يدخل السودان عامه الأخير قبل إجراء انتخابات رئاسية مقرّرة في عام 2020، في ظلّ احتجاجات مستمرة تطالب بإسقاط نظام الرئيس عمر البشير، ما يقلّل حظوظ الأخير الذي بات ترشّحه نقطة خلاف داخل حزبه الحاكم

الخرطوم | قطع حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم الطريق أمام أي مبادرات طُرحت أخيراً من قِبَل مجموعات حزبية أو كيانات قومية لإيجاد مخرج للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد في ضوء الاحتجاجات المستمرة منذ ثمانية أسابيع، معلناً بذلك عدم إمكانية القبول بحكومة انتقالية، وأن المخرج الوحيد للأزمة يمرّ عبر بوابة انتخابات 2020. لكن ثمة ما يؤشر إلى أن الصراع داخل الحزب الحاكم سيحتدم خلال الفترة المقبلة، مع اقتراب موعد الإعلان عن ترشيحات الحزب لمنصب رئيس الجمهورية، والتي من المفترض أن تتم خلال المؤتمر العام للحزب في نيسان/ أبريل.

إذ يتوقع مراقبون أن تشهد الفترة المقبلة تشكّل تحالفات داخل حزب «المؤتمر الوطني»، بين أجنحة لديها مصلحة حالياً في استمرار الرئيس عمر البشير مرشحاً للحزب، وتستخدم «فزاعة» المحكمة الجنائية في مطلبها، وبين أجنحة أخرى لديها أطماع ذاتية وتسعى خلف كرسي السلطة. وعلى ضوء ذلك، بات السيناريو الأكثر تداولاً الآن هو أن يكون البشير خارج معادلة حزبه في الانتخابات المقبلة، خصوصاً مع توجه الحزب إلى الدفع بمرشح آخر لمنصب رئيس الجمهورية في حال استمر الوضع السياسي على ما هو عليه حتى موعد الانتخابات. وهذا ما أكده مصدر مطلع من داخل الحزب في حديث إلى «الأخبار»، بالقول إن «المؤتمر الوطني يسعى إلى امتصاص غضب الشارع بالدفع بمرشح آخر غير البشير لمنصب الرئيس».
وبغية الوصول إلى ذلك، يبدو مفيداً الاستمرار في التمسك بأن السبيل الوحيد للحل هو صناديق الاقتراع، وهو ما أشار إليه أول من أمس، مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس حزب «المؤتمر الوطني» لشؤون الحزب، فيصل إبراهيم، عندما قطع الطريق أمام المبادرات التي تدعو إلى تكوين حكومة انتقالية، مشدداً على أن الشعب السوداني هو الذي يقرر من يحكمه عبر انتخابات 2020، داعياً في الوقت نفسه القوى السياسية إلى تقديم مشروع سياسي لكسب المواطنين. غير أن قيادياً في «المؤتمر الوطني» فضّل عدم ذكر اسمه، تبنّى في حديث إلى «الأخبار» رأياً مختلفاً، حيث اعتبر أن «أفضل خيار (للمؤتمر الوطني) ألا يقدم مرشحاً لرئاسة الجمهورية، وأن يدعم شخصية قومية مستقلة تضمن تحولاً وانتقالاً حقيقياً للسلطة».
وفي خطوة اعتبرها البعض دليلاً على أن رئيس حزب «المؤتمر الوطني» (البشير) لن يكون هو نفسه مرشح الحزب في الاستحقاق المقبل، يسعى الحزب إلى ضمان سلامة البشير بعد تنحيه، وذلك بالتعجيل بإجازة مشروع قانون في البرلمان يمنع ملاحقة الرؤساء بعد التنحي. التحرك داخل أروقة البرلمان، الذي يمتلك فيه «المؤتمر الوطني» غالبية، قبل اكتمال الأجل الزمني للدورة الحالية، لا يُنظر إليه بمعزل عن المبادرة التي دفعت بها ما تُعرف بـ«مجموعة 2020»، وهي مجموعة من الأحزاب السياسية المشاركة في «الحوار الوطني» والموالية للحكومة، وأبرزها حزب «منبر السلام العادل» الذي يرأسه الطيب مصطفى (تربطه صلة قرابة بالبشير). فالمبادرة التي تم تسليمها إلى رئيس البرلمان، تهدف في الأساس إلى عدم ترشيح البشير في الانتخابات المقبلة، وإبطال مشروع قانون تعديل الدستور الذي يسمح للرئيس بالترشح لعدد غير محدود من الدورات الرئاسية، والذي من المفترض أن يناقشه البرلمان في دورته المقبلة في نيسان/ أبريل. إلى جانب ذلك، نصّت المبادرة على تشكيل آلية لإنفاذ مخرجات «الحوار الوطني»، خصوصاً تلك المتعلقة بالحريات ومكافحة الفساد.
يرى مراقبون أن هذا التحرك المحموم داخل البرلمان يهدف إلى سنّ تشريعات دستورية من شأنها إفشال أي محاولة قد تقوم بها تيارات داخل الحزب لضمان تسمية البشير مرشحاً للحزب، لا سيما وقد سبق ذلك إجراء تعديل في النظام الأساسي للحزب خلال «مؤتمر شورى الوطني»، الذي التأم في آب/ أغسطس الماضي، ينصّ على أن يكون البشير مرشحاً للحزب في انتخابات 2020، وهو ما حدث حينها بإجماع أعضاء الشورى.
القيادي في «المؤتمر الوطني»، إسماعيل الحاج موسى، اعتبر في حديث إلى «الأخبار»، أن «المبادرات المطروحة الآن غير مقنعة ومرفوضة»، ووصفها بأنها «أضعف من أن تُحدث أثراً كبيراً في الأزمة»، بل إن بعض المبادرات وفق الحاج موسى «حدثت فيها شروخ ذاتية، وبدأ بعض أعضائها بالانسلاخ منها بعدما شعروا بعدم وجود قبول كامل لها، كما أن هناك مبادرات يتبناها أصحاب تجارب سابقة، وليس من الحكمة تجربتهم مرة أخرى». وبحسب موسى، فإن السبب الأساسي الذي أدى إلى نجاح ثورتَي تشرين الأول/ أكتوبر 1996 وأيار/ مايو 1985، هو «إعلان الجيش انحيازه لمطالب الشارع، حين كانت القوى القومية وقتها الوحيدة المسلحة، وعندما أعلنت انحيازها للشارع نجحت الثورة»، لكن هذا الأمر وفق القيادي في «المؤتمر الوطني»، «صعب الحدوث الآن، لوجود عدد من القوات التي تمتلك السلاح (الدعم السريع، والأمن، والردع بالإضافة إلى الجيش)، وإذا ما فكرت أي قوة في الانحياز لجهة ما، يعني ذلك حرباً أهلية».