- اختتم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعمال مؤتمر "سيدر" الذي دعت إليه واستضافته العاصمة الفرنسية، بكلمة مطولة توجه فيها الى المؤتمرين، شاكرا حضورهم ومشيدا ب"الجهود التي بذلت طوال المرحلة السابقة، لإنجاح المؤتمر وتحقيق النتائج الإيجابية، التي تمثلت بالتجاوب الكبير من قبل المجتمع الدولي لمساعدة لبنان في عملية النهوض الاقتصادي".

وقال: "في الوقت الذي يمر به المشرق بأحلك الظروف في تاريخه، مع المآسي القاسية التي حلت بالشعب السوري والشكوك، التي تساور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والتوترات حول أكبر الدول في المنطقة، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت المحافظة على ما هو كنز بالنسبة إلينا جميعا، وهو لبنان مسالما، متنوعا، متناسقا ووفيا للتعددية، التي كانت أساس إنشائه. وإن حشد جهودكم اليوم يبين هذه القناعة الراسخة لدى المجتمع الدولي، بأن لبنان مسؤول، قوي، محمي ويحظى بالتشجيع والدعم، هو أساسي لإيجاد ظروف السلام، الذي لا بد منه في الشرق الأوسط".

أضاف: "قد يقع كثر في إغراء التخلي عن لبنان، ويقول إن هذه النزاعات الإقليمية قد تقضي على التوازنات الوطنية. إن خيار لبنان في هذه السنوات الأخيرة، كان متابعة السير على الطريق الذي اختاره لنفسه، وهو درب متميز في المنطقة، الاستقرار وتعزيز المؤسسات الرسمية والذهاب نحو انتخابات حرة والمحافظة على إطار ديمقراطي ومتعدد ومتنوع".

وتابع: "أود أن أبقى مؤمنا، وأعتقد أن كل الموجودين هنا يؤمنون، بأن هذا الخيار المتميز هو المثال، الذي سيسمح لنا بأن نعيد الاستقرار إلى المنطقة. أنا متأكد من أمر واحد، وهو أننا إذا خضعنا لضغوط هذه المنطقة، وقررنا أن نستورد إلى لبنان كل نزاعات المنطقة، ونترك زعزعة الاستقرار تتفاقم في هذا البلد، نكون بذلك قد قطعنا دربا كان يمكن أن نسلكه، ونكون قد أضفنا مآسي إلى المآسي الموجودة أصلا".

وأردف: "هذا الالتزام هو التزام لبنان، وهو الذي التزمتم أنتم به، وهو نفسه المسار الذي التزمت أنا به إلى جانبكم في أيلول الماضي، خلال زيارتكم إلى فرنسا- حضرة رئيس الوزراء. وهو ما أعدت تأكيده إلى جانب الرئيس ميشال عون في زيارة الدولة، التي قام بها إلى فرنسا، وهو أعاد تأكيد هذه الالتزامات. وإزاء هذه التحديات والضرورة الملحة والطارئة لمساعدة لبنان في إعادة تعزيز اقتصاده، أردت أن ينعقد هذا المؤتمر في النصف الأول من العام 2018، وأكدت انعقاده خلال اجتماع مجموعة الدعم الدولية في الثامن من كانون الأول المنصرم، وهو ما تحقق اليوم. يوم العمل هذا، تحت الرئاسة المشتركة للوزيرين جان إيف لو دريان وبرونو لو مير، وأشكرهما، كان يوما مثمرا. أود أن أشكر كل الدول وممثلي المنظمات الدولية وممثلي الشركات والمجتمع المدني على تحليلاتهم ودعمهم وحشدهم ومساهمتهم أيضا. كما أود أن أشكر السفير دوكان، فكما ذكر الرئيس الحريري، فهو عمل منذ أشهر لتنظيم هذا المؤتمر بأفضل الظروف وتحقيق النتيجة، التي وصلنا إليها اليوم".

وقال: "وبفضل هذا الحشد وروح المسؤولية، التي تحلت بها السلطات اللبنانية، فإن الوضع اليوم أصبح مؤاتيا أكثر مما كان في السابق. نعم، وذلك لأنكم قررتم جميعكم بشكل مشترك أن تلتزموا، ولأن الحكومة اللبنانية التزمت بمسار الإصلاحات ولأن الشعب اللبناني يستعد لانتخاب مجلس نيابي في السادس من أيار المقبل، بعد تسع سنوات من دون إجراء انتخابات تشريعية. والحكومة اللبنانية تعمل اليوم للاستجابة للتحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية. وهذا الاجتماع ووجودنا جميعا اليوم، يساهم في هذا العمل الضروري للمنطقة، ويصب أيضا في مصلحة التناسق، الذي يجب أن تتميز به سياساتنا تجاه لبنان".

أضاف: "لبنان بلد تضرر كثيرا بجروح المنطقة والنزاعات، وهو لا يزال يحمل رواسب النزاعات والأزمات، التي مر بها وأدت إلى ممارسات غير شرعية وأخرت الاستثمارات الاقتصادية الضرورية. واليوم ما زالت هناك احتياجات أساسية يجب توفيرها مثل المياه والكهرباء والإنترنت والصحة والبيئة السليمة، وتعزيز الرأسمال البشري الهائل، الذي يجب أن يتم الاستثمار به".

وتابع: "وإضافة إلى الصعوبات الخاصة بلبنان، أضيفت الصعوبات الخاصة بالمنطقة، فلبنان كان عليه أن يواجه كل تبعات الحرب الأهلية في سوريا، وقد استقبل لبنان على أرضه أكثر من مليون لاجئ سوري وقد برهن الشعب اللبناني من خلال ذلك عن سخاء استثنائي. لكن ذلك أضاف صعوبات جديدة إلى تلك التي كان يعاني منها، لأن مستوى معيشة اللاجئين واللبنانيين تدهور أكثر فأكثر، وهناك ما يزيد عن ثلاثة ملايين شخص يعيشون في عوز وفقر. ولكل هذه الأسباب، من واجبنا أن نكون متضامنين بالكامل مع لبنان. فاستمرار المعارك في سوريا جعل من المستحيل عودة اللاجئين السوريين سريعا، وهجمات نظام بشار الأسد، كما حصل مؤخرا في الغوطة الشرقية مثلا، أدت إلى دمار إضافي ونزوح أعداد جديدة من السكان. لذا فإن من مسؤولية كل الجهات الإقليمية أن تحرص على وضع حد لهذا المنطق القاتل، وكذلك الأطراف الدولية مسؤولة عن مساعدة لبنان في المدى القصير على مواجهة هذه التحديات، وأن تعمل لإعادة الاستقرار،الذي وحده كفيل باستعادة الوضع الطبيعي على المدى الطويل".

وأردف: "في الثامن من كانون الأول الماضي في باريس، حددت عددا من التعهدات وقد جند المجتمع الدولي نفسه لتنفيذها. إن سلسلة المؤتمرات الدولية لدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها بدأت في روما في 15 آذار الماضي، بمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي وهو يستمر اليوم بمؤتمر "سيدر" وفي 24-25 نيسان سيعقد أيضا مؤتمر بروكسيل الثاني تحت إشراف السيدة فيدريكا موغيريني، ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، التي أشكرها، وكذلك الولايات المتحدة. وهذا المؤتمر سيسمح بتعزيز مساعدتنا الإنسانية للبنان والدول الأخرى، التي تستضيف النازحين السوريين. إن هذا الاجتماع الاستثنائي الذي نحتاج إليه جميعا لضمان الاستقرار، والذي يحتاجه لبنان للنجاح على هذا الدرب، الذي خطه لنفسه، واليوم أنتم سمحتم بتحقيق تقدم مهم جدا، ومرة أخرى أشكركم على ذلك، أولا لأن هذا الحشد سمح بالتعبير عن التزامات خاصة وكذلك عامة ومواكبة لبنان على هذا الدرب".

وقال: "إن فرنسا، وكما أكدت لكم، سوف تكون إلى جانبكم، وهي قدمت 400 مليون يورو بشكل قروض ميسرة للبنان، كما ضاعفت مبلغ المنح التي تعطيها الوكالة الفرنسية للتنمية اليوم. وبالتالي سوف تعطي فرنسا 150 مليون يورو من المنح في نفس هذه الفترة، وبالتالي يصل التزام فرنسا إلى 550 مليون يورو من قروض ميسرة ومنح، ستخصص للبنى التحتية الأساسية، وكلها تندرج في إطار خطة الاستثمارات، التي قدمتها الحكومة اللبنانية، وهذا المؤتمر سوف يسمح بالإجمال بتجنيد 11 مليار دولار من الالتزامات العامة، وآمل أن تستمر الدول في الانضمام إلينا في الساعات والأيام المقبلة لتقديم التزامات من جانبها".

أضاف: "هذا وسوف يتم أيضا جذب الاستثمارات الخاصة، لكن كل ذلك لا معنى له إلا بفضل التزام وتعهد الحكومة اللبنانية وإرادتكم العميقة والراسخة بتحويل البلد وتنفيذ إصلاحات لا بد منها: المياه، العدالة، القضاء والعقود العامة. وقراراتكم الأولى كانت متوقعة، و لها بعد هيكلي. ومن ثم، وبعد الانتخابات النيابية في شهر أيار المقبل، ستواصلون هذه الإصلاحات، وقد تحدثنا عن ذلك للتو، وأنا أعرف كم أنت حريص على ذلك، لأن هذا ما سيسمح للبنان على المدى الطويل من تحقيق النجاح، كما سيسمح لكل الذين عبروا عن التزاماتهم العلنية اليوم أن يواصلوها، وربما أن يزيدوا هذه المبالغ وأن تضاف إليها الالتزامات من قبل القطاع الخاص والعودة إلى اقتصاد طبيعي وقدرة على تكوين وتوظيف وتطوير قطاعات اقتصادية جديدة. سنكون إلى جانبكم في هذا العمل، الذي يتطلب شجاعة كبيرة وعزم، وآمل أن يمثل التزام اليوم إشارة قوية اتجاه الشعب اللبناني لدعمه والتعبير عن تصميمه وعزمه على مواصلة هذه الإصلاحات".

وتابع: "كما تعلمون، فإن فرنسا كانت دائما حاضرة في الأوقات الصعبة، هي فعلت ذلك في الأوقات الحرجة، وأنا هنا أفكر في الساعات التالية للحرب الأهلية، حيث التزمت فرنسا في إطار قوات الطوارئ منذ 40 عاما بالتحديد، وفي وقت لاحق أخذ دعمنا شكل مساعدة لبنان في إعادة البناء ومواجهة الصعوبات المالية، وهذا ما فعلناه في المؤتمرات الاقتصادية السابقة، التي انعقدت في باريس، منذ العام 2007، وأيام الرئيس جاك شيراك، الذي أود أن أشيد به لالتزامه الثابت إلى جانب لبنان، وهو كان قد بادر إلى تنظيم مؤتمر لدعم لبنان سمح للبلد باستعادة عافيته بعد حرب العام 2006 المروعة".

وأردف: "بعد 11 عاما، وبعد أن عانى لبنان كثيرا، وخاصة مع بدء الحرب الأهلية السورية، فقد حان الوقت لنجدد التزامنا وجهودنا، وأن لا يكون هذا نقطة نهاية وإنما انطلاقة جديدة للبنان يواكبه فيها كل المجتمع الدولي، مع المتابعة التي لا بد منها والتي يجب أن تبدأ من الغد. هذا المؤتمر لا معنى له إلا إذا عززته إرادتكم وشجاعة رئيسكم، ومؤسسات قوية ومتابعة دقيقة ستبدأ حالما يتم تشكيل الحكومة الجديدة، ونأمل أن يحصل هذا سريعا بعد الانتخابات. ولأني أثق بعزمنا الجماعي وتصميمنا، ولأني أعرف أنه اتجاه الشعب اللبناني واتجاه المجتمع الدولي، فإن هذا الجهد الجماعي لا معنى له إلا إذا واكبته تحولات جذرية. كل هذا يبين لكم أننا جميعا نقف خلف لبنان وإلى جانب لبنان، نظرا للتحديات الحالية وكل تحديات المنطقة. وهذا ما يفسر هذا الحشد غير المسبوق من المجتمع الدولي لإنجاح هذا المؤتمر، لكن هذا يضع على عاتقكم مسؤولية لا سابق لها، وهي مسؤولية الحفاظ على هذا الكنز الذي يمثله لبنان في المنطقة، وبقدرتكم على العمل على تمثيل كل لبناني ولبنانية، أيا كان دينه أو انتماؤه السياسي أو أصله، وكذلك العمل بأقصى جهودكم لكي ينجح هذا النموذج ويكون مصدر وحي وإلهام لآخرين".

واستطرد: "نحن لن نتوانى أبدا عن الاستمرار في العمل لكل هذه المنطقة لنعزز التعددية والقدرة على بناء السلام على المدى الطويل. فأنا مقتنع بأنه قد تختلف القيم بين منطقة وأخرى، وربما يمكننا أن ننظر إلى ما بناه العالم من زاوية أو وجهة نظر مختلفة، لكن احترام الآخر والسلام والحق في الإيمان أو عدم الإيمان، ليست قيما ملكا لأوروبا أو الغرب فقط، إنما هي قيم للانسانية بأكملها، وهذا ما تمكنا من بنائه خلال العقود الماضية، وهذا ما يمثله لبنان. البعض يريد أن يوحي لنا بأن هناك نموذجا جديدا يمكن أن يظهر في منطقتكم ويقوم على سيطرة دين أو عرق أو طرف على آخر، وهذا ما يجعل التاريخ يتعثر. وقد فهمتم، دولة الرئيس، أننا في لبنان ومع لبنان، وإذ نساعد لبنان نساعد المنطقة، وإذ نساعد المنطقة إنما نساعد أنفسنا".

وختم "لكل هذه الأسباب، سيدي الرئيس، حضرات الوزراء، أود أن أشكركم على التزامكم وعلى نجاح هذا المؤتمر، ومرة أخرى دولة الرئيس، أود أن أقول لكم كم نعتمد عليكم وعلى رئيسكم لتنفيذ هذه الإصلاحات الضرورية ومواصلة هذا الدرب، الذي خطه لبنان لنفسه. تعرفون أنه يمكنكم الاعتماد علينا لكي يفوز هذا التوجه لأنني أؤمن به بقوة".

الحريري

وكان الرئيس الحريري قد ألقى كلمة في الجلسة الختامية، فقال: "الرئيس إيمانويل ماكرون، أصحاب السعادة، سيداتي وسادتي: أقام لبنان اليوم شراكة جديدة مع المجتمع الدولي. شراكة للحفاظ على استقرار لبنان وحماية نموذجه للسلام والعيش المشترك في منطقة تكتنفها الصراعات. وشراكة أيضا للنمو وخلق الوظائف والاستقرار".

أضاف: "مؤتمر سيدر لا ينتهي اليوم. بل هي عملية بدأت للتو لتحديث اقتصادنا وإعادة تأهيل بنيتنا التحتية وإطلاق إمكانات القطاع الخاص، ليحقق النمو المستدام وخلق فرص العمل للبنانيين. هدفنا واضح ورؤيتنا أيضا. ونحن مصممون على المضي قدما لتنفيذها ونحن على ثقة بأننا سنفعل ذلك بدعم منكم. رئيس الجمهورية ميشال عون وحكومتي وأنا ممتنون للرئيس إيمانويل ماكرون على جهوده لدعم لبنان واستقراره. ونحن ممتنون أيضا للسفير بيير دوكان وفريقه، الذين عملوا بلا كلل على مدار الأشهر الماضية لضمان نجاح هذا الاجتماع. كما أشكر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على عملهم وآرائهم الحكيمة".

وختم "أخيرا، أشكر كل فرد منكم وأشكر حكوماتكم ومؤسساتكم. شكرا لدعمكم وشكرا لكم على الاستثمار في الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبنان".

خلوة

وكان الرئيس ماكرون قد وصل إلى مقر المؤتمر للمشاركة في الجلسة الختامية، وكان في استقباله الرئيس الحريري، حيث عقدا على الفور خلوة استمرت قرابة النصف ساعة، تم خلالها عرض نتائج المؤتمر وأجوائه.