صرعات ترامب كثيرة ، وتغريداته في غالبها غريبة مستفزة تجافي الحقيقة والمنطق ، فقد أصبح يشغل الناس بأفعاله وأقواله وتغريداته ، فبعد أن فشل وتابعيه بعدوانهم الثلاثي على سوريا ، وقبل أن ينهي المحللون حديثم عن أثر هذا العدوان وفشله ، إذ به يقوم بتصريح أكثر غرابة من كل تصريحاته السابقة حول حل القضية الفلسطينية وصولاً للسلام حسب المواصفات الأمريكية ، فقد نقلت الأخبار حديثه أمام الجمعية الصهيونية " ايباك " عن الدولة الفلسطينية حين قال : ان المكان الوحيد لإقامة دولة فلسطينية هي نصف سيناء، ومساحتها 30 ألف كلم مربع وتتسع الى 25 مليون نسمة، وعدد الفلسطينيين كلهم 9 ملايين، فيما وجه حديثه للفلسطينيين قائلاً : لا تضيعوا وقتكم في أرض "اسرائيل" بل ابدأوا بالذهاب نحو سيناء ونحن سنطلب من مصر فتح الحدود بين غزة وسيناء وسنجمع 800 مليار دولار من العالم تدفعها خاصة دول الخليج أمّا اميركا فلن تدفع دولاراً واحداً ، وفي سيناء يتم إقامة دولة فلسطين، وهكذا يجري حل المشكلة نهائياً ، فتكون الدولة اليهودية في "اسرائيل"، والدولة الفلسطينية في سيناء".

تصريح ترامب جاء بعد ترويج كل أبواق الإعلام الصهيوأمريكي والإعلام الذي يدور في فلكه لما اصطلح على تسميته بصفقة القرن ، تلك الصفقة التي لم يعرف أحد تفاصيلها الكاملة بعد .. فهل كان ما تسرب عن الصفقة من تبادل للأراضي بين الكيان الصهيوني ومصر وما قيل عن توسعة قطاع غزة غير دقيق ؟ أم كان زج مصر وسيناء في تلك التسريبات تمهيداً للضربة الكبرى بدولة فلسطينة على نصف سيناء وهي مساحة تزيد قليلاً عن مساحة فلسطين التاريخية ؟ ومن خلال استعراض ملف سيناء ، وكل ما قيل عن العروض التي قدمت لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء منذعهد الراحل عبد الناصر إلى المسجون محمد مرسي ، يتضح أن التصريح ليس تصريحاً مجرداً عن الواقع ، فهو تصريح له أساس ورؤية صهيوغربية سابقة ، بل لعله أنضج من كل عروض سيناء السابقة مع وجود الأداة اللازمة لتنفيذه فقوة الغرب طاغية ودولارات الخليج حاضرة ووضع عربي بائس ..

وهنا لا بد من التوقف قليلاً ، فتصريح ترامب لم يأت من فراغ ، فهناك الكثير من الكتاب والمؤرخين قد ذكروا سابقاً وفي أكثر من مجال بأن سيناء كانت جزءاً من فلسطين حتى بدايات القرن العشرين ، عندما تم ترسيم الحدود بين مصر وفلسطين أو بعبارة أدق بين العثمانيين والإنجليز عام 1906، حيث كان هدف بريطانيا حينذاك إبعاد العثماني عن قناة السويس ، ولقد تقدم العثمانيين حينذاك بإقتراح " وفق ما يقال " بأن يتم تقسيم سيناء إلى نصفين أحدهما مع فلسطين والآخر مع مصر على أن يكفل ذلك عدم وجود حدود بين العثماني " فلسطين " وقناة السويس إلا أن الإنجليز رفضوا ذلك مصممين على إلحاق كل سيناء لمصر وللاحتلال الإنجليزي .. فكان لقوة الإمبراطورية البريطانية الكلمة العليا بفرض إرادتها .

وبعد احتلال فلسطين عام 1948 جرت محاولات جادة لتوطين الفلسطينيين في سيناء وتم توقيع اتفاقيات بين مصر عبد الناصر ووكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين " الأونروا " عام 1953 لتوطين الفلسطينيين في سيناء إلا أن الرفض القاطع من قبل الفلسطينيين كان سداً أمام تنفيذ هذا الاتفاق حين خرجت المظاهرات في قطاع غزة " شباط / فبراير – آذار / مارس 1955 " ضد الاتفاق والتوطين وسقط عدد من الشهداء واعتقل الكثير من الفلسطينيين وكانت النتيجة إفشال الإتفاق ، كما تردد في عهد الرئيس محمود مرسي بأن خطة توسعة قطاع غزة وتوطين اللاجئين قد كانت قيد البحث وبموافقة الرئيس ... ولعل تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية سيكون أمراً مساعداً لتحقيق تنازل عن أراض في سيناء لغاية توطين الفلسطينيين وبما يساعد عل إقامة دولتهم .

ومما تقدم يتضح بأن ترامب يستند في تصريحه إلى معطيات سابقة " روايات تاريخية وموافقات سابقة " وكل ما على الصهيوأمريكية الضغط في سبيل إنجاح ذلك في ظل موافقة صهيونية ووضع عربي سيء للغاية وشلل كامل على الساحة الفلسطينية ... ولكن ومهما كانت قوة الضغط الصهيوأمريكية فإن الشعب الفلسطيني لن يرضى بديلاً عن فلسطين مهما طال الزمن كما أن الرهان على مصر العروبة يقود إلى رفض مصر القاطع للتصريح الترامبي الوقح !!!! والأيام القادمة ستكشف الحقيقة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه