نستخدم كلمتي «الوعي» و«اللاوعي» جزافًا في مختلف جوانب حياتنا اليومية، وكأن الكلمتين تعبران عن شيءٍ محدّد فعلًا ومتفق عليه، وكأنهما بالتأكيد دالّتان على حالتين منفصلتين تمامًا وواضحتي المعالم. لكن إلى أيّ مدى يتباعد الوعي عن اللاوعي وما طبيعة العلاقة بينهما إن كانا موضوعين مستقلّين؟

يتناول هذه الأسئلة «بيتر هاليكن» البروفيسور الفخري في قسم علم النفس العصبي في جامعة كاريف في المملكة المتحدة، و«ديڨيد أوكلي» بروفيسور علم النفس في جامعة لندن وذلك في مقالهما المنشور مؤخرًا على موقع «The Conversation».

ما هو الوعي إذن؟

تتردد كلمة «الوعي» على الكثير من الألسنة ولكنها مفردة مفتوحة على الالتباس والغموض. نعرف جميعنا كيف يكون الحال أثناء الوعي، يعني هذا المفهوم في الأساس كوننا واعيين مع العالم ومتجاوبين معه. وبالمثل، نملك جميعنا فكرة عامة عن كيفية عمل الوعي، أو بالأحرى مفهومًا مشتركًا من «الحسّ العام» لكيفية عمله.

لكن يمكن إرباك الحسّ العام بسهولة. فكّر في هذه الأسئلة على سبيل المثال: إذا شعرتَ بألمٍ في الساق المبتورة، أين الألم بالفعل؟ إذا قلت أنه في عقلك، هل كان سيوجد بعقلك لو لم يتم بتر ساقك؟ وإذا قلت نعم، فما السبب الذي جعلك تعتقد دائمًا أنه لديك ساق من الأساس؟

أحد أسباب الالتباس والخلط عند شرح «الوعي» يأتي من «الحسّ العام» والحسابات الرسمية التي تؤطّر دراسات الحياة العقلية. فكما يشرح المقال تُناقش هذه المواضيع عادة من منظور التقسيم الثنائي بين العمليات القصدية الواعية مقابل العمليات اللاواعية واللاإرادية-وتقع العمليات الأخيرة خارج نطاق وعينا. على سبيل المثال، عند المشي يكون لدينا حالة من الإدراك الواعي بنيّة ذهابنا إلى مكانٍ معين، ومع ذلك فإن وضع قدمٍ أمام الأخرى يكون عملًا غير واع.

إذا شعرتَ بألمٍ في الساق المبتورة، أين الألم بالفعل؟ إذا قلت أنه في عقلك، هل كان سيوجد بعقلك لو لم يتم بتر ساقك؟ وإذا قلت نعم، فما السبب الذي جعلك تعتقد دائمًا أنه لديك ساق من الأساس؟

بناءً على هذا، يعتبر معظمنا الوعي –إدراكنا الذاتي- مسؤولًا عن تكوينِ أفكارنا وضبطها، وكذلك الأمر بالنسبة لذكرياتنا وأفعالنا. وندرك بنفس الوقت أن بعض هذه العمليات النفسية تجري خارج نطاق وعينا. عندما نلتقط قلمًا مثلًا، قد نعرف ما سنكتبه بشكلٍ عام لكن اختيار وصياغة الكلمات الفردية هي عمليات غير واعية بالمجمل.

يأتي العامل الرئيسي وراء هذا التقسيم التقليدي من اعتقادنا القوي بوجودِ سببية تربط ما بين إدراكنا الذاتي مع تجربتنا اليومية ولكونِها تبدو مسيطرةً على أفكارِنا ومشاعرنا وأفعالنا. لكن على مدى المائة عام الماضية، بدأ الشكّ يظهر بشأن هذا التقسيم الثنائي بفضلٍ مجموعةٍ متنامية من الأدلة. يشير المقال لوجود اتفاق متزايد الآن بأن معظم محتويات عملياتنا النفسية –إن لم يكن كلها- يتشكّل في الواقع خلف الكواليس بجهودِ أنظمةٍ دماغيّةٍ لا واعية سريعة وفعّالة.

الطبيعة اللاواعية للوجود

حاجج الكاتبان في مقالٍ سابق أن تجربة الوعي –أو تجربة الإدراك الشخصي- بالرغم من أنها حقيقية بلا شك، لكنها بالضبط مجرد «وعي»، لا أكثر ولا أقلّ. وهما اليوم يقدّمان مقترحًا جديدًا مفاده بأن الأنظمة الدماغية تخلق الوعي بالفعل، لكن لا يوجد علاقة سببية ما بين الوعي والعمليات الذهنية ولا هو المتحكّم بها. حقيقة أن الوعي الشخصي يرافق محتويات الرواية الشخصية مقنعة بصورة سببية، لكنها ليست بالضرورة وثيقة الصلة بفهم وتوضيح العمليات النفسية الداعمة لها.

ببساطة: نحن لا نختار أفكارنا ومشاعرنا بصورةٍ واعية، نحن نصبح مدركين لها.

يورد الكاتبان في هذا المجال اقتباسا لجورج ميلر –أحد مؤسسي علم النفس الإدراكي- يساعد في هذا الحالة. حينما يستدعي المرء شيئًا من الذاكرة «لا يعطي الوعي مؤشرات عن الموضع الذي أتى منه الجواب؛ فالعمليات التي أنتجته تابعة للاوعي. إن نتيجة التفكير -وليس عملية التفكير- ما يظهر تلقائيًا في الوعي».

وبالعمل بناءً على هذا المفهوم، يقترح الكاتبان أن الإدراك الشخصي –التجربة الحميمية المميزة الدالة على حالة الوعي- هو بنفسه مجرد نتاج لمعالجة اللاوعي. رصد عالم النفس الاجتماعي الرائد «دانييل ويگنر» هذه الملاحظة على أجودِ ما يكون حين كتب: «تخلق آليات اللاوعي كلًا من الفعل والفكرة الواعية حول الفعل، وتنتج أيضًا إحساسًا بالإرادة نختبره من خلال إدراك الفكرة باعتبارها مسبب الفعل».

معظم محتويات عملياتنا النفسية –إن لم يكن كلها- يتشكّل في الواقع خلف الكواليس بجهودِ أنظمةٍ دماغيّةٍ لا واعية سريعة وفعّالة. ويذهب علماء نفس إلى أن الفعل والفكرة الواعية حول الفعل تنشأ من اللاوعي.

يذهب الكاتبان إلى أنّ كلًا من التجربة الذاتية للوعي (الإدراك الشخصي) وما يرتبط بها من عملياتٍ نفسية (الأفكار والمعتقدات والأفكار والنوايا وغير ذلك) نتاج عمليات اللاوعي وذلك يتسّق مع حقيقة أن أنظمة الدماغ التلقائية اللاواعية تضطلّع في جميع عملياتنا البيولوجية الأساسية (مثل التنفس والهضم) بشكلٍ كفؤٍ يعوّل عليه وغالبًا دون أن نكون مدركين لها.

يقول الكاتبان أيضًا أن اقتراحهما يتسّق أيضًا مع الملاحظة المرصودة على نطاقٍ واسع في العلوم الطبيعية-وخاصة علم الأعصاب. ففي هذا المجال أولوية الوعي ليست شائعة بقدر ما هي في علم النفس، ولا يفترض أن التصميم المعقد والذكي في الكائنات الحية ناجم بأيّ شكل عن العمليات الواعية. بدلًا من ذلك، يعتقد أنه نتاج العمليات التكيفيّة المتراكمة عبر الاصطفاء الطبيعي.

ترك التقسيم والمضي قدمًا

إذا كنّا بالفعل «موضوعات من صنع اللاواعي»، فإن الاستمرار في وصف الحالات النفسية على أساس الوعي واللاوعي لم يعد مجديًا. إذ أنه يحدّ من الفهم النظري للعمليات النفسية. وعلاوةً على ذلك، إذا كانت جميع العمليات النفسية ومنتجاتها تعتمد على أنظمة اللاوعي، يجب علينا إذن إعادة النظر بمسألة وجود عمليات تلقائية للدماغ وعمليات مضبوطة. قد يكون من الأفضلِ وصفها بأنها اختلافات في استمرارية المعالجة اللاواعية، بدلًا من اعتبارها أنظمة بديلة وفقًا للكاتبين.

لا يُعفي هذا الاقتراح من الواقع المتشارك بالحسّ العام لتجربة المرء الشخصية والنوّعية، ولا من النتائج السابقة لعلم الأعصاب الإدراكي. لكنه كما يؤكد الكاتبان، يوفّر فرصة للحدّ من بعض الارتباك الناجم عن استخدام مصطلحيّ «الوعي» و«محتويات اللاوعي» إذ يستمرّ كلاهما بالإشارة ضمنًا إلى وجود دور وظيفي للوعي في التمييز بين العمليات النفسية.