لا يسعُ اللبنانيين، وهم، طيلة تسعة أشهر، يتابعون، بكثير من الإمتعاض والقرف، مسرحيات السّاسة في تمثيلية مخاض تأليف الحكومة، وما رافقها من حمم براكين متفجّرة من غضب وتحدّيات وشتائم وكيدية وألاعيب وكبرياء، وتقاتل على تقاسم حصصهم من الشرائح الشعبية المضخَّمة، نتيجة تمثيل أقلّ من نصف الشعب اللبناني (متناسين كليا الأكثرية الصامتة التي تمثل أكثر من نصف الشعب اللبناني والتي امتنعت عن التصويت في الإنتخابات الأخيرة)، وعلى تقاسم حصصهم الوزارية المُستَحَقّة تبعا لأحجامهم الشعبية، أجل، لا يَسَعُ اللبنانيين إلّا أن يتهكّموا، ولو بمرارة (وشرّ البلية ما يضحك) على الممثلين البارعين (دون استثناء) في خلق أجواء مأساوية للشعب على خشبة مسرح كثير الكواليس، وإقحام حكومات الخارج فيها. ثم يكمل اللبنانيون التهكّم بعد الولادة العسيرة، واجتماعها لصياغة البيان الوزاري، حين يأتي من يعلن، بفخر واعتزاز، للشعب، بأن البيان الوزاري قد أُنجِزَ بسرعة قياسية رهيبة، خلال ثلاثة أيام. والتهكّم يبلغ ذروته حين أُعلِنَ إسم المولود الجديد، ألا وهو حكومة "إلى العمل".

               طبعا، اللبنانيون المتهكّمون وغير المؤمنين بساسة لبنان (تاريخهم يشهد على فشلهم في خدمة الشعب اللبناني)، يتمنّون النجاح لتلك الحكومة، ويتفاءلون بالخير، ولكنْ بحذر وتحفّظ شديدَين، لكثرة ما عانوا من خيبات أمل مع كل الحكومات السابقة. وهم باتوا يتشوّقون إلى أن تصدمهم الحكومة بإنجازاتها (وهم على أتمّ الإستعداد لاحتمال الصدمة الإيجابية بفرح كبير)، في حال نجاحها في مهمة حلّ المشاكل المتراكمة والعقد الكثيرة المستعصية، من أجل تحسين حياة الشعب اللبناني وحمايته. 

               أمّا أتباع وأزلام وعابدو زعماء الطوائف في الحكم، من شعب وإعلاميين من كل الفئات (وهم دائما، للأسف الشديد، الأكثرية الفاعلة في ترجيح كفّة الإنتخابات النيابية الطائفية)، المتفائلون تفاؤلا أبديا ما دامت آلهتهم في الوجود وفي الحكم، فإنهم، مع زعمائهم، يعبّرون بحماس مُبالَغٍ فيه (هم أنفسهم لا يصدقونه وغير مقتنعين به) عن تفاؤلهم (المصطنع) بقدرة حكومة "إلى العمل" على العمل من أجل خدمة الشعب اللبناني. 

               في الوقت الذي كان وما زال يتباهى فيه زعماء الطوائف بضخامة حجمهم وثقل وزنهم الشعبيَّين، وعظمة تمثيلهم لأقلّ من نصف الشعب اللبناني، كان وما زال الشعب اللبناني برمّته، حتى الأتباع والأزلام (طبعا، باستثناء الساسة وحلفاء الدين والمذهب والمال من أصحاب المصارف والتجار والأعمال)، ينوء ويئنّ تحت حجم وثقل همومه المعيشية والأمنية والصحية والغذائية. هذه الهموم صنعها له زعماؤه القدامى والمُسْتَحْدَثون، على مدى سنين. وزعماؤه هم من صُنْعِ الشعب الذي يجدّد انتخابهم، في صندوق الإقتراع، بإسم الطائفة والعائلة وعراقة التقليد، حتى لو فشلوا في خدمته وأمعنوا في جلده واضطهاده، وحرمانه من أبسط حقوق الإنسان بالحياة الكريمة التي تعني تأمين التربية له والعلم والطبابة والعمل وحرية الفكر والتعبير والشيخوخة المُكَرَّمَة والإزدهار والأمن.

               من الطبيعيّ أن يتهكّم الشعبُ الواعي وغير التابع ولا العابد لأحد، على الزعماء الذين انسحروا والتهوا بالإثراء السريع واقتناء الممتلكات، ولم يقدّموا له شيئا ممّا يحتاجه، وأن يشكّ بحسن نواياهم وإراداتهم وقدراتهم على تحسين ظروف حياته.

