بدأ ترامب حديثه عن صفقة القرن في معرض دعايته الانتخابية قُبيل فوزه برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ فرؤية الرئيس الأمريكي القادم لكيفية حماية الكيان الصهيوني، وتعزيز تفوّقه واقتداره، وتقديم كامل الدعم السياسي والعسكري والإستراتيجي له أضحت إحدى أهم مُحددات دعم اللوبي الصهيوني لأي مرشّح وحصوله على أصوات الناخب الأمريكي. ومنذ ذلك الحين وبعد أنْ أصبح ترامب سيد البيت الأبيض تصدر بعض التصريحات منه ومن معاونيه ومسؤولي إدارته عن الإشادة بهذه الصفقة كوصفة سحرية لإنهاء الصراع (الفلسطيني الإسرائيلي - العربي الإسرائيلي) بشكل نهائي وبات.
          وعلى الرغم من الحديث عن صفقة القرن إلا أنه لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي حتى الآن، ويبقى جميع ما ذُكر في الفضاء الإعلامي هو من باب التسريبات لبعض بنودها، دون الكشف الكامل عن تفاصيلها النهائية رسمياً. وتكفّلت الصحافة الصهيونية بالكشف عن أهم تلك البنود، وتحدثت عن رؤية هذه الصفقة لقضية القدس والعاصمة، وحق العودة واللاجئين، وتبادل الأراضي والمستوطنات، وشكل الدولة الفلسطينية ويهودية الكيان، وملف التطبيع، والتكتل الإقليمي في مواجهة إيران.
          من خلال متابعة جميع هذه التسريبات وقراءة ما يجري على الأرض وما هو حاصل فعلاً، ندرك أننا أمام صفقة أهم ما تتميز به هو تنفيذ أكبر قدر منها قبل الإعلان الرسمي عنها؛ بمعنى أنه حتى يتفضّل ترامب وإداراته اليمينية المتطرفة على العالم بإعلان صفقة القرن للسلام في الشرق الأوسط ستكون بنود هذه الصفقة أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه، فجميع حلول القضية الفلسطينية منذ عام 1948 في أروقة المجتمع الدولي هي حلول أمر واقع، لا تستند أبداً إلى قوة الحق الفلسطيني، وإنما تسير بمنطق حق القوة في فرض أي معادلة على حساب الشعوب وحقوقهم الأصيلة.
          بعض العرب يصرخون، لا نريد هذه الصفقة بهذا الشكل، صفقة القرن لن تمر، صفقة القرن صفقة فاشلة، ترامب عاجز عن تنفيذ صفقة القرن أمام الصمود الفلسطيني والرفض العربي!! هذه الشعارات المستهلكة سنبقى نرددها ردحاً من الزمن، وسنكتشف بعدها أنه لا يوجد حرف في هذه الصفقة لم يُصبح واقعاً!! رفضنا وعد بلفور 1917 وأصبح أساس قيام كيان صهيون، رفضنا قرار تقسيم 1947 ويتمنى بعض العرب الآن لو أننا قبلنا به، رفضنا اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل 1949 والآن 161 دولة في العالم تعترف بهذا الكيان، وأصبح من معاداة السامية التحدث عن فكرة إزالته من الوجود، رفضنا كامب ديفيد 1978 وعدنا جميعاً إلى الحظيرة سراً وعلانية نتغنى بإنجازاتها، رفضنا أوسلو 1993 وكل مخرجات الحلول هي بنت أوسلو وبنت عمها وأختها وخالتها وربيبتها!! رفْضُنا عاجز ذليل لا يقوى على الفعل المضاد.
          صفقة القرن تمر وتسير في دهاليز الجغرافيا والتاريخ والهوية والدولة والمقدسات والثوابت!! أعلن ترامب أنّ القدس الكاملة الموحّدة العاصمة الأبدية لإسرائيل، وتم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، ورصدت واشنطن ملايين الدولارات لتجهيز مبنى السفارة على يد شركة ثنائية أمريكية تركية رسا عليها العطاء. وأعلن الرئيس محمود عباس رغبته بدولة فلسطينية منزوعة السلاح، بلا جيش ولا عسكر ولا قوات حربية، واكتفى بمشروع شرطة تحمل الهراوات!! ومن المفارقة العجيبة أنّ في يوم تصريح الرئيس أبو مازن لنشطاء سلام إسرائيليين في مقر إقامته برام الله حول شكل دولة الحمائم، أعلن نتنياهو عن تسمية مفاعل ديمونا النووي في جنوب فلسطين المحتلة باسم شمعون بيريز، وصرّح قائلاً بأنّ قوتنا وسلاحنا هو الذي فرضنا في المنطقة، فإسرائيل يجب أن تكون وتبقى قوية فالضعفاء لا مكان لهم في هذا العالم!!
صفقة القرن ماضية وتسير برعاية سيدها ترامب وجوقة الكيانات الوظيفية العربية المُحاطة به!! ضوء أخضر أمريكي في استمرار الكيان ببناء مستوطناته في القدس والضفة الغربية، وتأييد أمريكي لقانون القومية اليهودي العنصري وواجهته بتثبيت يهودية الدولة، ووزير الحرب الصهيوني ليبرمان يصرّح بلقاءات عربية صهيونية في تل أبيب، ونتنياهو يُحدثنا عن حلمه الذي تحقق بعلاقات واسعة مع الدول العربية منها ما ظهر للعلن، وما خُفي أعظم وأكبر!! وتحالف يعزز فكرة إيران هي العدو المركزي في الشرق الأوسط، ورعاع دول وأحزاب ومنظمات ومثقفين وكُتّاب وإعلاميين ومشائخ وعباءات تنتظر لحظة الإنقضاض على النمر الإيراني!!
وليس آخر بنود صفقة القرن التي تجري مياهها العَكِرة من تحت أرجلنا؛ إعلان الخارجية الأمريكية يوم الجمعة الماضي إيقاف الدعم الأمريكي الشامل والكامل لوكالة الأونروا، والتي كانت تدعمها بأكثر من 300 مليون دولار سنوياً، أي ما يُعادل ثلث ميزانية الوكالة. وتصريح واشنطن بوجوب إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، وحصر المفهوم بخمسمائة ألف فلسطيني فقط من أصل خمسة ملايين، يعني شطب 90% من اللاجئين الفلسطينيين، والعمل على توطينهم في أماكن تواجدهم في لبنان وسوريا والأردن، وخلق معادلات قاتلة في الإقليم.
ماذا بقيَ من صفقة القرن لم يجرِ تمريره؟! ألا يكفي الكيان الصهيوني في هذه المرحلة شطب ملفي القدس واللاجئين بشكل نهائي، وإزاحتهما عن طاولة أي مفاوضات قادمة؟! يا سادة.. طاولة مستديرة تنتظرنا لا مفاوضة فيها لنقول عنها حياة!! لا يلزمنا سوا ريشة وورقة فارغة يرسم بها فنان اللوحة الأخيرة خارطة الوطن ويستبدل بها حروف النور الفلسطينية بكلمة (شَلُوُم بَهَمْدِينَاتْ هَإِسْرَائَيل)!!

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه