بقلم: وليم ياسين عبد الله

 

بدأت الحرب تضع أوزارها، وبدأ الجنود بالعودة إلى منازلهم الواحد تلو الآخر... وقف أبو شجاع على قارعة الطريق ينتظر السيارات القليلة التي تخترق قريته الصغيرة علّها تقلّ أحد أبنائه إلاّ أنها كانت تتجاوزه بخجل كأنها تعتذر له عن خيبة انتظاره.
أصدرت القيادة العسكرية قراراً بتسريح أول دفعة من الجنود والتي كان ابنه الأكبر "شجاع" فيها، عاد الأحياء من الجنود إلى منازلهم وعادت ذكريات الموتى منهم إلى أراضي الليمون وحقول القمح، لم يأت ِ "شجاع" أبداً، سلّم الأب أمره لله وتقبّل قدره بكل إيمان وصبر، وعلم في سرّه أنّ ابنه البكر قد استشهد في معارك الصحراء، ولن يعود ثانيةً... 
كان أبو شجاع يخرج صباح كل يوم وينتظر عودة أبنائه من الحرب، ورغم معرفته بأنّ أخاهم البكر قد استشهد إلاّ أنه بقي ينتظره، وكيف لا ينتظره وهو كان يقول دائماً: "الأبناء البارّون لأرضهم لا يموتون وإن لم يعودوا عادت أطيافهم لتعيش خالدةً في أرضها التي نبتت منها".
تمّ تسريح الدفعة الثانية من الجنود وعاد الأحياء منهم إلى منازلهم وكذلك خرج أبو شجاع لينتظر ولده الثاني وبقي ينتظر أياماً وأسابيع دون أن يعود ابنه الثاني، لملم خيبته وعاد إلى منزله متأملاً صور أولاده الثلاثة وخِوَذهم الحديدية التي تركوها في المنزل خلال إجازتهم الأخيرة ظنّا منهم أنهم سيعودون بعد أيام قليلة لأن تغييرات في أماكن قطعهم العسكرية ستحدث.
لم تمض ِ أيام حتى بدأت الدفعة الثالثة بالتسريح، خرج أبو شجاع لاهثاً ينتظر على قارعة الطريق ابنه الأخير كي يعود، لم يعد يومها أي شاب إلى القرية، فالأحياء عادوا جميعهم إلى تلك القرية، حينها أدرك أبو شجاع حقيقة الفاجعة... أولاده الثلاثة لن يعودوا.
مضت الأيام وأبو شجاع لا يغادر منزله، يجلس أمام صورة أبنائه الثلاثة ويفكر هل يضع عليها شريطة سوداء أم لا، يطرد الفكرة من رأسه ومن ثم يتأمل الخوذ الثلاثة، ويتنهد بكل القهر الذي قد يمتلكه البشر... حتى قبورهم حُرِمَ منها.
حمل الخوَذ الثلاث وخرج إلى الأرض، ملأ الخوذ بالتراب وبذر فيها القمح لينمو، فكما تقول الأسطورة ، الشهداء لا يندثرون بل يتحوّلون إلى سنابل قمح بعد أشهر من موتهم.
لمحه الجار وهو يملأ الخوذ بالتراب فذهب بالسرعة القصوى إلى مخفر الشرطة -بدافع الحرص على الوطن- وأخبرهم أنّ أبو شجاع يتلف العتاد الحربي للجيش وهذه قضية فساد كبيرة يجب معالجتها فوراً.
توجهت الشرطة بالحال إلى منزل أبو شجاع وعاينت الأرض حيث دفن أبو شجاع خوَذ أبنائه ولم يتصرف عناصر الشرطة أيّ شيء لهول المنظر الذي أمامهم، بل عادوا ليخبروا الضابط بما رأوه والذي بدوره أجاب بهدوء:
-ابني شهيد وأنا أعرف شعور الأب الذي فقدَ شهيداً فكيف لو كانوا ثلاثة؟! اتركوه يعيش حزنه على أبنائه بالطريقة التي يريدها وسنرسل للجهات المختصة تصريحاً للسماح له بالاحتفاظ بخوذ أبنائه.
مع حلول شهر شباط، بدأت سنابل القمح تنمو وترتفع إلى السماء وقبل عيد الحب نام أبو شجاع إلى جانب الخوذ الثلاث وتكوّر بجسده حولها حتى بدت سنابل القمح كأنها تنمو منه..
حلّ الربيع سريعاً وامتلأت أرض أبو شجاع بمختلف أنواع زهور الربيع وطنين النحل يطرب الآذان، كانت الطيور تحطّ عند ثلاث خوذ مغطاة بسنابل قمحٍ تحيط بها جثّة متفسخّة نبتت فيها ورود الأقحوان.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه