يحب العقل اليهودي الاستغراق والانغماس في أحلام الاساطير وحكايات التلمود والأسفار .. وتخدره الميثولوجيا الدينية عن ملوك بني إسرائيل وأبطالهم .. فتراهم يطلقون أسماءهم على كل مايحيط بهم .. فشمشون الذي هدم المعبد وقال علي وعلى اعدائي اعتمد منه اسم البرنامج النووي الإسرائيلي (خيار شمشمون) .. ودليلة هي التي أغوت شمشون وسقته الخمر ليسهل اصطياده وتقييده ومن اسم دليلة ظهر برنامج تجسس إسرائيلي وصاروخ موجه أيضا اسمه دليلة .. ومن مقلاع داود أستغرق العقل اليهودي وأعطى اسمه لبرنامج مضاد للصواريخ لاصطياد الصواريخ التي ستهطل على إسرائيل من الشمال وهي التي ينظر اليها العقل اليهودي على انها حجارة جوليات على إسرائيل .. وهكذا لاتنتهي عملية حقن التاريخ في الحاضر .. وحقن الوهم في الحقيقة .. وحقن التاريخ في الحاضر لاينجو منه شعب أو أمة أو دين دون استثناء .. ولكنها في إسرائيل تأخذ طابع اليقين وتتميز عن غيرها بأنها تريد للحاضر ان يموت كي يحيا الماضي فيعمل الحاضر في خدمة الماضي .. فالحاضر يتم حقن دمه في عروق الماضي .. علّ هذا الماضي ينهض من تحت الركام .. وينهض معه هيكل سليمان ..

ولكن مامن تصريحات برّدت وجع الاسرائيليين منذ تصريحات السادات في كامب ديفيد مثل تصريحات بن سلمان التي اعلن فيها عن اقترابه من إسرائيل واعترافه الصريح بها وبحقها في الوجود .. ورغم أن مافعله السادات والملك حسين يستحقان فعلا ان تطلق عليهما أسماء الشوارع في تل ابيب وان تطبع باسمهما الطوابع الإسرائيلية فان بن سلمان سينال أهم وصف يهودي وهو أنه سيكون أشماداي .. حيث يطبع له طابع باسم اشماداي عليه صورة بن سلمان .. واشماداي هو واحد من الجن والعفاريت التي ساعدت الملك سليمان في بناء الهيكل .. وبن سلمان هو أحد الملوك الذين سيخدمون الملك سليمان الذي يجلس الآن في تل ابيب ويعد العدة لبناء الهيكل بعد هدم الأقصى ..

والحقيقة انني أستغرب كيف تأبى الحكايات القديمة الا ان تزورنا في ثياب تنكرية .. وتأبى الاقدار الا ان تلبس الحكايات المتنكرة ثياب المهرجين .. ولاتقبل الرواية الا ان تتلاعب بأحرف الأسماء .. فتضع سلمان سيافا في بلاط الملك سليمان .. يشطر الجسد الفلسطيني الذي يراه العقل اليهودي على انه الطفل ابن الزنا الذي تأتي به المرأتان الزانيتان اللتان تأتيان الى الملك سليمان تدعي كل واحدة منهما ان الطفل ابنها .. فيطلب الملك سليمان من سيافه ان يشطر الطفل بين المرأتين لتصاب امه الحقيقية بالذعر وتطلب عدم شطره .. ولكن في الرواية الحالية فان سلمان يشطر الطفل ليقتله ويبدأ باعتراف حق إسرائيل في الوجود وقتل فلسطين والعيش بشكل طبيعي .. والطفل هو الفلسطيني الذي ينظر اليه المجتمع اليهودي على أنه ابن الزنا الذي يجب التخلص منه .. والاستيلاء على أرضه التي تصبح بلا وارث أو مالك..

ولفهم دور اشاماداي العربي وسبب طفوه على سطح السياسة في المنطقة وإعلان ملك سلمان الانحياز المطلق لملك سليمان يمكن أن نقول بأن بن سلمان تم طرحه بمشروع ثوري ومجدد في السعودية هو محاولة لاستنساخ تجربة الرئيس بشار الأسد في سورية .. كرئيس شاب استطاع في فترة حكمه استقطاب فئة الشباب وتخلص من فئة الحرس القديم أو (التيوس) في نظام الحكم ..

فقد وصل الرئيس السوري بشار الأسد الى الحكم عندما كان في الرابعة والثلاثين من العمر .. وتم تعديل الدستور السوري ليتمكن من أداء اليمين الدستوري كرئيس للدولة .. وقامت الدنيا يومها ولم تقعد لأن الديمقراطية وعدالة السماء اهتزتا بما سمي التوريث واهتزاز حدود العمر للمرشح الرئاسي .. ولكن الذي اهتز بعد ذلك في الحقيقة هي حدود إسرائيل من الفرات الى النيل .. فالأسد الذي حاول البعض الطعن في شرعيته الدستورية كان يدرك ان الشرعية لاتأتي من اعترافات المنظمات الدولية وتبريكات وغزل الصحف الغربية وفرش السجاد الأحمر امامه .. بل من تحويل قوة الجمهور الى مشروع حقيقي وتحويل هزيمة الناس الى انتصار تاريخي .. فيتحول الشعب الى قوة في الإقليم والعالم وبمعنى آخر من تحويل وجود الأمة الى وجود شرعي عن طريق الاسهام في الحياة الإنسانية بفعالية .. فطرح الأسد مشروع البحار الخمسة كعنوان لمشروعه الكبير .. وهو مشروع طموح جدا لبناء شرق أوسط جديد لاأسهم فيه الا لأبناء الشرق .. العرب والفرس والأتراك ..

ولم يستقر الأسد على كرسي الحكم الا وبدأ أول امتحان له ولشرعيته .. فالعالم اهتز باحداث سبتمبر .. ثم غزو العراق .. وكان اختبار القوة على الحدود مع العراق وامتحان الشرعية الأول على الرمال العراقية حيث خاض الأسد امتحان القيادة في معركة طرد الاميريكيين من العراق وابعادهم عن حدود سورية .. ثم خاض في نفس الوقت معركة دحر الإسرائيليين عن جنوب لبنان مع حليفه الكبير حزب الله .. وبدا واضحا أن الامتحان الكبير الذي سيخوضه الأسد سيكون في الجولان ومعركة الجليل الى جانب حزب الله .. وهذا كان كافيا لينال الأسد اعتراف العالم كله أنه زعيم كبير اذ يهز شرعية وجود إسرائيل بالطعن في قدرتها على البقاء في وجودها الهش ..

الأميريكيون عندما يلتقون بظاهرة أو تجربة قوية يحاولون تقليدها أو استنساخها .. فتجربة الشاب المتحمس والناهض الذي يحرض الجمهور ويتخلص من الحرس القديم للحكم ويجمع الناس والشباب حوله مستمدا من اندفاعته طاقة لشحن الشباب لينتصر في أعنف جولة عالمية ضده وضد مشروعه .. هذه الظاهرة تحاول الولايات المتحدة إعادة تجريبها في مكان آخر كما حاول الاميريكيون على الدوام إعادة انتاج التجارب العالمية وتحويلها الى صناعة يعاد تسويقها .. فالثورات العالمية صارت تصنع في مؤسسات كانفاس .. فالاميريكيون الذين درسوا الثورة الإيرانية وقوة الزعيم الروحي الآتي بعباءة دينية .. أعادوا تكرارها في اطلاق تجربة الزعيم الإسلامي في تركيا الإسلامية التي أنتجت نموذجا إسلاميا صنع ليكون ناجحا وجذابا ليبعد الأنظار عن بريق التجربة الخمينية .. ففيها نفس الشعارات عن وحدة المسلمين .. وعن فلسطين وعن القدس والخلافة التي توازي فكرة الولي الفقيه .. ولكن نموذج الإسلام التركي كان كمن يسمع جعجعة ولايرى طحينا .. والنتيجة أن النموذج التركي أنتج جهادا موجها بعيدا عن إسرائيل بل في ثناياه كان ضد النموذج الخميني واتجاهه ..

وفي محاولة إعادة انتاج للتجربة السورية جاءت أميريكا بملك شاب الى عرش المملكة الوهابية في السعودية ليحمل مشروع أميريكا الجديد لأن الملوك التي تتحنط في البيت السعودي لم تعد تفيد مرحلة أثبتت التجربة فيها أن القادة الشباب هم من يمكن أن يملكوا أدوات تحريك الجمهور بتفاعلهم مع الطبقة العمرية الأكثر فعالية في مجتمع انفعالي فتي .. وسلمته مفاتيح التغيير والمشروع الجديد .. واختيار اميريكا لبن سلمان كان حتميا بعد استنتاج ان الحرب على سورية لايمكن تغيير مسارها الا بحرب عالمية نووية لأن روسيا نزلت بأنيابها النووية الى المعركة .. ولذلك تم اطلاق مشروع بن سلمان كملك شاب عمره يكاد يطابق عمر الأسد عندما وصل الى السلطة في سورية وقدمت له مشروعا لقيادته كممثل عن فئة الشباب التي ستجرفها طاقة التغيير الإيجابي والتمرد على المؤسسات القديمة والشخصيات الاميرية النافذة .. وأعطته مشروع نيوم وصفقة القرن .. وكلاهما يتمحوران حول إسرائيل .. حيث سيصطدم مشروع بن سلمان بمشروع الأسد حتما .. حول إسرائيل ..
الفارق بين ابن الأسد في الشمال وابن سلمان في الجنوب هو ان مشروع ابن الأسد قائم على زعزعة إسرائيل .. وحروبه الكبرى مع أميريكا وإسرائيل في العراق ولبنان قامت لهدف واحد هو منع تمكين إسرائيل .. بغية تفكيكها كقوة صلبة .. وهو استمد مشروعيته من مشروعه الطموح الذي يمثل في لاوعي الانسان المشرقي الرغبة في اجل تحرير الشرق من الاستيطان .. اما مشروع ابن سلمان فانه قائم على تمكين شرعيته عبر تمكين شرعية اسرائيل في الوعي العربي والإسلامي والاستعانة بها لتمكينها منعا لتفكيكها ..

مشروع بن سلمان الشاب هو الذي سيقود المرحلة التالية لتمكين الهيكل بعد أن فشلت تركيا الإسلامية في امتصاص مشروع الأسد الذي يهدم ملك سليمان .. الصراع القادم هو مع اشماداي نتنياهو .. نتنياهو لايجرؤ على المواجهة بل يدفع الجن والانس والعبيد والخدم وأنعام الاسلام للقتال دفاعا عن إسرائيل .. ..

ياشباب .. الهياكل على أرضنا لاتبنى بالجن بل بالخيانات على أرضنا .. ولكن الهياكل التي يبنيها الجن لايهدمها الا أبناء سوراقيا .. فعلموا ابناءكم أن الهياكل التي تبنى على أرضنا تهدم .. ولو بناها مال سلمان وسليمان
..

نارام سرجون

===============================

ملاحظة: الصورة المرفقة هي لأشماداي .. واللوحة هي تعديل للوحة سليمان

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه