هل يطرح الساسة والإعلاميّون (وأي مسؤول ديني أو تربوي) على أنفسهم هذا السؤال:

بأية لغة نخاطب الشعب اللبناني؟

إنه سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بسيطا جدا إلى حدّ السذاجة، والجواب عليه سهل، لا يتطلّبُ أي عناء في التفكير. إذْ إنّ مخاطبة الشعب تجري يوميا وكل لحظة، على لسان الإعلاميين والساسة والواعظين، بسلاسة فائقة.

في عالم السياسة والإعلام الذي يهمّنا، هنا والآن، أصبحت لغة مخاطبة الشعب معروفة النوايا وواضحة الأسلوب والمفردات والمعاني، ومتقنة إتقانا كبيرا، لفرط التكرار والإعادة من قِبَلِ كلّ من يمارس هذه المهمّة الشيّقة غير الشاقة، ويتّخذ منها مهنةً دائمة، تتحوّل، مع الوقت، الى هواية ممتعة جدا، لا بل الى إدمان جميل ومؤنس ومفيد لصاحبه، يصعب التخلي عنه، لفرط ما يتأثر الشعب باهتمام الساسة والإعلاميين العاطفي به، ممّا يجعله يشعر ويعتقد بأنه حقا شعب عظيم، ويسكر بأنغام تقاسيم لغوية، تدغدغ مشاعره، وأحلامه، وذكرياته، وتاريخه، وكبرياءه العائلية والعرقية والقومية والمذهبية والدينية.

إن اللغة هذه، لغة مخاطبة الساسة والإعلاميين للشعب، كما هو معروف، تحمل في طياتها، خاصة في زمن الإنتخابات النيابية المصيرية جدا بالنسبة للمغامرين والمقامرين في حقل السياسة، نيّة التأثير والسيطرة على عقول الناس و تفكيرهم واقتناعهم وإرادتهم وسلوكهم، من أجل نيل رضاهم واستمالتهم للحصول على أصواتهم.

تتمحور لغة المخاطبة للشعب حول الإكثار من إغداق الوعود المستحيلة التحقيق عليه، وإيهامه بأن تحقيقَ أحلامه وسعادته رهنٌ بتصديق ما يسمع من زعمائه ومن إعلامهم ومن كل طامع في النيابة. إنها لغة المبالغة حتى الكذب. بالفعل، من تراه لا يتقن هذه اللغة ممن يخاطبون الناس في دنيا الإعلام والسياسة؟

ولكنْ، هل يفهم المخاطِبُ من يخاطِبُ فعلًا، أَيْ حقيقةَ طبيعةِ الشعبِ الذي يخاطبُه؟

وهل يفهم الشعبُ المُخَاطَبُ ماذا يقول له المُخَاطِبُ؟ هل هو يقتنع دائما بالخِطاب؟

ماذا عن مخاطبة الشعب لساسته وأولياء امره، وما يُسمَّى بقادة الرأي في الإعلام؟ هل هي موجودة فعلا؟ وهل هي فعّالة؟ هل ثمّة مخاطبةٌ بين فريقين، بين الشعب وممثليه وقادة رأيه، مخاطبةٌ تُسَمَّى حوارًا؟

هل هناك خطاب واحد يخاطب به الساسة وقادة الرأي الشعب اللبناني أم ألف خطاب وخطاب لألف فريق وفريق؟

بأية لغةٍ نخاطب خطابا واحدا الشعب اللبناني بكل فئاته وطوائفه ومذاهبه وطبقاته وأمزجته وأجياله ومستوياته الفكرية والنفسية والأخلاقية، وبكل "هَوِيّاته"، و"قوميّاته"، و"أعراقه"، وبأية لهجة، وبأيّ صوت؟

إنها أسئلة ينبغي طرحها من أجل شحذ وعينا لواقعنا المُعَقَّد، وتحتاج، لا شكّ، الى تفسير ونقاش، ولا تُحْسَمُ بمجرد الإجابة السريعة ب "لا" أو ب "نعم".

إنه أمرٌ ليس بالسهل، أمرُ مخاطبة الشعب اللبناني. ليس الشعب اللبناني شعبا واحدا. إنه، في الواقع، لا في الأغاني والأناشيد، شئنا أم أبينا، مجموعة شعوب واديان ومذاهب وطوائف وأعراق وقوميات وحضارات، وكل مجموعة متعصبة جدا لمعتقداتها ومستعدّة أن تقاتل من أجلها، وهي ترفض الذوبان الطوعيّ أو بالقوّة مع اية مجموعة أخرى. إنها مجموعات تجيد الإختلاف فيما بينها وتتصارع على القوة والسلطة وإثبات الوجود، ولا تمتلك بعد وعيا كاملا لقدراتها الكامنة فيها والتي تؤهلها على تحويل تنوّعها الغنيّ وخلافاتها ومشاكلها (كما فعلت دول أخرى كبرى هي خليط من عدة شعوب) إلى فرصة ثمينة للتلاقي والتلاحم والوحدة، من خلال مشروع تفاعل بنّاء، خلّاق، مثمر، فيما بينها. إن هذا المشروع لم يكتمل بعد، وما يزال طريّ العود وعرضة للإهتزازات والفشل والصراعات العنيفة بين مختلف المكوّنات اللبنانية (الحاجة هنا الى دراسة أنتروبولوجية وبيولوجية من قبل ذوي الإختصاص).

علينا أن نعترف، إذا، ودون مكابرة، بأن الشعب اللبناني ليس، في الواقع، شعبا واحدا، متماسكا. ليس قلبا واحدا ينبض نبضا واحد، وليس عقلا مفكرا واحدا، وليس يدا واحدة، وليس زعيما واحدا، وليس هوية واحدة لا خلاف حولها ولا نقاش فيها (كما هي حال الشعب الألماني أو الياباني، مثلا) لكي تهون مخاطبته بلغة واحدة ولهجة واحدة وصوت واحد.

إذا أحببنا أن ندرس طرق مخاطبة الساسة للشعب، والتي قرأنا عنها، وسمعنا بها، وعاينّا وعايشنا قسما منها حتى اليوم، في وطننا لبنان، لعلّنا نستخلص منها الدرس المناسب والمفيد لنا، فما عسانا نجد؟

في الحقيقة، إن ذلك يتطلب دراسة طويلة ووقتا طويلا لتوثيقها بالوقائع والأمثلة. ولكن، يمكننا ان نقول ونؤكد أن مخاطبة الشعب اللبناني، عموما، ومنذ حقبات تاريخ استقلاله حتى يومنا هذا، لم تكن يوما صادقة إلا فيما ندر. وقد دفع الشعب اللبناني الثمن غاليا جدا (من صحته وكرامته وأمنه واستقراره وازدهاره) بسبب خطاب الساسة الكاذب له، المحرِّض ضدّ سائر شركاء الوطن، وتجاوبه الأعمى مع هذا الخطاب. إذْ إن الشعب قد تعوّد ان يغضَّ النظرَ عمّا يقوله أو يفعله زعماؤه، وأن يتجنب محاسبتهم، لأنه، بحكم انتمائه الديني والمذهبي والطائفي والعِرقي والعاطفي والعائلي، وبحكم شعوره المُلِحِّ بحاجته الى حماية هذا الإنتماء أكثر من حاجته إلى حماية الدولة، يجد نفسه مرغما (ولكن بكل طيبة خاطر، وهنا المفارقة العجيبة) أن يحبّ ويسامح زعماءه، ويدافع عنهم، ويعذر أخطاءهم، لا بل إنه لا يجرؤ، في معظم الأحيان، حتى ان يسيء الظنّ، في سرّه، بهؤلاء الزعماء. ونحن قد عاينّا وما نزال نعاين أمرا غريبا، وهو أن كلّ مسؤول يحاول أن يكون صادقا مع الشعب في القول والفعل، يلقى دائما من لا يصدّقه، ويصطدم بمحاربة شرسة من قِبَلِ الذين قد تعوّدوا على الكذب قولا وممارسةً وسماعا، ولهم مصلحة مادية ومعنوية في استمرار الكذب، من ساسة وأتباع وإعلاميين، فيملّ، ويتعب، ويقرف، وييأس، ويصمت، ويتنحّى جانبا.

في أيامنا هذه، هل يهمّ أي زعيم أو سياسي أو إعلامي أن يعرف، مثلا، ماذا يقول الشعب عنه، وما هو موقفه من الحكام وقادة الرأي؟

إنهم، أي أبناء الشعب، بمعظمهم، ينتقدون بغضب شديد وتهكّم وسخرية الى حدّ الشتيمة، كل الساسة (وأتباعهم وحلفائهم من رجال فكر وإعلام ومال ودين)، ويتّهمونهم بالكذب والسرقة والأنانية والكبرياء، دون أي استثناء. وهناك بعض المواطنين الذين يجتنبون المناقشة الطويلة، المحرجة، مع الآخرين، بأي موضوع سياسيّ، فيتخذون موقفا باطنيّا لحماية عنفوانهم "المذهبيّ". إنهم، ورغم معرفتهم الجيدة لمساوىء زعمائهم، لا يعترفون بها، وراضون عنهم مهما أخطأوأ، ومهما انتقدهم الناس.

في كل الأحوال،على كل مسؤول سياسي أو ديني أو إعلامي يريد ان يخاطب الشعب اللبناني، أن يحسن، قبل كل شيء، التخاطب مع سائر المسؤولين بروح الإحترام والصدق لا بروح الإحتقار والكيدية كما يفعلون من وقت إلى آخر، وخاصة أيام الإنتخابات والصراع المستميت في سبيل ربح أصوات الشعب. على كل مسؤول، إذًا، ان يعي ويحسّ بعمق، انه يخاطب شعبا هو، قبل كل شيء، قد حسم سلفا، وبمعظمه، خياراته السياسية، واصطفّ اصطفافا نهائيا وراء زعاماته التقليدية أو المستحدثة، لذلك، لا يريد أن يتأثّر بأي خطاب يأتيه من خارج دائرة ولائه واقتناعه، مهما كان هذا الخطاب وطنيا وصادقا وبليغا ومعتدلا ومفيدا. ولكن، إذا كان لا بدّ من مخاطبة الشعب، فليعِ المسؤول أنه يخاطب شعبا، بأكثريته الساحقة، معذّبا ويائسا وغاضبا وعاجزا عن عمل أيّ شيء للخلاص من أوضاعه الصعبة، إلا الهرب من لبنان، إذا أتيحت له الفرصة، إلى بلاد الإغتراب، وأنّ قسما كبيرا من الشعب معوز وفقير وجائع ومديون، يئنّ تحت ثقل المعيشة المضني، القاتل، ويلهث، في جوّ من تنازع للبقاء متوحش، وراء لقمة عيش ضنينة، هاربة، وأنه مريض لا يلقى العناية الطبية اللائقة، وأنه دوما قلق وخائف على يومه ومستقبله، لا يشعر بالأمن والأمان والطمأنينة، وأنه مهدّد، كل لحظة، بأعمال الإرهاب والعنف والتهجير والإلغاء.

ولْيَعِ المسؤولون أن الشعب يعاني، فوق كل معاناته من آلام الحرمان، من أعمال الإجرام والسرقة والفلتان الأخلاقي المخيف، في مدنه وقراه، ويعاني أيضا من وجود الأغراب والإرهابيين بكثرة على أرضه، ونزوح اللاجئين الكثيف الطاغي من حرب سوريا الى الوطن الصغير الضيّق، المستباحة حدوده وأرزاقه وأعناق بنيه وكرامتهم وأعراضهم.

كل ذلك يجري على مرأى ومسمع من مسؤولين متكبرين و أثرياء حتى البطر، منفوخي البطون والجياب والخزنات والنفس، قابعين في نعيم أبراجهم العاجية، الفخمة، المريحة، عاجزين عن فعل أي شيء يفيد ويحمي الشعب، عاجزين، بنوع خاص، عن تدارك وقوع المصائب قبل وقوعها. يجيدون التنافس في الكلام البليغ وحسب، ولكن بعد وقوع المصائب، وبعد فوات الأوان. ما يقدّمه المسؤولون هو التنظير عن بعد، ومن عَلُ، والإستنكار والشجب مع افتعال العبوس والإهتمام، وتوزيع ابتسامات التطمين، والتفسيرات المملّة لما حصل، والحلول العقيمة، والعجقات المفتعلة، والتحركات التي لا خير فيها ولا بركة، أمام عدسات المصوّرين، وأمام شعبٍ غارقٍ في المآسي. كل ذلك يسميه أبناء الشعب الواعون: جعجعة بلا طحين.

وكان لا ينقص هذا الشعب، في آخر المطاف، بالإضافة الى كل مصائبه ومشاكله المتراكمة والمثقلة على كاهلة وقلبه طوال سنين وسنين، والتي لم تدعه يوما يرتاح، إلا أن يكون مهدّدا، باستمرار، بخطر النفايات الدائم التجدّد، وخطر آخر إسمه "الأمن الغذائي"، إذْ تبيّن أن بعضا من غذائه ملوّث وفاسد، وبعضا من مياهه ودوائه وهوائه. في خِضَمّ كل هذه الهموم والمخاطر، ثمّة ظرفاء كثر من أبناء الشعب، يتهكمون قائلين: لا خوف علينا، نحن اللبنانيين، بعد اليوم، من أي شيء، فقد عانينا الكثير في تاريخنا وذقنا كل أنواع المرارات، وبنَيْنَا، مع الوقت، مناعة قوية ضدّ أقوى الميكروبات والفايروسات، لا بل، إذا نحن بدأنا بالتوقّي الآن، فلا شك أننا نتعرّض، ساعتها، لضعف المناعة ولخطر الأمراض.

لا ضيرَ من التكرار، هنا، أنه إذا أظهر المسؤولون معرفة ووعيا واهتماما بوضع الشعب هذا، فعليهم أن يعرفوا كيف يخاطبون، قبل كل شي، كما ذكرنا منذ لحظات، شعبا هو، بأغلبيته الساحقة، غاضب، جائع، خائف على مصيره. ثم عليهم أن يعرفوا كيف يقنعون هذا الشعب، وبلغة الصدق والإحترام لا بلغة الخبث والمواربة والتملق والمديح، بأن يثق برؤيتهم الجديدة لمستقبل لبنان إن كانوا يملكون أية رؤيا، وأن يتجرّأوا على مصارحة الشعب بأن الحرية والإستقلال والسيادة والكرامة والعظمة أشياء جميلة لا يملكها الشعب. لماذا؟ لن يتجرّأ الساسة، هنا، على المتابعة والقول: بسبب ولائنا، نحن، الساسة، وتَبَعِيَّتِنا لدول القوّة والمال والقرار، وبسبب تبعيتك العمياء لنا يا شعبنا العزيز.

إنها كلمات (حرية، سيادة، إستقلال، كرامة، عظمة) تبقى فارغة من أي معنى، إن لم يتمّ تحقيقها من قبل الشعب بالكفاح المستمرّ والوعي والإخلاص والوحدة. وعلى مخاطب الشعب أن ينفخ دائما في الشعب روح الأمل والثورة على الذات قبل الثورة على الآخرين من أبناء الوطن الواحد. ثم عليه أن يحاول جهده فعل شيء ما مفيد لخدمة هذا الشعب، وبتضافر جهود مسؤولين صادقين آخرين في حقل السياسة والإعلام والمال والتربية والروح، للإسهام الجدّي، الفعّال، بتخفيف آلامه ومعاناته اليومية، وبتخليصه كلّيّا من محنه الكثيرة، أو على الأقل، من بعضها.

إن المسؤولُ السياسيّ الصادق، المخلص، في الحكم، إذا وَجَدَ نفسَه عاجزا عن أن يفعل أي شيء، أو إذا كان ثمّة من يعرقل نشاطه، فعليه أن يملك الشجاعة الكافية ليصارح الشعب بعجزه، أو أن يفضح إسم المعرقل أمام الشعب، مصدر السلطات، كما هو مفروض في النظام الديمقراطي الذي يتشدّق به الساسة وإعلاميوهم، أو أن يستقيل من الحكم إذا دعت الحاجة وأيّده الشعب في ذلك، بعد استشارته له.

نحن نعلم أن ما نقوله، هنا، هو من عالم الأخلاق المثالية. غير أنه لا بدّ من قوله إذا كنا نتوخى، بصدق، قول الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة، والدعوة إلى العمل بها.

ولكن، هل يكفي أن تتم مخاطبة الشعب من جهة واحدة دون أن يسمعَ المهتمّون بشؤونِهِ صوتَهُ؟

إن المخاطبة ينبغي أن تصبح تخاطبا. التخاطب يعني الحوار بين جهتين. الإصغاء الى ما يريد الشعب قوله جزءٌ مهمٌّ، لا بل الأهم، من هذا الحوار. ومعروف من قادة الشعب والرأي ماذا يريد الشعب، وهذا بعض ما يريده:

-إحترام وجود الشعب، واحترام كفاحه عبر تاريخه المأساوي الطويل على درب جلجلة لم تنتهِ بعد، واحترام كل شهدائه الذين استشهدوا في مواجهاتهم لكل الغزوات والإحتلالات من أيام العثمانيين حتى اللحظة الحاضرة، في سبيل حماية حريتهم وكرامتهم وتحقيق استقلالهم ووحدتهم.

-فرص عمل بأجر محترم يكفي للعيش الكريم اللائق بكل إنسان، لا يكون بالضرورة عاليا جدا وفوق المعقول كأجور النواب والوزراء والرؤساء.

-ماء، كهرباء، بيئة نظيفة، غذاء ودواء وهواء غير ملوثين.

-تخفيض أسعار ضروريات الحياة، ولجم طمع التجار.

-طبابة مجانية، تعليم مجاني، ضمان شيخوخة.

-عدم زيادة الضرائب، لا بل تخفيضها.

-بناء جيش قويّ بالسلاح والرجال دون طلب إذن من الدول الممانعة لذلك ودون الخضوع لمشيئتها. احترام الجيش واحترام شهدائه، وعدم تحميله أكثر من طاقاته. بناء الجيش من مال اللبنانيين أنفسهم، خاصة الأغنياء الكثر من ساسة ورجال أعمال، لا من مال أي خارج خبيث، مشروط، مُذِلّ. بناء الجيش بأسرع وقت ممكن هو من الأولويات الملحّة ليَحْمِيَ الشعب اللبناني وأرضه من شرّ الإرهابيين وصنّاعهم المتفاقم يوما بعد يوم.

-الرفض القاطع للعودة إلى أجواء الفتنة والحرب الأهلية، وشوق كبير إلى بناء الوحدة بين أبناء الشعب.

-قضاء مستقلّ، منيع، بعيد عن فساد الساسة ورشوة المال. قضاء حرّ ونزيه وعادل.
-ضبط ووقف الهدر والسرقة في الحكومة، ومحاسبة القضاء لكل من مدّ وما يزال يمدّ يده على مال الشعب من ساسة وأصحاب مصارف وتجار وكلّ من نسَجَ وما يزال ينسج صفقات وعمولات على حساب الشعب المخدوع، المقهور، العاجز، الصامت.

-تطبيق القوانين على جميع اللبنانيين بالتساوي ودون أي استثناء، على كلّ أرض الوطن.

كيف يتمّ التخاطب-الحوار من أجل تحقيق كل ذلك؟

بعقد لقاءات وندوات ثقافية بشكل دائم مع الشعب، لا في زمن الإنتخابات فقط، لوعي حاجاته وهمومه وأحلامه وشكاويه، ولإشراكه في رسم وبناء مستقبله، وعدم الإكتفاء بالتصاريح والتعليقات عن بعد، تتسابق في نقلها وسائل الإعلام بشراهة غريبة وراء السَّبَقِ الإعلامي، وبصخب مزعج، وبتواتر مملّ وموتّر.

هذا التخاطب يتطلب تضافر جهود ومشاركة جميع نُخَبٍ المخلصين الصادقين المهتمين بشؤون الشعب، والإعتراف المُتَبادَل، بكل تواضع، بوجود وقيمة وفاعلية بعضها البعض، وعدم الإدّعاء باحتكار فضيلة الصدق وروح الخدمة والتفرد بهما.

إذًا، معروف ما يريد الشعب، وما العمل للتخاطب مع الشعب. غير أن القول، كما هو معروف أيضا، إنما هو أسهل بكثير من التطبيق.

لذلك، على كل مسؤول سياسيّ، أكان قديما أم جديدا، أن يعرف حدود إمكانياته قبل أن يبدأ بإغداق الوعود الكثيرة، المستحيلة التحقيق، على الذين انتخبوه أو يتحضّرون لانتخابه من جديد، أو لأوّل مرة، كي لا ينتهي، في نهاية مطاف المبالغة والكذب، الى تصديق كذبته بالذات، حين لا يجد أية محاسبة له على فشله.

إن الصدق الذي يعني اليوم السذاجة في بلادنا وفي العالم بأسره، هو أفضل لغة للتخاطب مع الشعب، مهما كانت الظروف والعقليات والأمزجة. المثابرة والإصرار على استعمال لغة الصدق، ولا شيء سواها، تجارة ورهان رابحان، دون أدنى شك، إنْ صَبَرَ الصادقون حتى النهاية. إنما ذلك يتطلب غَيْرَة رسولية نارية، وروح خدمة متفانية متواضعة، أين نجدهما، اليوم، في عالم يفقد باستمرار فضيلة المحبة واحترام الشخص الآخر، ويغرق أكثر فأكثر في مستنقع عبادة آلهة المال والقوة والسلطة والكبرياء والبطر، في عالم مخيف، غير آمن، ينجرف، يوما بعد يوم، وبسرعة رهيبة، الى ممارسة عبادة مريضة لصنم ذاته؟

إن كل الكوارث والمآسي التي تصيب الشعوب باستمرار، ودون أي إستثناء، على مرّ التاريخ المعيد لنفسه بكل شروره وتفاهاته وتعاسته وقرفه، سببها بكل بساطة سياسة الكذب والكبرياء، تلك السياسة التي انتهجها فيما مضى وما يزال ينتهجها، حتى اللحظة الحاضرة، معظم ساسة الشعوب، المصابون بعقدة القوة والعظمة.

في لبنان، لو كان الساسة صادقين و متواضعين ومخلصين دائما للشعب، لما وصل هذا الوطن-الرسالة، كما أراده بعض أبنائه، لا وطن برج بابل وسدوم وعمورة كما أراده وخطط له أبالسة الفتنة والشرّ، أجل، لما وصل الى ما وصل اليه اليوم من سوء تفاهم وفرقة وتشرذم وانقسام بين أفراد الشعب، وتباعد ونفور بينهم وبين الحكم، وبين الحاكمين المتكبرين أنفسهم، ومن تسييس لمؤسسات الدولة وللقضاء بنوع خاص، ومن حالة إقتصادية يُرْثى لها، يعاني منها الشعب الفقير وحده لا الأغنياء ولا الزعماء ولا كل من يعمل في حقل السياسة والمال والدين، ومن فوضى فكرية وأخلاقية، ومن قلق وضعف وتعاسة ويأس، وغموض في رؤيا المستقبل، مما يجعل من هذا الوطن وطنا مستضعَفا ومستباحا على الدوام من الأقرباء، والغرباء، وشذّاذ الآفاق، والإرهابيين، إلى هذا الحدّ المخيف والمذلّ الذي نشهده اليوم، والذي نعاني منه الأمرّين، والذي لا يبشِّر أبدا بالخير، رغم كل التطمينات البليدة من المسؤولين عن حياة ومصير الشعب اللبناني.

لا شك أن الشعب أيضا، لا الساسة وحدهم، يتحمّل، بسبب من جهله وعصبيته وكسله وسكوته عن أخطاء ساسته، قسطا كبيرا من المسؤولية عن تعاسته. على الشعب أن يذكِّر نفسه (لأنه لن يجد مسؤولا واحد صادقا لينعش ذاكرته) بأنه هو وحده مصدر السلطات، وبأن صوته هو حقا من صوت الله، وأنه لا عذر له بأن يتوانى عن القيام بواجبه في ممارسة حق المحاسبة والعقاب تجاه من يخون الأمانة من المسؤولين الذين اختارهم ليمثلوه في الحكم. فلنتذكّر، هنا والآن، قولَ المسيح: كما تكونونَ يُوَلّى عليكم.

إن واقع الحال المحزن في تاريخ شعوب الأرض كلها، إنما هو ناتج من جبلة الإنسان المفطور على الأنانية والجهل والخطأ والنقص والطمع والكبرياء والعنف، أكان سياسيا أم من أفراد الشعب. قليلون جدا هم الذين يتحرّرون، بقوة الإرادة والوعي، من سجن الشرنقة الخانق ليحلّقوا بأجنحة قوية في سماء الحرية الصافية والصدق الخالص. فلعلّ الشعب اللبناني يكون من هذه القلائل؟

أما بعد، فهل نجرؤ على طرح السؤال عينه من جديد:

كيف نخاطب الشعب اللبناني وكيف نتخاطب معه؟

نطرح السؤال وكأن عملية المخاطبة هذه محكوم عليها بالفشل سلفا (كما هي الحال في كل العلاقات الإنسانية) بحسب ما تعلمنا خبرة الحياة، وبحسب دروس التاريخ.

أجل، علينا متابعة طرح السؤال عينه باستمرار، وعلينا محاولة الإجابة عليه، وتنفيذ المبادىء التي تنير دربنا وتوجّه سلوكنا. رغم كل شيء، ينبغي أن يبقى الأمل كبيرا بغدٍ أفضلَ لوطن الرسالة لبنان، وطن الروح والمحبة، إذا قرّرنا جميعنا (هل نقرر؟) أن نكون رسلا مخلصين صادقين بكل معنى الكلمة، من أجل التنافس المحبّ على تحقيق هذه الرسالة بالقول والفعل، وأن ننذر أنفسنا لخدمة بعضنا البعض. إن الساسة (وكل إنسان في موقع مسؤولية تربوية أو دينية أو فكرية)، هم "الكبار" الذين أعطتهم الحياة الكثير من الحظّ والمال والذكاء والقوة والشهرة، لذلك يُطلب منهم الكثير من التضحية وبذل الذات والعطاء. سوف يُطلب منهم أن يكونوا، بكل بساطة، وقبل أي شيء آخر، "خداما" متواضعين ل"الصغار" من أبناء الشعب، ومنارةً لطريقهم صوب مستقبل آمن، سعيد، لا أسيادا، وأسيادا ظالمين، عليهم.

هل، يا ترى، يشرق، يوما، لعله يشرق ذلك اليوم السعيد على لبنان، الذي يرى فيه الشعب اللبناني سياسيّا أو زعيما واحدا فقط، حكيما، متواضعا، صادقا، شفّافا، شريفا، شجاعا، قويا، يقف على المنصّة امام الإعلام، مخاطبا الشعب بصوت واضح، عالٍ، مسموع،ٍ وبكلمةٍ واحدة:

حين أخطىء، وأكذب، وأخلّ بالوعد، وأخون، وأفشل، حاسبني.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه