المفكر القومي العربي الكبير الدكتور قسطنطين زريق: في كتابه "معنى النكبة":

•- لم يعرف التاريخ أعدل من القضية الفلسطينية وأقرب منها إلى الحق.
-الخطر الصهيوني  بل كل خطرعدواني علينا لا يرده إلا كيان عربي قومي متحد تقدمي.
-محاربة الصهيونية لاستئصال جذورها والتغلب عليها لا تتم في معركة واحدة بل تتطلب حربا مديدة الأفق بعيدة الأجل.
-التخاذل المعنوي الروحي أشد خطرا وأعظم هولا من الخسارة المادية والهزيمة الحربية .
•​علينا أن نعد للغد عدته، وأن نأخذ للمعركة القادمة أهبتها ، وأن نتعلم النظر البعيد والترتيب المحكم والخطة المدبرة.

حوار و إعداد: نواف الزرو

كان ذلك في الذكرى الخمسين للنكبة الفلسطينية عام 1998،    حينما توجهنا بدفعة من الأسئلة الصعبة والكبيرة للمفكر القومي الكبير الدكتور قسطنطين زريق، الذي يعتبر احد كبار اساطين الفكر والتربية في العالم العربي، راغبين بمحاورته حول المحطات والمفاصل والأحداث  والأفاق المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني، وحول رؤيته الاستراتيجية لهذا الصراع، قال لنا: لقد عالجت مثل هذه الأسئلة قبل نصف قرن في كتابي معنى النكبة، وكذلك في كتابي اللاحق ما العمل؟، ويمكنكم أن تطلعوا على وجهة نظري في هذين الكتابين. ولذلك آرتأينا أن نعيد عرض وطرح كتاب "معنى النكبة" 1948 بصورة مكثفة وواضحة ومفيدة،لنتبين وجهة نظر الدكتور زريق في القضية والأسئلة الكبيرة قبل نصف قرن من الزمن:

 

فداحة النكبة

يقول الأستاذ زريق حول فداحة النكبة ومعناها وأسبابها:

ليست هزيمة العرب في فلسطين بالنكسة البسيطة، أو بالشر الهين العابر، وإنما هي نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما أبتلى به العرب في تاريخهم الطويل على ما فيه من محن ومآسي، سبع دول عربية تعلن الحرب على الصهيونية في فلسطين، فتقف أمامها عاجزة ثم تنكص على أعقابها، خطب نارية يلقيها ممثلو العرب في أعلى الهيئات الدولية منذرة بما ستفعله الدول والشعوب العربية إن صدر هذا القرار أو ذاك، وتصريحات تقذف كالقنابل من أفواه الرجال الرسميين لدى اجتماعات الجامعة العربية، ثم يجد الجد فإذا النار باهتة، وإذا الصلب والحديد صدئ ملتو سريع العطب والتفتت، وإذا القنابل جوفاء فارغة لا تحدث آذى ولا تصيب مقتلا ، سبع دول تتصدى لأبطال التقسيم، وقمع الصهيونية، فإذا بها تخرج من هذه المعركة وقد خسرت قسما لا بأس  به من أرض فلسطين، بل من الجزء "المعطى" للعرب في التقسيم، وإذ بها تقهر قهرا على قبول هدنة لا مصلحة لها فيها ولا غناء.

قضية لم يعرف التاريخ أعدل منها وأقرب إلى الحق: بلد يغتصب من أهله ليجعل وطنا لشراذم من الخلق ينزلونه من شتى أقطار العالم، ويقيمون فيه دولة رغم  أنوف أصحابه والملايين من إخوانهم في الأقطار المجاورة، ومع ما في يد العرب من حق صراح، وما في بلادهم من إمكانيات، وما للدول فيه أمن مصالح يساوم عليها –مع هذا كله، يقفون فرادى في الميدان الدولي، تعاديهم الدول العظمى وبنائهم الرأي العام العالمي، وليس لهم حليف قوي قد أعدوه ليسندهم في مثل هذا الظرف وينصرهم في صراعهم. 

 

ويضيف الدكتور زريق :

  على أن من العدل والإنصاف أن نسرع فنقول: إن أسباب هذه الكارثة لا تعود كلها إلى العرب أنفسهم، فالعدو المتصدي لهم قوى الشكيمة، غزير الموارد، بعيد الأثر، قضى السنين –بل الأجيال – وهو يتأهب لهذا الصراع، وقد بث نفوذه وسلطته في مشارق الأرض ومغربها، واستولى على كثير من مصادر القوى في الدول العظمى، حتى دانت هذه له أو اضطرت إلى ممالأته،وهو إذا حشد قواه على إحدى هذه الدول أتعبها واستأثر بكثير من مصالحها ، كما أظهر التاريخ البعيد والقريب فعلا في كل من دول الأرض العظمى، فكيف به، وقد نازل أمة لا تزال في بدء نهضتها، وفي المرحلة الأولى من  تكونها الاجتماعي والسياسي –أمة ظلت قرونا مقهورة على نفسها بحكم استبدادي كاد يجردها عن ذاتها، وما لبثت منذ أن خلعت عن نفسها هذا الحكم الثقيل تسعى لانتزاع حريتها واستقلالها من أقوى أمم الأرض و أبعدها نفوذا ؟؟، ليست الصهيونية وتلك  المستعمرات المنتثرة في فلسطين فحسب، وإنما هي الشبكة العالمية، المجهزة علما ومالا، المسيطرة في بلاد العالم النافذة ، المسخرة كل قواها لتحقيق هدفها في بناء وطن لأبنائها في فلسطين.

  فمن الواجب أن نقر بهذه القوى الهائلة التي يمتلكها العدو وان نحسب لها حسابها عندما ننظر في معضلتنا الحاضرة ونسعى لمعالجتها، فلقد كان من شر ما بلينا به في السنوات الأخيرة، أننا بينما كنا نطلب في تبيان هذه القوى وشرورها للغير، كنا نحن بالفعل  مستهترين بها ذاهلين عن ازديادها وتكتلها على الأيام، ثم عندما نشبت المعركة أخذت دعايتنا الداخلية تلهج بانتصارات لنا خيالية، وتخدر الجمهور العربي بسهولة صراعنا الحربي ومقدرتنا على التفوق والانتصار- إلى أن وقعت النكبة ووقع معها رد الفعل المرير، ولعل من حسنات هذه الهزة العنيفة أن تردنا إلى الواقع، وتنبهنا إلى حقيقة الحال، فتساعدنا على أن نقدر الأمر قدره ونتخذ له عدته.

الحق والواجب والمسؤولية :

  قلت : من الحق والواجب أن نقر بقوى العدو الهائلة، فلا تحمل أنفسنا من اللوم فوق ما تستحق، ولكن من الحق والواجب كذلك أن نقر بأخطائنا، ونتبين مصادر الضعف في كياننا، وإن نعرف مدى مسئوليتنا في هذه الكارثة التي أصابتنا، ومن الشر أن نتهرب من هذه المسؤولية، ونعمي أبصارنا عن مناحي تقصيرنا، فننحني باللائمة على هذا أو ذاك من سوانا دون أن نرى الضعف.

 والعيب والفساد في نفوسنا، فما أكثر ما نسمع بيننا اليوم من شتم لليهود، ومن تنديد بالإنكليز والأمريكان والروس، وبمجلس الأمن ووسيط الأمم المتحدة، وبكل من يقف مناوئا لنا في هذا الصراع، لا شك في أن هؤلاء عادونا ويعادوننا، ومن الضروري أن نحذرهم وأن نذكر لهم موقفهم ونحاسبهم عليهاكلما سنحت لنا الفرصة و اكتملت عندنا القوى، لا شك في أنه يجب أن نحمل كلا منهم مسئوليته أمام التاريخ، ونجابه بها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لا شك في أنه يجب أن نحفظ هذا كله في قلوبنا ونلقنه أبناءنا وأحفادنا، ونعتبره في رسم سياستنا وتدبير أمورنا، ولكن يجب أن لا ننسى، في الوقت نفسه، أن السياسة لا تزال قائمة على القوة والمصلحة، وإن كلا من هذه الدول تتبع مصلحتها أولا، وانه لا يكفينا أن نندد بها ونحملها مسئوليتها، إذا نحن لم نندد أولا بمواطن الضعف فينا ونحمل أنفسنا ما يترتب عليها من وما يصيبها من نصيب في  نكبتنا الحاضرة، وإذا كان التهرب من الواقع، وإلقاء العبء على الغير، شرا خطرا في الأيام العادية، فهو في أيام المحن والشدائد أصل العلة ومصدر الفساد. وليس أفضل من هذه الأيام فرصة لمحاسبة النفس، ولاستكشاف مواضع الضعف والعمل لمداواتها أو البدء بذلك على الأقل.

حرب طويلة الأمد

 ومن العدل والإنصاف كذلك عند نظرنا في هذه النكبة وتقديرنا لمداها ونتائجها، أن نعلم أنها معركة في حرب طويلة الأمد، وأننا إذا خسرنا فيها، فليس معنى ذلك أننا خسرنا الحرب كلها، أو هزمنا هزيمة نهائية لا قيام لنا بعدها، أجل! إن هذه المعركة فاصلة من وجوه عدة، فعليها يتوقف تأسيس الدولة الصهيونية أو بطلانها، وإذا خسرنا المعركة بكاملها، وتأسست هذه الدولة، فمما لا شك فيه أن اليهود في العالم أجمع سيحشدون قواهم كلها للاحتفاظ بها وتقويتها وتوسيعها كما حشدوها لإنشائها، ولكن التاريخ مليء بالمفاجآت: والكيان المفروض بالقوة، الذي لا يقوم على سنن الطبيعة والاجتماع، لا يمكنه أن يبقى طويلا إذا جابهته قوى طبيعية حية متمشية مع مجرى التاريخ.

  ولذا ، فلا مبرر لليِأس يستولي على نفوسنا، ويشل فعاليتنا،  وينزع منا ثقتنا بأنفسنا وبأمتنا، كما فعل بالكثيرين منا، فاحدث ذلك التخاذل المعنوي الروحي الذي قلت إنه اشد خطرا وأعظم هولا من الخسارة المادية والهزيمة الحربية، بل علينا أن نعد للغد عدته، وأن نأخذ للمعركة القادمة أهبتها، وأن نتعلم من أعدائنا النظر البعيد، والترتيب المحكم، والخطة المدبرة، والسعي الحثيث سنوات، بل أجيالا ، لتحقيق المطلوب وبلوغ الغاية، فما أكثر ما نكب اليهود في تاريخهم،بل ما أكثر ما تعرض كيانهم في فلسطين في السنوات الأخيرة للانهيار والزوال، ولكنهم ظلوا صابرين على المكارة، متحملين للشدائد، واضعين أعينهم على الهدف المنصوب ، إلى أن بلغوا ما بلغوه اليوم من قوة وبأس .

المعالجة…

  ويقدم الدكتور زريق قراءة تحليلية دقيقة لأسباب النكبة ويتقدم لمعالجتها بمجموعة من الأفكار والمقترحات العملية التي نعتقد أنها ما تزال ملحة حتى يومنا هذا رغم انقضاء اكثر من خمسين سنة عليها، فيواصل قائلا:

    قلنا أن نكبة العرب في فلسطين –كأمثالها من الأحداث في التاريخ – لها أسباب قريبة وأخرى بعيدة، وعلى الفكر أن يميز بين هذين النوعين من الأسباب، وأن يبين نوع المعالجة التي تناسب كلا مها وتكون  كفيلة باستئصاله والتغلب عليه،

فلننظر إذن أولا في المعالجة القريبة، لنرى ما يجب عمله لتدارك الخطر المحيق، وللوقوف في وجهة ومنع طغيانه، إذا لم يكن من الممكن الآن القضاء عليه قضاء تاما نهائيا، على انه لا بد من أن نلاحظ أولا انه لا يمكن الفصل فصلا تاما بين الأسباب القريبة والبعيدة، وليست الحياة البشرية من البساطة بحيث يمكن تقسيمها وتنظيمها وإقامة الحدود بين أجزائها بصورة اصطناعية، وهكذا لن تكون سبل المعالجة الآنية مستقلة عن سبيل المعالجة الأساسية البعيدة، بل هي مرتبطة بها ومتفرعة عنها، وعلى المفكر والمصلح أن يتناول الواجبين معا، وينظر إليهما كوحدة، ولا يغفل عن النسبة، بينهما، بل يتصدى لكل منها وعينه متجهة إلى الأخر بحكمة ودراية ، وحسن تدبير وتنظيم.  

 فما هي الأصول التي تستمد منها المعالجة القريبة والأركان التي تقوم عليها ؟  

   أركان هذه المعالجة، بل هذا الجهاد، في نظري خمسة: أولها تقوية الإحساس بالخطر، وشحذ إرادة الكفاح، فهنا الخطوة الأولى والعامل الأصلي،  والمهم في هذا التنبيه الداخلي أن يستقر في الذهن العربي وفي النفس العربية، أن الخطر الصهيوني هو الخطر الأعظم على الكيان العربي، الأخطار الأخرى تتوجه إلى بعض أجزاء هذا الكيان ونواحيه، أو تشمل العالم العربي وسواه من أجزاء المعمورة، أما هذا الخطر فهو موجه إلى الكيان العربي بذاته، بمجموعة، بأسس وجوده،فكل ما سواء هين بالنسبة إليه، ويمكن أن يتسامح به، أو يؤجل حله، في سبيل دفع هذا الخطر الأشد الأشمل وصيانة النفس منه. هذا ما يجب أن يوضع أمام الشعب العربي، مسنودا بالأرقام والوقائع، وهذا ما يجب أن يستقر في ذهن حكامنا وعامتنا، هذا ما يجب أن نلخصه في أفكار قاطعة وعبارات محكمة، ونلقنه أبناءنا وطلبة مدارسنا صباح مساء،هذا ما يجب أن تنصرف إليه أولا دوائر الدعاية في حكومتنا، مستخدمة الصحف والراديو وكل  سبيل آخر من سبل النشر، لتنمي في نفوس العرب أجمعين هذا الإحساس بالخطر، بالخطر الأعظم، الخطر الفريد، كي يكون كل فكر من أفكارنا وكل عمل من أعمالنا متأثرا بهذا الشعور وصادرا عنه، فإذا قوي هذا الإحساس قويت معه إرادة الكفاح، هذه الإرادة التي لا تزال، مع الأسف، ضعيفة فينا، فكفاحنا في هذه المعركة كان، على العموم ، كفاح متصنع متمهل، لا كفاح مستميت، كأن الجهاد كان فرض كفاية لا فرض عين...هذه التعبئة الحسية الإرادية، هي، في نظري، الركن الأول للجهاد لدرء الخطر الصهيوني الجسيم.

   أما الركن الثاني فهو التعبئة المادية في ميادين العمل كلها:هو تجنيد قوى الأمة الحربية بكاملها، وتوجيهها إلى ميدان الصراع، وبجانب التعبئة الحربية، التعبئة الاقتصادية، فهي العصب الحساس والمورد الراوي، ولا أظن أن الشعوب العربية ، إذا تفهمت حقيقة الخطر ،تحجم عن التضحية بما يجب في سبيل هذه التعبئة ،ومع التعبئة الحربية والاقتصادية تجري التعبئة السياسية : في الداخل لتوحيد أغراض الدول العربية وسياساتها ، وفي الخارج لاستمالة الدول الأجنبية .

 وعملية التأثير في الرأي العام ليؤثر بدوره في حكوماته عملية طويلة المدى، ولذا ، فمع حاجاتنا إلى تقوية هذه الدعاية وتوسيعها استعدادا للمعارك القادمة وللحرب الطويلة، فأن جل جهدنا في هذه المعركة الحاضرة يجب أن ينصرف إلى الاتصال بالحكومات ذاتها، والتكلم بلغة المصلحة لا بلغة الحق والعدل، وتعبئة جميع قدرتنا على المساومة، في هذه السبيل، هذه التعبئة لقوانا السياسية يجب أن تمشي يدا بيد وتنظيم مع تعبئة مواردنا الحربية والاقتصادية بل جميع نواحي حياتنا،هذا إذا أردنا النجاة والبقاء، وبالعكس، فان الاستهتار والتهاون في هذه التعبئة العامة سيودي بنا إلى شر مما أودى ببعض دول أوروبا الكبرى في الحرب الأخيرة، ومرد هذا الاستهتار، بلا جدال، إلى ما أشرنا إليه سالفا، من عدم الإحساس بالخطر إحساسا كافيا، وبالتالي عدم تنمية الإرادة الواجبة للكفاح والنضال. لقد أصبحت الحرب اليوم حربا شاملة، لا تقتصر على الجنود في ميادين القتال بل تتعداهم إلى الشعب بكامله، ولا تكتفي بجانب من موارد الأمة، بل تتطلب تجهيز هذه الموارد بكاملها، وقد فهم أعداؤنا هذه الصفة الأساسية من صفات الحرب الحديثة، فاعدوا للأمر وعبأوا له جميع مواردهم في الميادين كافة.

  ومن البديهي أن هذه التعبئة في كل من الدول العربية لا تكفي إذا لم تتوحد جهود هذه الدول إلى مدى أبعد مما بلغته في الأدوار السابقة من هذه المعركة، ولذا فالركن الثالث للجهاد الحاضر هو تحقيق أكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية: في ميادين الحرب، والسياسة، والاقتصاد، وسواها،ولا ريب في أن هذا التوحيد مقيد – كما قلنا – بأوضاع هذه الدول ومصالحها وأطماعها ومخاوفها، ولا يمكن أن يحقق على وجهه الصحيح إلا بتبديل عميق شامل، ولذا فهو يدخل في نطاق الحل الأساسي لقضية فلسطين، بل للقضية العربية بكاملها، وثمة ركن رابع للجهاد العربي الحاضر: هو اشتراك القوى الشعبية في النضال، فالجهاد يجب أن لا يقتصر على الحكومات وعلى الجيوش النظامية، بل يجب أن يسري إلى عموم طبقات الشعب ، بحيث يقوم كل فرد من أفراد الأمة بقسطه منه .

 سيقال : ولكن الحرب الحديثة غير الحرب القديمة، وهي تتطلب من أساليب التدرب والتمرس على استخدام أدوات القتال الميكانيكية ما يعجز عنه المقاتل غير النظامي، وأن مثل هذا المقاتل قد يعيق في أحيان كثيرة العمل الحربي بدلا من أن يساعده ويقويه .

   على أن اختبار الأمم في الحرب العالمية الأخيرة التي استخدمت فيها أشد أنواع الأسلحة، وأكثرها ضخامة وتعقيدان دل على أن القوى الشعبية، إذا أحسن تنظيمها، تستطيع أن تكون للجيوش النظامية سندا قويا، بل أن تأتي في بعض الأحيان بالضربة الفاصلة . 

ومن أركان الجهاد العربي الحاضر لحفظ فلسطين استعداد العرب للمساومة، وللتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر، فمن الضروري أن نشعر أننا لم نبلغ بعد من القوة والسلطان درجة تسمح لنا بنيل مطالبنا وتأمين مصالحنا كلها دفعة واحدة، وإننا مضطرون للتضحية بأشياء في سبيلغيرها، وأن للدول الكبرى في بلادنا مصالح هامة يمكننا أن نساوم عليها لبلوغ غاياتنا، فلم يعد بالإمكان في هذا العصر الذي تشابكت فيه حياة الدول، أن تحل أية أمة مشاكلها بالاستقلال عن الأمم الأخرى ، ودون تبادل في المصالح والمنافع.

   تلك هي في نظري، الأركان الخمسة للجهاد الحاضر: الإحساس بالخطر وإرادة الكفاح، والتعبئة العامة، والتوحيد بين جهود الدول العربية، وإشراك القوى الشعبية، والمساومة الدولية الواعية، هذه وسواها شروط أساسية لنجاح مسعانا العاجل في رد الخطر الصهيوني وحفظ كياننا القائم منه،وهي ضرورية بسبب التحول الذي طرأ على المشروعالصهيوني ، وما أصابه من التقدم في الآونة الأخيرة .

الحل الأساسي

  وينتقل الدكتور زريق من قراءته لأركان المعالجة الملحة والعاجلة للنكبة، إلى الحل الأساسي والاستراتيجي للنكبة والمواجهة العربية – الصهيونية ، فيقول :إن محاربة الصهيونية لاستئصال جذورها والتغلب التام عليها، لا تتم في معركة واحدة، بل تتطلب حربا مديدة الأفق بعيدة الأجل،ولنسارع إلى القول – بكل صراحة وإخلاص – إن هذه الحرب لن تؤدي إلى نصر العرب ما داموا في وضعهم الحاضر، وأن جل ما يستطيعون تحقيقه في هذا الوضع هو اتقاء شر الصهيونية الآني، وحماية ما يمكن حمايته من الكيان العربي،أما الغلبة التامة النهائية على هذا الشر، فسبيلها غير هذا: سبيلها تبدل أساسي في الوضع العربي، وانقلاب تام في أساليب تفكيرنا وعملنا وحياتنا بكاملها . 

  أن ما أحرزه الصهيونيون من نصر – ولن ينكر هذا النصر إلا متغافل متعام – ليس مرده تفوق قوم على قوم،  بل تميز نظام على نظام، سببه أن جذور الصهيونية متأصلة في الحياة الغربية الحديثة، بينما أننا نحن لا نزال في الأغلب بعيدين عن هذه الحياة متنكرين لها، سببه أنهم يعيشون في الحاضر وللمستقبل، في حين أننا لا نزال نحلم أحلام الماضي ونخدر أنفسنا بمجده الغابر .

 الخطر الصهيوني، بل كل خطر اعتدائي علينا، لا يرده إلا كيان عربي قومي متحد تقدمي، فإنشاء هذا الكيان هو الركن الأول للجهاد العربي البعيد، ولا يتم – كما قلت – إلا بانقلاب أساسي في الحياة العربية، ومن هنا كان الجهاد الخارجي دفع الأخطار الاعتدائية مربوطا بالجهاد الداخلي لإقامة الكيان العربي السليم، بل موقوفا عليه ومرهونا بنجاحه . 

 ترى، أيحق لنا أن نقول أن ثمة وطنا عربيا ؟، إذا عنينا بالوطن الجبال والأنهار، والسهول والشواطئ، فهو موجود بلا شك، منذ أن نزل العرب ديارهم الحاضرة، أما إذا عنينا به – كما هو الواجب والصحيح – تغلغل معنى الوطن في الذهن العربي، وتولد الإرادة لحمايته وإعلاء شأنه واطراد تقدمه، فلا !

  وسؤال آخر : هل ثمة أمه عربية ؟، إذا أردنا بهذا اللفظ – كما هو الواجب والصحيح – أمة موحدة المنازع، محققة الإمكانيات، تتوجه للمستقبل، وتفتح عينها للنور، وصدرها للخير، أنى كان مصدرهما، فلا !

ف  ما هي ، إذن ، صفات هذا الكيان العربي الذي يجب تحقيقه ؟

 أولى هذه الصفات الاتحاد: أي أن ينتظم العرب في دولة اتحادية توحد فيها سياستهم الخارجية والاقتصادية، وقواهم الدفاعية ، على أن هذا الاتحاد وحده لا يكفي، بل هو نفسه لا يتم إذا لم يتحقق للعرب شرط آخر أساسي: هو التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري، ولذلك وصفنا الكيان العربي القومي المتحد المنشود بأنه أيضا تقدمي .

 إن الكيان العربي القومي المتحد التقدمي الذي يتضمن، كما قلنا، الحل الأساسي لقضية فلسطين بل للقضية العربية كلها، سيبقى حلما وإمكانية، ما لم يتحقق أولا في نفوس الفئة المناضلة من أبناء الأمة – وعلى رأسها الزعامة الحقيقية المتولدة منها – ثم في النظم التي تنتظم بها هذه الفئة، والأحزاب والمؤسسات التي تنشئها .

  إن الانقلاب الأساسي في وضعنا الحاضر، الذي فيه حل قضية فلسطين والقضية العربية بمجموعها، مرهون بمدى ما تقطعه فئاتنا المناضلة في هذه الطريق، وبنوع الزعامة التي ستتولد منها في جهادها هذا، ولعل هذه الفئات ستجد أن أول ما يتطلبه هذا الانقلاب انقلاب في ذاتها، وذهنيتها، وطرق تفكيرها وعملها، فالثورة، ما لم تبدأ في النفس وعلى النفس، لا يمكن أن تنتهي إلى الغير، أو أن يكون لها أي أثر في  المجتمع،فلتنظر فئاتنا المناضلة في نفسها بهذا المنظار، ولتحاسب نفسها هذا الحساب، فالموقف فاصل، والنتائج حاسمة، وقوى الحياة لا ترحم . 

وفي النهاية لن يصيبنا.. ولن نصيب... إلا ما نستحق ! 

 وهكذا نستخلص بموضوعية كبيرة، أن الأفكار والخطوط الجوهرية التي وضعها وشدد عليها الدكتور زريق فيما يتعلق بأسباب الهزيمة والنكبة، وأركان المعالجة والحل للخروج من هذه الهزيمة، ما تزال حية سارية المفعول، ملحة حتى يومنا هذان رغم انقضاء عقود على طرحها، فالنكبة مستمرة،وتفاعلاتها وتداعياتها مستمرة، والصراع مع الخطر الصهيوني محتوم واستراتيجي، ويطرح بإلحاحية بالغة،التقدم العربي نحو حل أساسي استراتيجي جذري .