              صحيح أنه من واجب الشعب إعطاء هذه الحكومة الفرصة الكافية لإثبات صدق نواياها بالأعمال. ولكن، في نظر الشعب المقهور، الحكومة ستبقى مُتّهَمَة بالفشل سلفا في خدمة الشعب حتى تثبت أنها بريئة. فليكن، إذاً، شعار "إلى العمل" شعارا حقيقيا، صادقا، من خلال ثمار الحكومة الجيدة. غير أن المُتَوَقَّع، بحسب حدس الشعب وتقارير خبراء الإقتصاد، حتى الآن، هو نية الحكومة بإغراق الشعب الفقير وحده، بمزيد من الضرائب، لإيفاء الديون المستحيل (بالإضافة إلى الديون القديمة المتراكمة تراكما مخيفا نتيجة الإستدانة) من قروض مؤتمر "سيدر" تحت ستار مساعدات، وحقيقة الأمر هي المزيد من رهن لبنان، أي الشعب اللبناني، لمشيئة الخارج. وإضعاف جيشه ومقاومته. إن أصحاب المصارف اللبنانيون هم وحدهم الرابحون، كالمعتاد، وحلفاؤهم أقطاب الساسة المتحمِّسون جدًّا للقروض، بحسب الخبراء الموضوعيين، الذين حدّدوا مكامن ارتفاع الضرائب ونسبة الإرتفاع، مع ما يرافق ذلك من خصخصة للقطاع العام وتخفيض للأجور والرواتب في القطاع العام، في تطبيق كامل وغبيّ لمقترحات شركة "ماكنزي" الكارثية، ودائما بحسب خبراء إقتصاد من ذوي الكفاءة الذين لا يستشيرهم المسؤولون في الدولة بشيء، ولا يعيرونهم أي اهتمام. 

               ومع ذلك، يسعى الساسة جاهدين لكسب ودّ وثقة الشعب، وطمأنته على مستقبله الزاهر، وإغداق الوعود عليه بقرب موعد سكناه في جنات النعيم.

               إن الساسة، كما يبدو، متفقون اليوم، فقط، على زيادة الضرائب على الشعب الفقير، وعلى سلخ جلده، بعد أن اختلفوا وتقاتلوا على كل شيء، لفترة تسعة أشهر. فليُعطَوا الفرصة لحمل مسؤولياتهم، بعد نيل ثقة المجلس الأكيدة، ولكنهم سوف يظلّون في عين الشعب، هم والمجلس النيابي، غير أبرياء أبدا، حتى إثبات العكس. 

              المتفائلون من أبناء الشعب هم أحرار في اختيارهم. ولكنْ، فليتواضعوا قليلا، وليحترموا شركاء الوطن الصامتين (لا بل فلينضموا إليهم) الذين لا يستطيعون أن يثقوا بأحد من الساسة، وإن وثقوا بعض الشيء بأحدهم، فدون حماس، ودائما مع توقّع الأسوأ. من تعوّد على خيبات الأمل لا يشعر بالإرتياح إذا وثق مجدّدا بمن خذله وخيّب أمله مرات عديدة. ولا يشعر بأنه من الحكمة أن  يُلدَغَ الإنسانُ من الجحر عينه أكثر من مرة. 

               إذاً، الشعب اللبناني كلّه في حالة إنتظار، اليوم. الحكومة المستعدة للعمل سوف تطلب ثقة المجلس النيابي في الأسبوع المقبل، بناءاً على نقاش ما يتضمنه بيانها. سوف تحصل حكومة الأغنياء على ثقة أغنياء المجلس النيابي، ثم على ثقة أغنياء لبنان الكثر وأصحاب المصارف، لا شكّ. ولكنْ، هل تحصل الحكومة على ثقة الشعب الفقير (مصدر السلطات الذي لا سلطة له) المُهَمّش، المتفرّج، الحزين، والمنتظر، دون أمل كبير، للفرج على يد الساسة؟

          إن الساسة، في الحقيقة، لا يهمّهم الحصول على ثقة الشعب. إنهم متأكدون من أن أزلامهم وعابدوهم لا ينتقدونهم ولا يحاسبونهم، وينزهونهم عن كل عيب، وسوف يعيدون انتخابهم من جديد مهما فعلوا. 

          في نهاية المطاف، إن الأكثرية الصامتة ينبغي أن توحّد نفسها، وتستعد لمرحلة الإنتخابات القادمة. ينبغي أن تخرج عن صمتها وحرَدها، وتربح هي الرهان، رهان الديمقراطية الحقيقية، الحرّة، هذه المرّة، لا عابدو الأصنام. وعليها أن تحضّر نفسها أيضا للتظاهر السلمي والعصيان المدني (من يدري؟) مع كل أبناء الشعب اللبناني المجروحين والمعذَّبين. سوف يبقى الوضع، دون هذه الوحدة في التحرّك والقيادة، على حاله من جيل إلى جيل.

تعبر هذه المقالة عن رأي الكاتب حصراً