بينما عادت السياسة الفلسطينية إلى النشاط خارجياً، سواءً على خط رام الله ـــ الرياض، أو الفصائل ــــ موسكو، يستمرّ التداول «الفتحاوي» الداخلي في مستقبل الحكومة الجديدة والوضع التنظيمي، من دون حسم لأي من الملفات

رام الله | لا تخلو جلسات رام الله السياسية والعشائرية من الحديث في ملف الحكومة الفلسطينية والشخصيات المتوقع تولّيها رئاسة الوزراء. ففي حين دعا «المجلس الثوري لحركة فتح» (في بيان ختامي لجلسات استمرت ثلاثة أيام) إلى أن يكون المنصب استحقاقاً لعضو في «اللجنة المركزية لفتح»، دعت فصائل وشخصيات مستقلة إلى التمهّل، مفضّلة أن تكون الحكومة «حكومة وحدة وطنية»، وهو ما أجبر رئيس السلطة، محمود عباس، على التريث، والتخلّي عن فكرة المواعيد النهائية، كمنتصف الشهر المقبل بوصفه موعداً أخيراً لقسم اليمين أمامه.

حتى الآن، تدور الأسماء حول كلّ من نائب رئيس «فتح» محمود العالول، ومحمد اشتية وصبري صيدم وروحي فتوح وناصر القدوة وعزام الأحمد وصائب عريقات (جميعهم أعضاء في «المركزية»)، إلى جانب مدير «صندوق الاستثمار» محمد مصطفى، ونائب رئيس حكومة «الوفاق الوطني» السابقة زياد أبو عمرو، بصفتهما مستقلّين، فيما لم يغب اسم رامي الحمدالله نظراً إلى علاقته الجيدة بعباس، فضلاً عن دعم تيار قوي داخل «المركزية» لإعادة تكليفه وتجنيب الحركة صراعاً جديداً.
أما إسرائيل، التي لم تغب يوماً عن التفاصيل الفلسطينية الرسمية وغيرها، فنشرت عبر القناة العبرية العاشرة تقريراً في المدة الأخيرة عن القبض على اثنين من «المتورطين في تهريب أسلحة لمحمود العالول»، قالا في الاعترافات إنها ستُستخدم في معركة «الوراثة» بعد رحيل عباس. وبغضّ النظر عن الهدف من هذا التقرير، أعادت قضية تشكيل الحكومة الحديث عن هذه المعركة. لكن وفق «سوق الأسماء والأحداث» في رام الله، لن تطول أي معركة في هذا الإطار بسبب استقواء تيار العالول أخيراً على كل الجهات التنظيمية داخل «فتح».
وفي «المجلس الثوري»، الذي أخفق في إقرار النظام الداخلي للحركة خلال الجلسة الثالثة على التوالي، ينصّ النظام الذي يريد تمريره نائب رئيس الحركة على أن «منصب نائب الرئيس أعلى من منصب أمين السر الذي يحتله جبريل الرجوب»، كما ينص على أن «نائب رئيس الحركة (العالول حالياً) ينوب عن الرئيس في كل المناصب التي يشغلها وفق القانون والنظام»، وهو ما يعني أن نائب رئيس «فتح» سيصبح رئيساً لـ«اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير» في حال شغر المكان، وهو الأمر الذي لا يعارضه الرجوب فحسب، بل صائب عريقات نفسه لكونه أمين سر «التنفيذية»، وهو ينافس على مقعد رئيس اللجنة.

ثمة إجماع «فتحاوي» على خطوة قطع رواتب عمَّن هم خارج المنظمة


في هذه المعركة، سواءً لجهة الحكومة أو البيت «الفتحاوي» الداخلي، يغيب قطاع غزة كلياً، في وقت أرسل مسؤول الحركة في القطاع، أحمد حلس، رسالة «شديدة اللهجة» إلى أعضاء «المركزية»، طالباً فيها توضيحات منهم، وإلا سيتقدم باستقالته الفعلية من منصبه. وحالياً صار إرضاء غزة، وفق الكوتا المتبعة للوزراء والمناصب السيادية في الحكومة، أمراً غير مهم كما يظهر من تداول الأسماء، على أن تكون حصتها ثلاثة وزراء أو حتى اثنين، بشرط أن يسكنوا رام الله أيضاً.
من جهة أخرى، أجمع الكادر «الفتحاوي» في رام الله على فكرة أن يكون مال السلطة حصراً «لموظفي الشرعية الفلسطينية من منظمة التحرير من دون غيرهم»، مشيدين بقرار قطع الرواتب الذي طاول المنتمين إلى «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وتيار محمد دحلان، بداعي أن المذكورين يتقاضون رواتب ومخصصات من تنظيماتهم. وجاء تبرير غياب صوت غزة على أساس رفض العدو الإسرائيلي السماح لأعضاء «المجلس الثوري» من القطاع بالحضور، على رغم وجود مجموعة صغيرة محسوبة على العالول، لكنها تماهت مع الأطروحات حول الرواتب.
وبينما يُجمع المشاركون في الاجتماعات الأخيرة على أن من يحسم أسماء الحكومة ورئاستها الآن هو من سيحسم معركة «الوراثة» ويحكم السلطة، فجّر عضو «مركزية فتح»، جبريل الرجوب، مفاجأة بقوله في لقاء على «تلفزيون فلسطين» الرسمي، إن الحكومة «ستكون مسؤولة عن إدارة الوضع الداخلي في حال أي حدث»، الأمر الذي فسره كثيرون بتهديد من الرجوب فحواه إمكانية تولي أي من «زملائه» في اللجنة رئاسة الحكومة على اعتبار أنه «سيصبح الرئيس الفعلي» للسلطة، في الوقت الحالي أو إذا شغر منصب الرئاسة.

«الجهاد» ترفض التوقيع
ومع انتهاء محادثات الفصائل الفلسطينية في العاصمة الروسية موسكو أمس، أعلنت «الجهاد الإسلامي» رفضها التوقيع على البيان المشترك «بسبب بندين أساسيين، الأول متعلق باعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً من دون ربط ذلك بإعادة بنائها وتطويرها وفق اتفاق القاهرة 2005»، والثاني هو «إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967وعاصمتها القدس الشرقية». ويأتي ذلك في وقت نفى عضو وفد «حماس»، موسى أبو مرزوق، رفض الحركة التوقيع على «إعلان موسكو» أو التحفظ عليه، قائلاً في تصريح صحافي أمس: «نحن موافقون عليه (الإعلان) من أول كلمة إلى آخر كلمة».
في هذا الوقت، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن «الخطوات الأميركية الأحادية الجانب في القضية الفلسطينية تهدف إلى تدمير كل القرارات والأسس التي تم تحقيقها سابقاً»، مضيفاً خلال لقائه مسؤولي الفصائل أن «الانقسام الفلسطيني المستمر منذ عدة سنوات يعطي ذريعة للترويج لنهج الإدارة الأميركية». كذلك، قال «مدير معهد الاستشراق»، فيتالي نعومكين، الذي يستضيف المحادثات ، إن «تشكيل بنية فلسطينية موحدة ومنظمة سيدحض مبررات إسرائيل... تحقيق هذه البنية من شأنه جعل جميع الفصائل تلتف حول برنامج سياسي».

عباس يريد «دعماً سعودياً»
في سياق آخر، اجتمع عباس مع الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، في العاصمة الرياض أمس، قادماً من قمة «الاتحاد الأفريقي»، وذلك لبحث «مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية والتطورات السياسية، لاسيما في ظل الانتهاكات الإسرائيلية... والمؤامرات التي تحاك لتمرير ما يسمى صفقة القرن»، وفق بيان رسمي. وذكرت مصادر عبرية أن هناك خلافاً بين المملكة والسلطة في ما يتعلق بـ«صفقة القرن»؛ إذ «يرى السعوديون أنه يجب على إسرائيل تقديم تنازلات لتنفيذ الخطة، بينما تعتقد السلطة أن الخطة متحيزة إلى إسرائيل». 
في وقت متزامن، شنّ عضو «مركزية فتح» ومفوض العلاقات العربية فيها، عباس زكي، هجوماً حاداً على قطر، متهماً إياها بـ«مساعدة الاحتلال الإسرائيلي»، وواصفاً دورها في فلسطين بـ«المعصية». ونقلت صحيفة «البيان» الإماراتية عن زكي قوله: «من غير المعقول أن تأمر إسرائيل بإدخال الأموال إلى غزة وتأتي قطر لتنفذ، فما تقوم به قطر... مساهمة في حل المشاكل والأزمات التي تعاني منها دولة الاحتلال».

 

المصدر: الأخبار