موجز النشأة التاريخية للتعليم في لبنان :

أوائل  القرن السابع عشر  بدأ  إنشاء أولى المدارس الخاصة في لبنان  بتشجيع من البطريركية المارونية ومن ثَم انتشرت مدارس الإرساليات الأجنبية التي لم تكن متاحة إلا للقادرين مادياً على دفع تكاليف التعليم المرتفعة ، بينما انتشرت الكتاتيب الدينية التي تولى التعليم فيها  رجال دين درّسوا  أبناء القرى  مباديء اللغة بالإضافة للدروس الدينية مقابل ما كان يجود به أهل التلامذة على المدرسين من إنتاج مواسمهم بدلاً من النقود التي لم تكن متوفرة لدى فقراء القرى والبلدات . 

في القرن الثامن عشر   تولى العديد من رجال الدين تعليم  من يرغب  في غرف ملحقة بمنازلهم  أو في المساجد عند المسلمين وفي الأديرة عن المسيحيين بدون مقابل معتمدين على التبرعات من المقتدرين ، واستمر هذا الوضع حتى  بداية القرن العشرين حيث بدأت تنشأ المدارس الخاصة التابعة مباشرة لجمعيات دينية  وانتشرت  بداية في بعض المناطق وما لبثت أن توسعت لتشمل معظم المدن والأقضية وأشهرها  مدارس المقاصد الإسلامية والمدارس الكاثوليكية  ومنذ خمسينات القرن العشرين برزت عشرات المدارس الخاصّة التي توزعت في المدن وضواحيها ، وهي تنقسم إلى قسمين :
1_مدارس خاصة نصف مجانية تتقاضى من التلامذة أقساطاً من المفترض أن قيمتها لا تتعدى الحد الأدنى للأجور ، كما تتلقى من الدولة  مبلغاً مماثلاً عن كل تلميذ من الصف الأول الأساسي وحتى الصف السادس أساسي ، الغالبية العظمى من تلك المدارس  تحصل على مبالغ أكثر بكثير مما يتوجب لها من المالية العامة للدولة وذلك من خلال تزوير الوقائع ورشوة بعض المفتشين الموكلين بالتفتيش على تلك المدارس للتأكد من إلتزامها القوانين المفروضة من قبل وزارة التربية بخصوص عدد التلامذة وأعمارهم وكذلك بخصوص الهيئة التعليمية التي وفي غالبية  تلك المدارس لا تحصل إلا على رواتب متدنيّة وأفرادها  لا  يسجّلون في صندوق التعويضات ولا في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي كما أن معظمهم لا يتقاضون رواتباً  إلا عن تسعة أشهر  أو حتى  عن ثمانية أشهر ولكنهم مجبرين على التوقيع على أنهم تقاضوا كامل حقوقهم حسب القوانين وإلا يطردوا  من المدرسة ، وبما أن البطالة تنتشر لا سيما في صفوف الخريجين من الجامعات وبأعداد كبيرة ، لذا فمن يلتحق للتدريس في تلك المدارس يلتزم الصمت ولا يجرؤ على البوح بحقيقة الوضع حينما يُستدعى للسؤال  من قبل المفتشين .

والمدارس الخاصة النصف مجانية تُلزم طلاّبها على شراء الكتب والقرطاسية والثياب المدرسية من نفس المدرسة وبالأسعار التي تحددها إدارتها.
والمبالغ التي تتلقاها تلك المدارس من مالية الدولة هي مبالغ طائلة تصل إلى حوالي 115مليار ليرة لبنانية سنوياً ، حيث أن عدد التلامذة الذين تدفع عنهم الدولة للمدارس المجانية بلغ حوالي 125 ألف تلميذاً حسب إحصاءات المركز التربوي للبحوث والإنماء للعام الدراسي 2015/2016 .
2_ المدارس الخاصة الغير مجانية والتي تُموّل من  الأقساط التي يدفعها أولياء التلامذة ، وقسم كبير من هذه المدارس يمتلكها أفراد أو جمعيات أو مؤسسات كل منها يمتلك عشرات المدارس وهي موجودة في جميع أنحاء لبنان حتى في العديد من القرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب  والمدن تعُج بأمثال تلك المدارس التي يتفنّن أصحابها بإنتقاء إسمائها لا سيما الأسماء الأجنبية أو  الدينية بهدف جذب  أكبر عدد من الطلاب وبعض الأفراد  يمتلكون عدّة مدارس  ، وبلغ عدد المدارس والجامعات الخاصة 2499 مدرسة وجامعة حسب إحصاءات المركز التربوي للبحوث والإنماء للعام الدراسي 2015/2016.

وتترواح الأقساط في المدارس الخاصة ما بين ال 3ملايين ليرة الى10 ملايين ليرة سنوياً وفي بعضها يتجاوز هذا الرقم بكثير، إضافة إلى ثمن الثياب والقرطاسية  التي تصل الى أكثر من مليون ليرة عن كل طالب في بعض تلك المدارس.

السبب الذي من أجله يلجأ الأهل الى المدرسة الخاصة لتعليم أبنائهم :
-جميع الحكومات المتعاقبة شجعت التعليم الخاص ودعمته ومنحته  حريّة شبه مطلقة منذ نشأته في القرن الماضي ، وعندما فرضت وجود لجان للأهل في كل مدرسة بهدف مراقبة الميزانية العمومية للمدرسة ، أقدمت غالبية المدارس على إحتواء هذا القرار من خلال تعيين لجان شكلية ودون موافقة غالبية الأهل ومن يتم إختياره في تلك اللجان يتم إحتواؤه من إدارة المدرسة حيث يُعفى من  قسم من أقساط أبنائه .
- عدم الإهتمام اللازم والكافي بالمدارس الرسمية لا من حيث البناء ولا من حيث التجهيزات  ولا الكادر التعليمي الذي بغالبيته العظمى من المتعاقدين لا سيما في التعليم الأساسي والذين يتقاضون رواتب متدنية ولا ضمانات أو تعويضات لهم إلا  بعد تثبيتهم  هذا إذا تمّ ذلك .
ولا بد من الإشارة إلى أن العديد من المدارس الرسمية لا سيّما في القرى مبانيها مستأجرة وغير صالحة  لتكون مباني مدرسيّة .

لهذه الأسباب فقد المواطنون ثقتهم بالتعليم الرسمي ، مع العلم أن العشرات من المدارس الرسمية يُشهد لها بالكفاءة .
 جورج زريق الذي أحرق نفسه علّ ضمير  الجشعين يصحو.

الكثيرون أدانوا  المواطن جورج زريق  الذي أحرق نفسه بسبب إصرار  إدارة المدرسة الخاصة على عدم إعطائه إفادة لإبنته إلا بعد تسديده القسط  ، والقلّة هم الذين أدانوا الحكومة المسؤولة عن النظام التعليمي الفاسد في لبنان .
المضحك المبكي أن بعض السياسيين المسؤولين في الحكومة سعوا لإكتساب شعبية من خلال  استغلالهم للحادث حيث أعلنوا عن تعهدهم بتعليم أبناء الضحية "ضحيّة النظام الفاسد" على حسابهم، وكأن على فقراء الشعب اللبناني أن يحرقوا أنفسهم لأجل  ان يتعلّم أبناؤهم .