يُعتبر تلوث الهواء، الناجم عن الاختناقات المرورية في المدن الكبرى، أحد أبرز التحديات أمام البلدان الغنية والفقيرة على حدٍّ سواء، نظرًا للتداعيات الصحية الكبيرة الناجمة عنه، وأبرزها أمراض الرئة والقلب والسرطان والسكتة والسكري والكلى.

ولا يهدد الهواء الملوَّث الكبار والصغار فقط، لكنه يصل إلى الجنين في بطن أمه، حيث تخترق الجسيمات السامة -التي تستنشقها الأم في أثناء الحمل- المشيمة عبر مجرى الدم لتصل إلى الجنين.

وفي أحدث حلقة ترصد خطر تلوث الهواء على الأجنة، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعة سايمون فريزر الكندية، ونُشرت تفاصيلها في دورية (JAMA Pediatrics)، إلى أن الأطفال الذين تعيش أمهاتهم في المدن الأكثر تلوثًا في أثناء الحمل، قد يكونون أكثر عرضةً للإصابة بمرض التوحد.

والتوحد هو طيف من الاضطرابات العصبية يؤدي إلى ضعف في التفاعل الاجتماعي لدى الأطفال وفي قدرتهم على التواصل مع محيطهم، كما يؤثر التوحد على عملية معالجة البيانات في المخ. وتتطلب معايير تشخيصه ضرورة أن تصبح الأعراض واضحةً قبل أن يبلغ الطفل من العمر 3 سنوات.

ولا تزال مسبِّبات اضطرابات طيف التوحد غيرَ واضحة، رغم أن هناك دراسات تُرجع سبب الإصابة به إلى عوامل وراثية، لذلك يحاول العلماء حاليًّا استكشاف العوامل البيئية التي قد تؤدي دورًا في خطر الإصابة بالمرض، وأبرزها تلوُّث الهواء.

ووفقًا للبنك الدولي، يمثل تلوث الهواء حاليًّا عامل الخطر الرابع الرئيسي للوفاة المبكرة؛ إذ يتسبب في وفاة واحدة من بين كل 10 وفيات على مستوى العالم، وتنجم عنه خسائر ضخمة في الرفاه والدخل.

وكلّفت الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء الاقتصادَ العالمي نحو 225 مليار دولار من دخل العمالة المفقود في عام 2013، وأكثر من 5 مليارات دولار خسائر نتيجة تراجُع نسب الرفاه، ما يشير إلى العبء الاقتصادي الكبير لتلوث الهواء، وفق البنك الدولي.

وفيما يتعلق بالتوحد، فقد كشف مسح وطني أمريكي أن حوالي 43 ألف طفل أمريكي تم تشخيص إصابتهم بالتوحد، وهذا المرض يصيب حوالي 2.8% من أطفال الولايات المتحدة.

3 ملوِّثات رئيسية

وللوصول إلى نتائج الدراسة، راجع الفريق معدلات التوحد بين 132 ألفًا و256 طفلًا، وُلدوا بين عامي 2004 و2009، في منطقة فانكوفر الحضرية بكندا، بالتوازي مع قياس نسب تلوُّث الهواء في البيئة التي كانوا يعيشون فيها في أثناء حمل الأمهات.

وقام الفريق بقياس 3 ملوِّثات رئيسية، هي: الجسيمات الدقيقة المحمولة جوًّا التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر (تنبعث في الغالب من مصادر صناعية، بالإضافة إلى عوادم السيارات، والطهي بالخشب، والتدخين)، وثاني أكسيد النيتروجين، وأحادي أكسيد النيتروجين أو أكسيد النيتريك.

وعند وصول الأطفال إلى سن الخامسة، تم تشخيص إصابة 1٪ من المشاركين بأنهم يعانون من اضطراب طيف التوحد، كما رصد الباحثون ارتفاعًا بنسبة 7% في خطر الإصابة بالتوحد لكل 11 جزيئًا من المليار من أحادي أكسيد النيتروجين أو أكسيد النيتريك في البيئة المحيطة.

ويُعَد أكسيد النيتريك بين ملوِّثات الهواء المنبعثة من عوادم المركبات، وهو يؤدي دورًا مهمًّا في التأثير على الوظائف العصبية، ويؤثر على ضغط الدم، ونظام المناعة، وكذلك الاضطرابات الأيضية، وأمراض الرئة.

