حيثما تكونوا يولّى عليكم"، لنبدأ من هذه الجملة على قلّة كلماتها، إلا أنها تحمل الكثير من المعنى، فإذا كان الإنسان مستبدا على سبيل المثال لا الحصر، سيولي الله عليه حاكما مستبدا، أما إذا كان محبّا للخير، سيولى عليه إنسانا صالحا، فهو جزء من هذا المجتمع، لأن الإصلاح يبدأ من النفس.

على الإنسان ألا يلقي اللائمة اليوم على أحد، لا على دولة أو نظام أو معارضة أو طائفة أو أحزاب فاسدة، "لا تتذمر"، فإن كان كل ما سبق فاسدا تأكد أنك جزء منه بطريقة أو بأخرى، فإن كان المجتمع صالح أو فاسد هو نتاج ثقافة مجتمع.
 
معنى الإصلاح
 
أيها العربي عليك اليوم ألا تلقي باللائمة على النظام أو مؤسسة حكومية، وحتى الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، والمؤامرة الكبرى الخارجية على بلدك، من هنا لا ننكر دور الغرب والولايات المتحدة والصهيونية وسعيهم لإضعافنا وإضعاف إرادتنا العربية، فهذا أمر مؤكد، لكننا لا نريد اليوم أن نقول إن ما يحدث لنا بسبب الغرب، هو مسبب نعم لكن من السبب؟
ضعفنا هو السبب وعدم جديتنا بالإصلاح الحقيقي، فنحن نتعلق بالشعارات ولا نطبقها، نعتمد على شخص ونرى فيه منقذنا، فأين هو دورنا؟
الإصلاح لا يكون عن طريق رئيس أو زعيم أو أمير، بل يكون بإرادة أمة، الفرد الواحد لن يحقق شيء، فعندما يكون المجتمع ككل يمتلك إرادة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي، ينصلح حال الأمة.
إن المشكلة الحقيقة التي يعاني منها أغلب العرب اليوم، أنهم لا يلتفتون إلى تجارب الدول الأخرى، كماليزيا كسنغافورة، فمن الناحية الاقتصادية مثلا، تراهما لا يملكون من الموارد إلا اليسير، ورغم ذلك نهضا وحققا قفزات نوعية، فهناك دول كثيرة على غرارهما لها ثقلها في آسيا وأوروبا، وإن كنا ذكرنا في مقالات سابقة عن التجربة الماليزية، فاليوم هناك التجربة الهندية والباكستانية فكلاهما يمتلكان تكنولوجيا نووية، وحتى اليابان من كان يعتقد أنها ستنهض بعد تعرضها للقنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي، فهذه الدول مرت بحروب مختلفة إن كان دينية وأهلية وعرقية وما شابه ذلك، لقد عانوا ظروفا صعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومع ذلك شعوبهم استفادت من كل هذه التجارب والأخطاء، لماذا؟
 
إرادة الإصلاح
هذه الدول تمتلك إرادة الإصلاح السياسي والإجتماعي ويدرجون اليوم تحت اسم الدول المتقدمة جدا، فبعض دولنا العربية تمتلك من الموارد البشرية والزراعية والمائية والحيوانية الكثير، وبتحليل بسيط، الكيان الصهيوني يسعى للسيطرة على كل مواردنا، وتحديدا الموارد المائية في الوطن العربي، لذلك هو حريص كل الحرص أن ننشغل بحروب مع بعضنا تحت عناوين متعددة، لينهك الأمة بقتالها، إذ استطاع هذا الكيان أن يسيطر على أغلب الممرات المائية، وصحيح أن جنوب لبنان تحرّر، لكن إلى الآن كيان الاحتلال يضع يديه على مزارع شبعا التي هي أهم موقع بكل جنوب لبنان، ففيه البحيرات المائية التي تغذي نهر الأردن وفلسطين، فهذه البقعة حيوية ومهمة للكيان الصهيوني، فهو حريص كل الحرص أن يملكها، أيضا هو اليوم يسيطر على جزيرتي تيران وصنافير بعدما تنازل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عنهما، فالخلاصة أن هذه الدول تعمل لتحقيق ما تريد، أما ماذا عن دولنا اليوم، هل هي عاجزة أم فقيرة؟
الحقيقة أن شعوبنا فقيرة لكن دولنا تمتلك الثروات الزراعية والموارد البشرية والعقول والطاقات ورؤى وسياسات وإصلاحات، لكن المشكلة أننا ما زلنا نعقد الآمال ونضعها برجل واحد نريده أن يكون المصلح أو المنقذ سمّه ما شئت، فأفريقيا أفقر من كل بلاد العرب، ورغم ذلك حققت إنجازات كبيرة.
 
التجربة الأثيوبية
 
نذكر أثيوبيا، الدولة الأفريقية التي نهضت بعد معاناة حافلة بالأحداث، فرئيس وزراء أثيوبيا الحالي، الشاب آبي أحمد، يمتلك عقلية جميلة جدا، نهض ببلده نهضة رهيبة، إذ أصبحت أثيوبيا اليوم تسمى الصين الأفريقية، فهذه الدولة رقم مهم في القارة السوداء، فقد أعلنت هذه الدولة عن افتتاح سد جديد " غيدابو"، تبلغ سعته التخزينية 62.5 مليون متر مكعب، وبتكلفة قدرها 29 مليون دولار أمريكي. فميزة هذا المشروع أنه يوحد سكان المناطق القريبة من السد، فالمستفيد من هذا المشروع بحسب وسائل الإعلام الأثيوبية، أكثر من 10 آلاف مزارع أثيوبي، ويوفر أكثر من 192 ألف فرصة عمل للشباب في القطاع الزراعي، وهذا النتاج فقط من مشروع واحد، في حين أن هناك البعض يقتطعون من بلادهم ويتنازلون عنها لصالح دول أخرى حارمين منها شعوبهم، فالمثال عن أثيوبيا جاء نتيجة دراسة وتضحيات وتفكير، فآبي أحمد اختير عن طريق ائتلاف الجبهة الديمقراطية الشعبية الأثيوبية وأصبح خلفا لهايلي مريام ديسالين واستلم على خلفية أحداث عنف، بعد تنازل الأخير، واستلم  بشبه إجماع من الشعب، لقد عانت أثيوبيا الكثير من الويلات ومن ينسى المجاعة التي قضت على أكثر من مليون إنسان، فبعد هذه النكبات المأساوية، نرى اليوم أن هذا البلد أسرع خامس اقتصاد في أفريقيا، الصاعد العام 2017، مع ملاحظة أنه كان لأثيوبيا أيضا مشاكل من نوع آخر مع مصر والصومال وأرتيريا، لكن مع إرادة الإصلاح الداخلي والخارجي نهضت بنفسها وأثبتت جدارتها. 
هنا ما يعنينا أن هذه الدولة التي عانت مجاعة وفقر وحروب أهلية و70% من سكانها تحت خط الفقر، رغم أنها كانت محكومة بنظام إمبراطوري لقرون طويلة جدا، فالقرن الإفريقي يكتسب أهمية إستراتيجية كونه يطل على " المحيط الهندي من ناحية، ومن ناحية ثانية يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب. ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمية، ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية وترابط مكوناتها التاريخية والحضارية، حيث ارتبط تاريخ إثيوبيا بالصومال واريتريا ارتباطا وثيقاً، ما جعله محل اهتمام دائم ومستمر من القوى الاستعمارية الأوربية وميداناً لتصارعها وتنافسها منذُ بدء الحملات الاستكشافية البرتغالية في القرن السادس عشر، وما أن حل القرن التاسع عشر حتى كان لأغلب القوى الاستعمارية (بريطانيا- فرنسا- ايطاليا) مناطق نفوذ ومستعمرات في المنطقة.
لقد عانت أثيوبيا الكثير من الحروب الدموية إن كان من المستعمر الإيطالي وغيره إلى أن تحررت منه، واستمرت أحداثها الدامية 17 عاما، وسميت بـ "الرعب الأحمر"، فأكثر من مليون إنسان لقي حتفه جراء هذه الصراعات الأهلية.
 
نهضة اثيوبيا
 
 
بعد كل ما تعرضت له أثيوبيا وهنا نقدم تجربتها كنوع من التمييز بين دولة تريد أن تنهض وتستثمر بما هو متوفر لديها ودول أخرى تعتمد على الحلول الجاهزة والتي لا تدوم، فكيف نهضت أثيوبيا؟
لقد بدأت بالإصلاح الزراعي عن طريق المياه، بعد أن حدثت انتفاضة عام 1990، والتمرد المسلح الذي لم يكن عشوائي بل كان له هدف واضح المعالم وكان هناك خطة بديلة للحكومة، بمعنى أن الشعب وضع ثقته بالدولة من خلال النهوض ببلد عانى الويلات دون الاعتماد على الغرب الطامع بمقدراتهم.
 
مراحل النهوض
 
الفترة التي شهدت فيها أثيوبيا الاستقرار والتنمية والنهضة جديرة بأن تجعلها من كبريات الدول الإفريقية، والتي جاءت عقب فترات طويلة من عدم الاستقرار والحروب التي ظلت تنهش في جسدها في ظل الحكومات المتعاقبة، وعقب النهوض الذي شهدته أثيوبيا قامت البلاد ونافست الدول التي سبقتها في التحرر من الفقر، وقدمت العديد من المشاريع التنموية من أجل خدمة شعوبها وتطوير المنطقة التي ظلت تقبع تحت مستوى الفقر لفترات طويلة، استطاعت البلاد تخطي هذه المراحل التي كانت أهمها مرحلة لتقييم النفس، والوقوف على الحراك السياسي، وعملت الحكومة على وضع مراحل لمعالجة المشكلات التي تراها أنها تكمن في ضعف قياداتها ومشاكل الحكم، كما عملت الحكومة خلال المراحل السابقة أيضاً على تحسين السياسة الخارجية وتطورت علاقاتها مع أكبر الدول، واستفادت من تجاربها في الاستثمار والتحول والتصنيع وإقامة المجمعات الصناعية التي وفرت العديد من فرص العمل، وعملت على تطوير دخل البلاد.
 
ميليس زيناوي 
 
إبان توليه رئاسة الحكومة الانتقالية، انفصلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1993. وفي أغسطس/آب 1995 أُعلن قيام جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية، وضع خطة لتحديث كبير شملت مجالات متعددة وأدخل استثمارات أجنبية إلى البلاد، وبأسعار منافسة، واتجهت كل أنظار العالم على القطاعات المختلفة آنذاك، من صناعة وزراعة وطاقة، إلى جانب إنشاء شبكة حديد ضخمة جدا تربط بين الموانئ، وهذه النقطة تحديدا استفادت أثيوبيا منها من الناحيتين الزراعية والاقتصادية، فهذا الرجل نستطيع وصفه بأنه المؤسس الأول لمرحلة نهضة أثيوبيا، فحين محاولته وصل الموانئ بدأ بمشروع سد النهضة الكبير بتكلفة 6 مليارات دولار، مع تأسيس شركات حكومية ذات حرفية عالية، وأنشأ أكبر خطوط ملاحة جوية في كل أفريقيا إلى اليوم، إضافة إلى شركة أثيوبيا العملاقة للاتصالات. كما أن زيناوي أحدث معدلات النمو الاقتصادي بما يعادل 10% سنويا، وأعطى فرص عمل لكل الشباب الأثيوبي، من خلال القضاء على الكثير من مظاهر الفساد.
لكن أهم إنجاز له هو، التصالح مع أرتيريا، وهنا نسقط هذه الحالة بالنسبة للمنازعات بين الدول العربية، فلا بد من الإصلاح مهما كان نوع وشكل الخلاف لا بد من الحوار لإيجاد الحل، فكما ذكرت إصلاح الداخل يبدأ من الخارج.
 
آبي آحمد
 
ماذا صنع هذا الشاب أول استلامه للحكم؟
بعد أن خلف هايلي مريام ديسالين الذي عانت البلاد في عهده من فساد كبير، أعاد تمتين المصالحة مع ارتيريا إذ كان بينهم حروب يقال إنها أودت بحياة 80 ألف إنسان، العام 1998، لكن من مهد له الطريق الراحل زيناوي، الذي بدأ بالإصلاح وبالزيارات الخاصة السرية، لتكون مرحلة أثيوبيا اليوم معبدة الطريق، إلى جانب أن آبي احمد كان أحد الأطراف التي انهت الخلاف السوداني، حتى تعدى الأمر ذلك فلقد زار مصر لتحسين العلاقات لتصبح جيدة جدا، وتنذر بمرحلة جديدة من التعاون.
فبعد مريام ديسالين وفساده كما ذكرت، خفف آبي أحمد من القبضة الأمنية وأقال كبار قادة الجيش وخفف من وطأته وفكك مراكز القوة الاقتصادية التابعة للجيش على عكس بعض دولنا العربية، الدول كمصر التي تقوي جيشها على حساب الشعب، هنا فقد الشعب إلى حد كبير مصداقية تلك المؤسسة، إذ لطالما كانت مصر تعول على الجيش المصري، فكنا بطبقة الإقطاعيين وأصبحنا بأن الجيش يأخذ وضع القوة أكثر من الشعب وبدأ يشكل طبقة أخرى منفصلة عن الشعب.
لقد أسس أحمد شركات كبرى اقتصادية وتغلب على غياب المنافذ البحرية، وهذا ما يفسر الصراع اليوم في اليمن المتمركز على المنافذ البحرية فأساس المشكلة في اليمن هو "باب المندب"، كما أصلح آبي مع كينيا والصومال وبدأ مشروعه من الصفر مع جيرانه، وتوسط لإنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان.
 
هاتين المرحلتين اللتين مرت بهما اثيوبيا حتى تصل إلى ما وصلت إليه اليوم، جعلت منها قوة إقليمية كبيرة جدا، ومؤثرة خاصة اقتصاديا، فهذا الشعب من خلال إرادته يستطيع أن يحقق ويصنع الفارق ليحذو حذو الدول المتقدمة إن توفرت الإرادة.
 
نهضة الأمة العربية
 
فهل الأمة العربية اليوم عاجزة عن إنشاء نموذج كالنموذج الأثيوبي أو الماليزي والسنغافوري، وإذا حدثتني عن الفساد، كل الدول فيها فساد، فأثيوبيا كانت أسوأ حالا من اليمن وسوريا والعراق وتونس والجزائر، فلو نمتلك استراتيجية وأهداف في الحروب التي أدمت قلوبنا ودمرت اقتصادنا وأضعفت من أسرنا العربية، نستطيع البدء من الصفر وأن نضع خطة يتخللها النخب والمؤسسات ومركز الدراسات الحقيقية المستقلة عن الحكومات لرصد مواطن القوة والضعف وتقدم مشاريع نهضوية وتنموية للدولة، فنحن اليوم بحاجة إلى من نستفيد من تجاربهم أفراد كانوا أم دول، وهنا دور وسائل التواصل الاجتماعي مهم جدا، فنحن نحتاج أن نتواصل كنخب من كل الدول العربية وبعيدا عن السياسة نقدم مشاريعنا والرؤى المتعلقة بمصلحة الجميع ومن ثم نقدمها للمسؤولين، وبالتالي يمكن لنا أن ننهض ونكون رقما كما الدول الآنفة الذكر التي أثبتت جدارتها رغم كل ما مر بها، فنحن نستطيع، ولننظر إلى جنوب العراق كمثال بما يملك من مقدرات وأنهار من النفط، فالبصرة كانت تسمى "بندقية الشرق"، إلى جانب أنهار المياه، مدينة خلابة ومشهورة وغنية بكل شيء فقد تكون هذه المدينة مقصدا للسواح من كل العالم لو تمتلك استراتيجية، فبهذه الاستراتيجيات نجعل من عالمنا العربي رقم اقتصادي يرعب العالم كما نهوض دول كثيرة في العالم.