بقلم د. أحمد سمير

تمتلك أجسادنا ملايين الخلايا التي تحتاج إلى طاقة تساعدها على أداء وظائفها، وتؤدي عضيات صغيرة جدًّا تُعرف بـ"الميتوكوندريا" دورًا بارزًا في إنتاج هذه الطاقة؛ إذ يُطلَق عليها "مصنع الطاقة داخل الخلية الحية". ولكلٍّ من هذه العضيات جينوم خاص بها، ومنفصل تمًامًا عن الجينوم النووي للخلية؛ إذ تحتوي خلايا جسم الإنسان على جينومين: واحد في النواة، وآخر أصغر بكثير يوجد في عضيات الميتوكوندريا.

ولسنوات طويلة، ذهب الباحثون إلى أن "الحمض النووي لميتوكوندريا الأجنة"، يأتي من الأم فقط، ودون أي مشاركة من الأب. لكن دراسة حديثة نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS)، شككت في هذه النظرية، مشيرةً إلى "وجود عوامل وراثية مشتركة للميتوكوندريا تنتقل إلى الأجنة من الأب والأم معًا".

ووفق الدراسة التي شارك فيها باحثون من عدة دول، فإنه "بالرغم من أن القاعدة الأساسية تقوم على فكرة أن الأم هي مصدر توريث الميتوكوندريا لأطفالها، إلا أن التجارب التي أُجريت على 17 فردًا أكدت أن الأب يؤدي دورًا هو الآخر في توريث الميتوكوندريا، وهو ما يدحض فكرة أن الأمراض التي تحدث بسبب مشكلات الميتوكوندريا يتم تمريرها فقط عن طريق الأم، على عكس الأنواع الأخرى من الأمراض الوراثية التي يمكن أن تنتقل من الأب أو الأم على حدٍّ سواء.

ويرتبط أي خلل يصيب "الميتوكوندريا" باضطرابات معينة، مثل النوع الثاني من مرض السكري، ومرض باركنسون، والسرطان، والصفات البدنية العامة مثل طول العمر واللياقة البدنية، كما يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بمرض "ليبر"، الذي يتميز بحدوث اعتلال وراثي في العصب البصري، مما يتسبب في ضعف البصر لدى الطفل، و"متلازمة لي" التي تؤثر على وظائف المخ بشدة، عادةً خلال السنة الأولى من عمر الطفل.

بيت الطاقة

ويتكون جسم الكائن الحي من خلايا تحتوي بدورها على العديد من المكونات التي تُعرف بـ"العضيات"، تقوم بالوظائف المختلفة الضرورية لحياة الخلية. وتمثل "الميتوكوندريا" إحدى هذه العضيات، إذ تنتج ما يقارب 90% من الطاقة الكيميائية التي تحتاج إليها الخلية، ما منحها لقب "بيت طاقة الخلية". 

وبمعنى آخر، يمكننا القول بأنه في حالة إصابة الميتوكوندريا بشيء من العطب، فإن مسيرة إنتاج الطاقة ستتعطل، ما يترتب عليه حدوث العديد من الأمراض؛ إذ إنه "لا طاقة.. لا حياة".

وتتكون "الميتوكوندريا" من غشائين أساسيين، الأول غشاء خارجي "شبه نفَّاذ" يسمح بمرور بعض المواد دون غيرها، والثاني غشاء داخلي لا يسمح سوى بمرور الأكسجين وثاني أكسيد الكربون والماء، ويتكون من مجموعة من البروتينات، وكل بروتين يكون له دور محدد، بعضها يساعد على إنتاج مركب الـ(ATP)، الذي يوصف بأنه "عملة الطاقة في الخلية"، وبعضها يساعد في عملية الأكسدة والاختزال، التي تحدث في عملية التنفس الهوائي".

ويوجد بين الغشائين (الداخلي والخارجي) مادة "بينية" تُعرف باسم "ماتريكس"، وتحتوي على الحامض النووي"دي إن إيه"، والحمض النووي الريبوزي "آر. إن. إيه".

لكن عمل "الميتوكوندريا" يفرض عليها عدم الاكتفاء بالجينات الخاصة بها، وأن تتفاعل مع حوالي 1500 جين من الجينات الموجودة في نواة الخلية.

أدوار متعددة

لا يقتصر دور "الميتوكوندريا" فقط على إنتاج الطاقة؛ إذ إنها تنتج أيضًا مجموعة من المواد الكيميائية التي يحتاج إليها الجسم، وتعمل على التخلص من بعض المواد الضارة، كما تعمل على إعادة تدوير بعض هذه المخلفات من أجل توفير الطاقة. 

وليس هذا فحسب؛ إذ تؤدي هذه العضيات دورًا مهمًّا في موت الخلايا المبرمج، وهو الأمر الذي قد يبدو غريبًا، خاصةً أن "الميتوكوندريا" مسؤولة أساسًا عن البناء، لكن، وكما يقولون: "إذا عُرف السبب بطل العجب"، إذ إن هذه العملية نفسها ضرورية للبناء والنمو، إذ يتم من خلالها التخلص من الخلايا التي شاخت أو تلك التي خرجت عن السيطرة.

يقول "بالديب أتوال" -الأستاذ المساعد في قسم الجينوميات بمستشفى مايو كلينك، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة اعتمدت على استخدام طرق معتمدة لقراءة حروف الحمض النووي في الميتوكوندريا في الحالات محل الدراسة، وهذه القراءة تمت بشكلٍ متوازٍ في عدة معامل معتمدة من أجل التأكد من النتائج".

ويضيف "أتوال": وجدنا أن هناك وراثة مشتركة من الأبوين للميتوكوندريا في ثلاث عائلات مختلفة. ولم تكن هذه هي المفاجأة الوحيدة؛ إذ وجدنا أن الجينات التي تم توارثها من الأب كانت من نمط العامل الوراثي المسيطر (وهو النمط الذي يظهر فيه المرض على الأبناء إذا حصلوا على نسخة واحدة غير طبيعية من الجينات من أحد الأبوين).

ولا تُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف حالات تؤكد وراثة الأبناء لجينات الميتوكوندريا من الأب، إذ سبق أن نشرت دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" تقريرًا في عام 2002 تناولت فيه حالة شاب يعاني من اعتلال عضلي نتيجة طفرة في أحد جينات الميتوكوندريا. وتَبيَّن أن الحمض النووي الذي يحتوي على الطفرة تمت وراثته من الأب وليس الأم.

لكن "أتوال" يؤكد أن الفريق البحثي المشارك في الدراسة الجديدة لم يكتفِ بعرض النتائج، بل حاول أيضًا تفسيرها، مضيفًا أن "الحامض النووي الخاص بميتوكوندريا الأب يخضع لعملية انحلال للتخلص منه في أثناء الحمل، وهو ما قد يفسر وجود جينات الميتوكوندريا الخاصة بالأم فقط في الأبناء. لكننا نعتقد أن بعض التغيرات الجينية قد تتسبب في إيقاف عملية الانحلال تلك أو تثبيطها، وبالتالي تمرير جينات الميتوكوندريا الخاصة بالأب إلى الأبناء".

أمراض الميتوكوندريا

من جهته، يشدد "إبراهيم عبد الغفار" -مدرس الكيمياء الحيوية بكلية الطب في جامعة الأزهر- على أهمية الدراسة الجديدة، مضيفًا أن "القناعة بوراثة الأطفال لجينات الميتوكوندريا من الأم أدت إلى ظهور مصطلح حواء الميتوكوندريا، وهذه النتائج مثيرة للغاية؛ لأنها مختلفة عن المعروف في الدوريات والكتب العلمية. لكن علينا التعامل معها بحذر، ونحن بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة قبل أن نغير هذه المفاهيم المستقرة".

ويقول "عبد الغفار"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الإحصائيات تشير إلى أن الأمراض المرتبطة بـ"الميتوكوندريا" ليست نادرة، لكن الوعي بها في مجتمعنا محدود؛ نظرًا لصعوبة تشخيصها وندرة عدد الأطباء الذين يمكنهم تشخيصها".

ويتفق "أتوال" مع ما طرحه "عبد الغفار"، مشددًا على ضرورة إجراء مزيدٍ من البحث حول نتائج الدراسة؛ حتى نفهم تأثير هذه التغييرات بشكل أكثر تفصيلًا، على حد وصفه.