لا أدري لماذا انفجر نديم، نجل الرئيس بشير الجميّل، وثار غاضباً أثناء كلمة ابن عمه سامي في البرلمان اللبناني، عندما لمّح نواف الموسوي بأن رئيساً لبنانياً كان قد جاء إلى قصر بعبدا على ظهر دبابة إسرائيلية؟

فوالد سامي الرئيس السابق أمين الجميّل تحدث عن تلك الفترة بالتفصيل ولم ينف ما هو معروف ومدوّن بالصوت والصور الكثيرة عن زيارة أخيه بشير لحيفا بحراً أثناء الحرب الأهلية والاتفاق مع الإسرائيليين على أن يدخلوا لبنان في صيف 1982 ويصلوا إلى بيروت لاقتلاع منظمة التحرير، ليصبح من بعدها طريق بشير سالكاً إلى قصر بعبدا، وقد حدث هذا فعلاً لولا أن أجهض حبيب الشرتوني ذلك المشروع الشاروني الكتائبي الذي أصبح معروفاً لكل الكرة الأرضية...

فلماذا يغضب نديم الجميّل إذاً من الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد بدلاً من أن يواجهها برجولة ويقول في العلن ما يخفيه في السر كما يفعل غيره؟

فها هم العرب الذين كانوا يتكتمون على حقيقة تحالفهم مع إسرائيل أصبحوا يجاهرون بذلك علانيةً، بل أنهم اختاروا يوم عيد قديس الحب لكي يتعانقوا في العاصمة البولندية في مؤتمر وارسو للعشّاق...

ولكن أنا سأقول لكم السبب الحقيقي لانفعال عائلة الجميّل وغضبهم عند سماعهم لاتهامات التحالف مع إسرائيل...

أنا لا أنكر أن بشير الجميّل كان يحب لبنان بصدق لا بل وكان يعشقه ويتغنى بأرزه وبحبات ترابه، ولكنها عقلية ابن زعيم المافيا...

فلبنان الذي أحبه بشير الجميّل هو لبنان الذي ينبغي أن تحكمه عائلة الجميّل وحدها دون غيرها، فهو يحب لبنان بنفس الوطنية (سمها ما شئت) التي أحب بها "دون كورليون" جزيرة صقلية، أي عن طريق تصفية خصومه من أجل تحقيق حلم أبيه في وصول أحد أبنائه إلى السلطة...

وبغير هذه السلطة، فإن بشير كان مستعداً للتحالف مع الشيطان الإسرائيلي وجلبه إلى عاصمته التي يدعي حبها ليقصفها ويدمرها فوق رؤوس أهلها لثلاثة أشهر قبل أن يدخلها في أيلول 1982...

وهنا أقول، إذا أنت سألت زعيم المافيا، لماذا تقتل، سيجيبك لأنه يريد أن يحمي عائلته في عالم من الذئاب، وكذلك إذا سألت آل الجميّل كيف يبررون تحالفهم مع إسرائيل، سيقولون لك أنهم سيتحالفون مع إبليس نفسه لحماية عائلتهم من الزوال...

فالجد الراحل بيير الجميّل كان ينحدر من عائلة إقطاعية أرستقراطية ثرية في أوائل القرن الماضي، وقد أسس حزب الكتائب عام 1936 متأثراً بالأحزاب الفاشية في أوروبا في تلك الفترة، حيث كان الجميّل كابتن لمنتخب لبنان لكرة القدم المشارك في أولمبياد برلين الشهير في ذلك العام - والذي قصد النازيون أن يبهروا به العالم - فعاد إلى لبنان مشدوهاً مما رأى، ليؤسس حزبه في نفس السنة ويقلد تلك الحركات السياسية في لباسها وطريقة أدائها للتحية وفي تنظيمها العسكري الكتائبي...

هذا التاريخ يدلنا على أن بشير الجميّل نشأ وتربى في بيتٍ سياسي صارم، معتقداً عن قناعة أن السلطة هي حق مكتسب لعائلته، ورثها كما يرث العرّاب لقبه ومنصبه في "باليرمو"...

فالحرب التي خاضها آل الجميّل لم تكن لحماية المسيحيين في لبنان والمشرق كما كانوا يدعون، إذ أن بشير وأبيه لم يتوانوا في مسعاهم للسلطة عن اغتيال خصومهم من المسيحيين قبل غيرهم من الطوائف، من أمثال آل فرنجية وآل شمعون وغيرهم من الضحايا المسيحيين الذين قتلوا على يد الكتائب والقوات اللبنانية خلال سنوات الحرب الأهلية... 

ولهذا فإن سبب غضب نديم وسامي اليوم هو ليس بسبب ذكر موضوع مجيء بشير الجميّل إلى قصر بعبدا على ظهر دبابة إسرائيلية، فهذه الواقعة لا تحرجهم كثيراً، وإنما ما يثير امتعاضهم وحنقهم هو أن ذلك المشروع الإسرائيلي لتسليمهم حكم لبنان قد فشل دون رجعة وانتهى وعفا عليه الزمن، وهذا هو ما يجعلهم يفقدوا صوابهم ويخرجوا عن طورهم كلما ذكّرهم الناس بتلك الحقائق التاريخية المعروفة للعالم أجمع...

في الختام، للأسف وبكل حزن أقولها، إلا أنني مقتنع بأن الحرب الأهلية اللبنانية لم تنته بعد...

كل ما حصل هو أن اتفاق الطائف كان بمثابة معاهدة هدنة بين الفرقاء لتثبيت التقسيم الطائفي للبنان وتدوينه في وثيقة ملزمة للأطراف، تماماً كما كانت عائلات المافيا الخمسة في نيويورك تجتمع بعد كل حرب لتبرم الهدنة من القتال وتتفق سلمياً على توزيع الكعكة فيما بينها بالتراضي، ولكن هذه الاتفاقات كانت تخفي وراءها أحقاداً لم تنته، ولذك كانت تفشل وتعود الحرب في العالم السفلي للجريمة لتندلع من جديد...

وكذلك فإن الحرب الأهلية اللبنانية لن تنتهي حقاً إلا عندما يتحرر اللبنانيون من سطوة هذه العائلات الإقطاعية على الحياة السياسية، وعندما يتخلصوا إلى الأبد من نظام الـ"كوزا نوسترا" اللبناني الذي قاموا بشرعنته في اتفاق الطائف...

بغير ذلك، أخشى فيما أخشاه أن الأحقاد القديمة لن تزول، وسيظل جمر الحرب الأهلية مشتعلاً تحت الرماد بانتظار من ينفخ فيه ليشعله من جديد...

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه