السودان، كل المؤشرات السياسية والاقتصادية..وحتى في مجالات الحياة الأخرى، كانت توحي بانفجار وشيك مع أولى شرارة عفوية ستنطلق، غير أن رئيس الدولة عمر حسن البشير الذي جلس على كرسي الحكم طيلة ثلاثة عقود كاملة، يبدو وكأنه لم يضع في الحسبان أن يتطور مجرد احتجاج للتنديد بارتفاع سعر رغيف الخبز وعدم وفرته، إلى مطلب رئيسي لحشود من المواطنين، لكن ليس من أجل كبح سعر الخبز وإنما لعزله من منصبه وإسقاط النظام..فيما واجه هذا الأخير الحراك بالقمع والتقتيل لترهيب المحتجين.

منذ ما يزيد عن 50 يوما، بالعودة إلى كرونولوجيا اندلاع وتطور الاحتجاجات والمسيرات اليومية العارمة التي تشهدها مختلف مناطق ومدن السودان بقيادة ما يعرف تجمع تشكيلات مهنية انضمت إليها شرائح واسعة من المجتمع، فبتاريخ 19 ديسمبر الماضي، انطلقت أولى الشرارات من منطقتي بورتسودان وعطبره بشرق وشمال البلاد، لتتوسع رقعتها تدريجيا، يوما بعد يوم، وتصل إلى عقر دار النظام بالعاصمة الخرطوم، ليتحول ويتطور المطلب من الرغيف إلى رأس البشير .

تحول وتطور الحراك..”تسقط بس”

ومع بروز جدية قيادات الحراك وتصميمها على الإطاحة بالرئيس من أجل مواصلة طريق تغيير الأوضاع إلى الأفضل وتحسين ظروف البلاد والعباد، وهو ما ظهر جليا خلال الأسابيع الأخيرة من خلال الالتفاف والتشبث حول شعار “تسقط بس”، رغم استعمال قوات النظام لأساليب قمعية ضد المحتجين وصلت إلى حد التقتيل، وكذا تكميم أفواه المنابر الإعلامية الحرة و مصادرة جرائد، غير أن كل هذا لم يقف في وجه المحتجين لمواصلة ما بدؤوه، بل يصرون أكثر من مضى على الإطاحة بنظام وسياسيات البشير التي انعكست سلبا على الحياة العامة وتسببت في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب السوداني .

الرئيس يستخف بالحراك.. ويصب الزيت على النار

وفي خضم الغليان وحالة الانفجار التي يشهدها الشارع السوداني، وفي الوقت الذي كان عليه الدعوة لتهدئة الأوضاع وفتح أبواب وقنوات الحوار الوطني، لإبداء على الأقل حسن نيته تجاه المطالبين برأسه، خرج الرئيس عمر حسن البشير، في خطاب ألقاه نهاية الأسبوع المنقضي، وكأنه غير مبال بذلك تماما، بل حتى أنه قلل من حجم ما يحدث حوله، مبديا دهشته وسخريته لاستعمال معارضي سياساته وسائط التواصل الاجتماعي لإسقاطه، إذ عبر عن ذلك بصريح العبارة  قائلا ” إن الحكومات والرؤساء لا يمكن تغييرها عبر واتساب وفيسبوك” .

رئيس الوزراء يقر بشرعية الحراك..لكن دعا للاحتكام إلى صندوق الانتخاب !

من جهته، أكد رئيس الوزراء السوداني معتز موسى، مساء أمس،  أن السبيل الوحيد للتغيير هو الانتخابات، في وقت وصف مطالب الحراك الشعبي بالمشروعة، كما ذكر في تصريحات نقلتها ” أ ف ب”، أن حكومته على استعداد لتوفير أعلى درجات الشفافية، وهو التصريح الذي بدون شك سيمر مرور الكرام على مسامع المحتجين، الذين يصرون يوما بعد يوم بوضع حد لنظام أدخل المواطنين متاهات الفقر .

 

عضو احد أطراف التكتل المهني، الإعلامي محمد المختار:

” مدخل حل الأزمة أكبر من البشير ونظامه الفاشل “

من جانب مغاير، يجزم الإعلامي السوداني محمد المختار، عضو شبكة الصحفيين السودانيين احد أطراف التكتل المهني الذي يقود الحراك، في تحليله للأوضاع لموقع “النهضة نيوز”، أن الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس عمر البشير، نهاية الاسبوع المنقضي، يخلو من أي إصلاحات جادة، وهو مجرد تسويق لوعود وشراء للوقت، إذ يرى  أن مدخل حل الأزمة الاقتصادية سياسي، بالمقابل، نظام البشير غير قادر على دفع استحقاقات الحلول السياسية، ولا حتى إتاحة الحريات وتهيئة المناخ لذلك، ليواصل قائلا :”الشارع لا يهتم كثيرا بما يقول البشير فعلى طوال 30 عاما ظل يسمع هذه الوعود “.

ويؤكد محمد المختار، على أن مطالب الشارع يصعب خداعها بالوعود، لأن المسألة -بحسبه – وصلت لمرحلة تخطت الوعود والحلول الترقيعية الجزئية التي ظل يقوم ويكرس عليها نظام البشير،  أي أنه فقد مصداقيته داخليا، وحتى خارجيا بمحاولاته اللعب على المحاور الإقليمية في المنطقة، فحركة المظاهرات والاحتجاجات التي تعد هذه المرة هي الأطول منذ انقلاب البشير عام 1989م، حيث  تعدت الاحتجاجات الـ 50 يوما… ليضيف قائلا “هناك التفاف اجتماعي حول حركة الشارع، بسبب الأوضاع الاقتصادية، وزاد هذا الأمر البطش والانتهاكات الأمنية، إذ فاق عدد القتلى الـ 51 قتيلا منذ بدء الاحتجاجات” .

كما يشير المتحدث لتفاعل الطبقة السياسية السودانية مع المشهد العام الحالي، من خلال وقوفها مع مطالب الشارع ودعم الحراك والتظاهرات، أبرزها حزب الأمة القومي، برئاسة الصادق المهدي الذي يتزعم قوى نداء السودان وهو اكبر فصيل معارض يجمع حزب الأمة، حزب المؤتمر السوداني، التحالف السوداني، والحركات المسلحة، كذلك أحزاب مدنية أخرى، بالإضافة إلى قوى الإجماع الوطني وهو الفصيل الثاني للمعارضة السودانية ويجمع الحزب الشيوعي والبعث وأحزاب أخرى.

الحصيلة أزيد من 52 قتيلا…

المظاهرات السلمية التي تشهدها مختلف مدن السودان، احتجاجا على حكم رئيس تولى مقاليد رئاسة البلاد منذ انقلاب سنة 1989، خلفت إلى حد الآن 30 قتيلا حسب رواية الجهات الرسمية، غير أن الرقم الذي تحصيه أطراف التجمع المهني يفوق ذلك بكثير، إذ أحصت أزيد من 52 قتيلا .