان؟ متى تتحقّق حرية لبنان؟ متى يتعلم اللبنانيون كلهم من أمثولات تاريخهم الدموي؟

حين يصبح اللبنانيون، شعبا وسياسيين، متواضعين (؟) ومحبين (؟) لبعضهم البعض، في تعاملهم اليومي. هذا هو ملكوتهم الوحيد الذي ينبغي أن يحلموا به ويصلّوا ويعملوا من أجل تحقيقه. والباقي (سلام، إزدهار، تربية، حرية، تحرّر من شيء إسمه "الخارج"، كرامة، وحدة، قوة، إلخ...)، سوف يُعطى لهم ويُزاد.

نحن، أبناء المشرق، مشرق الوحي والروح، مسؤوليتنا كبيرة جدا، ولا عذر لنا إن تجاهلناها أو نكرناها، وهي تكمن، ببساطة كلية، في أن نعيد لمشرقنا، وبشكل دائم، ما فقده على مرّ العصور، من رونق حضور الروح في أرضنا المقدّسة. فلنُعِدْ رونقَ حضور الروح هذا في أعماق قلوبنا، بتفكيرنا وأخلاقنا وإيماننا ووحدتنا، ولنحمِه من شرّ المال والكبرياء والخيانة والكفر والإلحاد والرذيلة والفتنة والفرقة والإنقسام والحقد والحروب والبؤس، لتستعيد أرض المشرق، من جديد، رونقها وبهاءها، وتعود، كما كانت في لحظات نادرة من تاريخنا، مهدا ومنبعا ومنارة للوحي السماوي والقداسة والسلام والمحبة والإزدهار، وليعود وجودنا يعكس ويُجسِّد، بأمانة وقوّة واستمرار، حضور الروح فينا. إن أورشليم الجديدة بانتظارنا، تنادينا.

السؤال الملحّ، المقلق، يبقى صداه يتردّد في أعماق قلوبنا المضطربة: هل نلبّي النداء؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه