تألّفت الحكومة بعد طول مخاض. رافق هذا المخاض كلام كثير وصراع عنيف حول استحقاق، أو بالأحرى، إستملاك كل فريق ووضع يده، كحقّ مكتسب، على أكبر عدد ممكن من أهمّ الحصص الوزارية الوازنة، والسيادية، والخدماتية "الدسمة" (لا الوزارات التافهة، الخفيفة، غير المهمّة معنويا وماليا وغير اللائقة بمقام الزعيم وطموحه)، بحسب عظمة كل زعيم من خلال وزنه وحجمه الشعبِيَّيْن. كان من الواضح والفاضح جدا أن الأولوية في هذا المخاض الطويل والصعب، هي، كالمعتاد، للسلطة والقوة والسيطرة، ولكمّية "الدسم" في كل وزارة ("البقرة الحلوب")، لا لخدمة الشعب الذي يتفاخرون، فقط، بحجم تمثيلهم له.

               والحكومة، اليوم، بصَدَد إعداد بيانها الوزاري، وهو بمثابة خارطة طريق لسلوكها المستقبليّ. وليس سرا أنه في رأس اهتماماتها موضوع الإقتصاد وموضوع الفساد.

               لقد أثبتَ زعماء وساسة لبنان، العِتاق والجدد، بما فيه الكفاية، أنهم يجيدون فذلكة الأمور والكلام البليغ، وهجاء الخصم السياسي، ومديح الذات والفخر، ويجيدون تحدّي بعضهم البعض، والردّ على التحدّي، بنبرات عالية، وبكبرياء، وبمبالغات ملحمية. كما أنهم يجيدون افتعال المشاكل والضجيج والكيدية وتسجيل المواقف على مسرح السياسة وأمام عدسات التصوير وتسجيل الأصوات للإعلام المرئيّ والمسموع (لعلهم يدخلون ذاكرة وكتب التاريخ من أبوابه العريضة)، ثم الخلود إلى الهدوء والسكينة والهدنة المؤقتة، ريثما يختلقون، من أجل تجديد النزاع، أسبابا وأعذارا أخرى جديدة، تتعلّق، كالمعتاد، بمصالحهم المالية المقدّسة، وعظمتهم الذاتية التي لا تُمّسّ، لا بمصلحة وعظمة شعب الوطن كله. أما الإتفاق الدائم بين السياسيين على مسألة خدمة الشعب، كما يفرضه الواجب الأخلاقي، فهذا شيء لم يحصل أبدا حتى الآن، ويبدو أنه لن يحصل في المستقبل المنظور وغير المنظور.   
         
               كل لبناني محبّ لأرض وشعب وطنه، مهما شكّ بنوايا الساسة وإخلاصهم وقدراتهم على خدمة الشعب، ومهما فقد الثقة بهم، ومهما غضب وعتب عليهم، بعد أن لُدِغَ من جحرهم مرات كثيرة، يظلّ يتمنّى، في أعماقه، ولو تمنِّيا غير فَرِحٍ ودون حماس كبير، بأن تنجح الحكومة في تحقيق أهدافها التي سوف يتضمّنها البيان الوزاري، في مجال خدمة الشعب وتأمين حياة كريمة تليق بجميع أبنائه، وتأمين ازدهاره وحمايته من شرّ الفقر، ومن شرّ أعدائه الكثر المعروفين، الذين يهدّدونه كل يوم بتدمير لبنان وبإعادته إلى العصر الحجري.

               يهمّنا، هنا، موضوع الفساد، فساد أخلاق السياسيين (وحلفاء المال والأعمال والتجارة والمصارف والإعلام)، واستغلالهم للسلطة من أجل تحقيق مكاسب مالية شخصية، لا علاقة لها بخير الشعب. هذا الفساد تنتقل عدواه، بسرعة عظيمة، إلى الشعب اللبناني، الذي، بمعظمه، يتخذ زعماءه كمثال أعلى له، ويتأثر، بسهولة، بهم.

               إنّ روح الفساد، بكل ما تعنيه من كبرياء وغرور وكذب وخداع وطمع مريض للمال والسلطة والقوة، هي، في الحقيقة، "أمّ" كل المشاكل الأخرى، المهمّة، المقلقة للشعب اللبناني وحده، لا لزعمائه: خيانة الساسة للوطن مع أعداء الوطن ومدّعي محبته من دول الخارج، وضدّ مصلحة الشعب اللبناني، والإثراء غير المشروع، وكسر القوانين وتسييس القضاء، كهرباء، مياه، غذاء، تلوث، بيئة، أمراض، دواء، فقر، بطالة، هجرة، غلاء معيشة، ضرائب، جريمة، سرقة، نازحون، إلخ... 

               حتى اليوم، يُحْكى عن الفساد بشكل مبهم، لا عن الفاسدين. لا أحد يسمّي الفاسدين بأسمائهم، ويدلّ عليهم بوضوح وجرأة. حصل ذلك مرّة واحدة، بشكل موثَّق، منذ عدة سنوات، من قبل فريق ضدّ فريق آخر، ثم، وبسحر ساحر رهيب، مجهول الهوية، نُسِيَ الأمر كلّيا، ولم يكن للقضية، بعد أن بدأ المواطنون يستبشرون خيرا ويتنفّسون الصعداء، أية ملاحقة في الإعلام أو مع القضاء.

               إن بعض الإعلاميين يذكرون، من وقت إلى آخر، وبشكل خاطف ودون ملاحقة، أسماء بعض الساسة، ويُبرِزون لوائحَ بأسماء عائلاتهم وثرواتهم واستثماراتهم، وكأنهم يحاولون إثارة الشبهات حولهم، دون تسميتهم بالفاسدين، والشعب يعرف الكثير عن هذه الأمور ويتساءل: من أين لهم هذا؟ ويتهكّم، قائلا: طبعا، من عرق جبينهم. ولا يجد غير كلمة "فاسدين" لكل الذين أثروا بسرعة رهيبة، مشبوهة، بين ليلة وضحاها، في ظروف غامضة وغير قانونية، داخل لبنان و/أو خارجه، وبنوا القصور والقلاع، واشتروا عقارات شاسعة وأسهما ضخمة في شركات معينة، ويملكون يخوتا وطائرات خاصة، وجيوشا خاصة، وسيارات مصفّحة، وأرصدة مصرفية في لبنان وأوروبا. الغريب أن النيابة العامة والقضاء لا يتحرّكان أبدا نتيجة هذه المعلومات-الإخبارات، ليحققوا مع مُرَوِّجيها ومع المُتَّهَمين. والشعب سرعان ما ينسى هذه الامور، وهو منهمك في تحصيل لقمة العيش. إن قانون "من أين لك هذا" المعروف والقديم (منذ ستينات القرن الماضي) في لبنان، بَقِيَ، حتى الساعة، حبرا على ورق، ومادّة للتهكّم والتسلية بين أبناء الشعب، وللتشهير المُتَبادَل بين السياسيين.

               أين نذهب من هنا؟

               الإتهامات بالفساد كثيرة، والمتَّهَمون كثر. الفساد يعني الطمع بالمال المؤدي إلى مغامرة الإثراء غير المشروع وبأي ثمن، ولو على حساب الآخرين. وهذا الإثراء يصبح جريمة كبرى حين يحدث داخل الحكم، مترافقا مع فرض ضرائب مرتفعة على الشعب الفقير، ومع فراغ خزينة الدولة من المال، وعدم القدرة، مثلا، على إتمام المشاريع الحيوية والعمرانية (كهرباء، مياه، سدود، مستشفيات، مدارس، بيوت عجزة...)، أو على تأمين ضمانات صحية للشعب، أو على تسليح الجيش تسليحا كاملا لمجابهة تهديدات وخطر العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه.

               إن الزعماء والساسة ليسوا بملائكة. قانون "من أين لك هذا" لم يُطَبَّق أبدا فيما مضى، ولا يمكن أن يُطَبَّق، اليوم. القضاء مُسَيَّس، أي يخضع لسلطة السياسيين. وكل سياسي أو زعيم له قضاؤه الخاص المدافع عنه مهما فعل ومهما خالف القوانين. إن الدولة مجموعة دول لزعامات طائفية تحت ستار الأحزاب، والوطن مجموعة أوطان لهذه الزعامات.

               إلى متى سوف نظلّ نسمع نغمة محاربة ومحاكمة الفاسدين، وهم في ازدياد مخيف، ومستقوون في الحكم وشعبيا، ومدعومون من حكومات الخارج، وهم دائما سعداء، لا خوف من عقاب يقلق بالهم أو يعكّر صفوَ عيشهم؟

               كم يتمنى الشعب لو يتوقّف دعاة الإصلاح عن ترداد هذه النغمة. إن الشعب مقتنع تماما بأنه سوف لن يتحقق أية محاربة للفساد وأية محاكمة للفاسدين. وهو يردّد بكثرة: من منكم بلا خطيئة؟

               ما العمل إذاً؟

               كل ما يمكن لهذه الحكومة (التي نرجو أن تكون وأن تبقى موحّدة بعد الإنتهاء من صياغتها للبيان الوزاري) أن تفعله، من الآن فصاعداً، هو أن لا تنجرف وتبالغ في إعطاء الشعب وعودا، هي نفسها تعرف بأنها لا تستطيع أن تفيَ بها. كل ما يريده الشعب من حكومته هو أن تؤمّن له حقوقه بحياة كريمة، آمنة. من المفيد جدا، لا شك، أن يقرأ الوزراء والنواب والرؤساء وكل الساسة القدامى والجدد، شرعةَ حقوق الإنسان، قراءةً متمعِّنة. 

               أما فيما يتعلق بمحاربة الفساد، فلتبدأ الحكومة بترداد وممارسة القول اللبناني المشهور: عفا الله عمّا مضى. هذا ما فعلته حكومات لبنان منذ الإستقلال حتى اليوم، بعد كل أزمة حكم عنيفة بين الزعماء، وبعد كل صدام دموي بين أبناء الشعب. عليها أن تنسى تعليق المشانق للفاسدين، كما يشتهي البعض، وتتصرّف بواقعية وحكمة.

               قبل كل شيء، محاربة الفساد وملء خزينة الدولة التي أفرغها الساسة، لا ينبغي أبدا أن يتمّا على حساب الشعب بزيادة الضرائب عليه. هذه جريمة كبرى لا تُغتفَر. 

               على الحكومة، إن استطاعت، أن تبدأ، على سبيل المثال، بأن تفرض فرضا وقف ومنع هدر المال العام وصرفه في غير محله (مباني الوزارات مبعثرة في كل مكان ببدل إيجار ضخم)، ومنع المناقصات المشبوهة والصفقات والعمولات، ومراقبة دقيقة لتلزيمات المشاريع على أنواعها، وفي كل مراحل تنفيذها.

               وأيضا، عليها بوقف ومنع الرشوة، من أية جهة أتت، في كلّ المراكز الحكومية. 

               وعليها، قبل كل شيء، إطلاق حرية القضاء المُكَبَّلَة على يد الساسة، وإعادة الإعتبار له في ممارسته لرسالته المقدّسة في إحياء العدل، أساس المُلْكِ الصالح. 
 
               وأما التوظيف العشوائي للأزلام والمحاسيب في الدولة، فينبغي أن يتوقف فورا، لأنه معروف من الجميع أن ثمّة فائضا مخيفا بالآلاف لموظفين غير منتجين ولا حاجة للدولة لهم، قد حصلوا على وظائفهم ب"الواسطة" من قبل الزعيم. هم سبب من أسباب هدر المال العام، وعبءٌ ثقيل على خزينة الدولة، التي يموِّلها الشعب الفقير بتعبه وعرق جبينه. لا لزوم، ربما، لطردهم وقطع رزقهم، ولكن، على الأقل، كلما شغرت وظيفة، لا لزوم لملئها، حتى الوصول إلى حالة من الإكتفاء بما تحتاج الدولة إليه من الموظفين الفعّالين.

               وإن أراد الساسة والزعماء أن يحققوا معجزة عظيمة، غير مُتَوَقَّعَة لا من الشعب ولا من ملائكة السماء، معجزة تشكل صدمة مؤلمة لأبالسة الجحيم، وصدمة إيجابية للشعب اللبناني، فيمكنهم أن يبدأوا، مثلا، بالتفكير الجدّي بالتخلّي عن قسم من رواتبهم وضماناتهم ومُخَصَّصَاتِهِمْ وتعويضاتهم الخيالية، وعن إعفاءاتهم من دفع الضرائب، من أجل ملء خزينة الدولة وتمويل المشاريع المنعشة للشعب الذي انتخبهم ليمثلوه في الحكم، والذي وعدوه بأنهم سوف يخدمونه. هذه معجزة نعلم جيدا بأنها لن تحصل أبدا، كما حصلت، من قبل، معجزة اتفاقهم المؤقت، فقط، على زيادة رواتبهم لا رواتب الشعب، وعلى التمديد لولايتهم مرتين، وتمديد تعاسة الشعب إلى أجَلٍ غير مُسَمَّى. 

               نعود لنكرّر السؤال: 

               ما العمل بالفاسدين في السياسة والحكم؟ 

               الشعب اللبناني، في الحقيقة، لا يفرح برؤية الساسة الفاسدين مذلولين في المحكمة وفي السجن، ولو كان بعض المواطنين يتمنّون ذلك ويردّدون، في لحظة غضب وشماتة، أنّ كل السياسيين فاسدون، وهم يستحقون الشنق. إن لبنان، ساعتها، إن شئنا التهكّمَ قليلا في هذا المقام، ربما يفرغ من الساسة والزعماء. ولكنْ، وهنا جدّية الموضوع، إنْ حصل (في حلم الدولة الفاضلة، دولة القانون والمؤسسات) أية إدانة لأي زعيم أو سياسيّ بالفساد، وأية محاولة لإجباره على ردّ المال المسروق، فإنّ أزلامه وأتباعه وأقاربه سوف يرفضون ذلك، وسوف ينتفضون ويواجهون الدولة حتى بقوة السلاح، ويشعلون الحرب الأهلية بسرعة البرق (إنّ إهانة الزعيم أو التهكم عليه، في لبنان، كافية لإشعال حرب أهلية). وبالنتيجة، لن يتوقف الفساد. من ناحية أخرى، إن الساسة يعرفون بعضهم بعضا بشكل جيد. وسوف يسارعون إلى نبش ملفات كل من يحاول نبش ملفاتهم. وتنتهي القصة بلفلفة كل الملفات، وبالتسويات. كما قلنا منذ لحظات، لا ملائكة بين السياسيين، في لبنان. 

               لعلّه (ولو كنا نحلم، لا بأس) يأتي يوم لا يكون بعيدا، يقول فيه جميع الساسة والزعماء لبعضهم البعض:

               "تعالوا نتفاهم، بعيدا عن الفضائح التي تطالنا جميعا. عفا الله عمّا مضى. فلنبدأ، من الآن فصاعدا، أن نساعد بعضنا بعضا، بدءًا بأنفسنا، على التخفيف من الفساد شيئا فشيئا حتى محوه كليا، وعلى تشجيع ونشر روح ثقافة التواضع والقناعة والنزاهة والثقة المتبادَلَة والمحبّة، واحترام القوانين، والإخلاص لشعب الوطن بأسره، والوحدة الوطنيّة، من خلال التربية المدنية والأخلاقية الدائمة برعاية الدولة والأهل والمعلمين والمرشدين الروحيين ووسائل الإعلام".

               في كل الأحوال، أعفا الله والشعب والساسة عمّا مضى أم لا، أَبَدَأَتْ محاربة الفساد مسيرتها الطويلة مع الحكومة الجديدة أم لا، فإنه، مهما يكن من أمر، من واجب الشعب أن يتوحّد (لا خيار آخر له) لأن مصيبته واحدة، ومعاناته واحدة، ومصيره واحد، وألّا يتعب وييأس من المطالبة الدائمة، بصوت واحد، ودون حقد، بمحاربة الفساد والفاسدين من الساسة وحلفاء المال على أنواعهم، بالإنتقاد البنّاء وبالكلمة الطيبة، الفعّالة، في الإعلام، وبالتظاهر السلميّ في الشارع، وصولا حتى إلى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب، إن تمادى "أبناء" الدولة الأبديون في التساهل مع الفاسدين، في الحكم وخارجه، وفي غضّ النظر عنهم، أو في مشاركتهم بالفساد.
 
               لن يُحقِّق الشعب أيّ نجاح في تحركه ضدّ الفساد، إن لم يكن مُوَحَّدًا، وإن ظلّ مُشَتَّتًا، لاهثا وراء زعمائه، عابدا ومطيعا لهم.

               إن بداية محاربة الفساد والقضاء عليه، تبدأ، في الحقيقة، بصندوق الإقتراع. فليعرف الشعب، قبل كل شيء، كيف يختار ممثليه في الحكم دون أن يخضع لإغراءات المال وروابط صلات الرحم والمذهب والعِرق والطائفة، وكيف يراقبهم بدقة وهم في الحكم، وكيف يحاسبهم على أدائهم، فيعاقبهم بالتوقف عن انتخابهم، إن هم خانوا الأمانة، ويكافئهم، إن هم أخلصوا له، بإعادة انتخابهم.

               الخلاصة البسيطة في نهاية المطاف:
 
               على الشعب اللبناني ألّا يوقف نضاله لحظة واحدة من أجل تحرير نفسه من عبودية جهله ومخاوفه وتعصّبه الأعمى للعائلة والطائفة والزعيم، ومن عبودية الساسة. وعليه ألّا يثق ثقة عمياء بتوبة ساسته (مع كل محبته لهم) عن ممارسة الفساد، بين ليلة وضحاها، إن سمعهم يردّدون: عفا الله عمّا مضى. فليعفُ الشعب عن خطايا زعمائه، بمعنى أن يتجنّب الحقد عليهم. وليحكمْ على أعمالهم، لا على نواياهم الطيبة وأقوالهم المعسولة. وأخيرا، فليعلم الشعب اللبناني أنّ الأوان قد آن ليفهم ويقتنع نهائيا، وبعد كل التجارب القاسية، المريرة، التي مرّ بها وعانى منها هو وحده لا مسبِّبوها، أي زعماؤه، بأنّ خلاصه الوحيد من تعاسته ومآسيه المتكرّرة من جيل إلى جيل، إنما هو بيده، إنِ اتّحَدَ، وبيده وحده.

تعبر هذه المقالة عن رأي الكاتب حصراً