وكانت دراسة سابقة قد كشفت أن الأطفال الذين يعيشون في المناطق التي تتعرض بكثرة للجسيمات الدقيقة المحمولة جوًّا تزيد فرص إصابتهم بالإعاقة الذهنية بنسبة 33%، كما أن الأطفال الذين يعيشون في المناطق التي ترتفع فيها مستويات نسبة ثاني أوكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون، يزيد فيها خطر إصابة الأطفال بإعاقة ذهنية إلى 30%، أما في المناطق التي ترتفع فيها نسب ثاني أكسيد الكبريت فتبلغ النسبة 17%.

عوامل بيئية

وقال "ليف باجالان"، رئيس فريق البحث: "دراستنا كشفت أن النساء الحوامل الأكثر تعرُّضًا لتلوث الهواء تزيد فرص إنجابهن أطفالًا يعانون من اضطراب طيف التوحد".

وعن سبب إجراء الدراسة، أضاف في حديث لـ"للعلم": "أسباب التوحد ليست معروفة بعد بشكل كامل، إنها معقدة، وتأتي نتيجة العديد من العوامل، لكن الباحثين يدركون أن العوامل الوراثية والعوامل البيئية تؤدي دورًا رئيسيًّا؛ لذلك ركزنا في دراستنا على العوامل البيئية التي تُعتبر حديثة نسبيًّا، في محاولة لتحديد ما إذا كان تلوث الهواء يشكل خطرًا أم لا".

وأضاف أن دراستهم تعتبر واحدةً من كُبرَيات الدراسات التي أُجريت حول العوامل البيئية التي تؤدي دورًا في الإصابة بالتوحد حتى الآن، رغم أنها أُجريت في مدينة ذات مستويات تلوث منخفضة نسبيًّا في كندا، وهذا يشير إلى ضرورة الحذر من عدم وجود مستويات آمنة للتعرض لتلوث الهواء.

وأقر "باجالان" بأن تجنُّب الهواء الملوث في أثناء الحمل ليس سهلًا؛ لأنه في كل مكان من حولنا، مضيفًا: "يجب أن ننظر إلى هذه النتائج كدليل إضافي على التأثيرات الصحية الواسعة النطاق لتلوث الهواء".

وأشار إلى أنه لا يوجد حتى الآن علاج فعال لمرض التوحد، لذا فإن للوقاية دورًا مهمًّا في الحد من خطر الإصابة به.

وعن خطوات الفريق المقبلة، قال إن الفريق سيواصل البحث في عوامل الخطر البيئية للتوحد التي لا تزال حديثةً نسبيًّا، ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيَّن القيام به، لا سيما فيما يتعلق بالتفاعلات بين الجينات والبيئة.

تلف خلايا المخ

من جانبه، اتفق "مصطفى رجب" -رئيس قسم العلوم الطبية البيئية بمعهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة عين شمس- مع نتائج الدراسة، مشيرًا إلى أنها تأتي في إطار التأثيرات غير المرئية لتلوُّث الهواء على تطور دماغ الجنين، وإمكانية إصابته بانخفاض مستوى الذكاء بعد الولادة.

وقال رجب في حديثه لـ"للعلم": إن ملوثات الهواء وعلى رأسها أكسيد النيتريك وأول وثاني أكسيد الكربون والرصاص، من الملوِّثات التي تسبب تلفًا لخلايا المخ، وخاصةً لدى الأطفال الذين هم في طور التكوين كالأجنة، أو مَن تكون أدمغتهم في طور النمو كالأطفال تحت سن الثانية من أعمارهم.

وعن آلية هذا التأثير، أوضح أن الغازات المسبِّبة لتلوث الهواء، وخاصةً ذرات غاز أول أكسيد الكربون، عادةً تتحد مع الهيموجلوبين -وهو المادة التي تنقل الأكسجين داخل الدم وتوفره للجسم والمخ- فتعرقل وصول الأكسجين بشكلٍ كافٍ إلى الدماغ، ما ينجم عنه ضررٌ في خلايا الدماغ غير قابل للاستعادة، وبالتالي التأثير على القدرات العقلية وذكاء الأطفال.

ونوه بأن الضرر الذي يصيب خلايا المخ عادةً يكون كبيرًا؛ لأنه من المعروف أن الخلايا العصبية غير قابلة للتجدد كما يحدث لخلايا الجلد على سبيل المثال، مضيفًا أن أكبر الضرر الناجم عن التلوث يحدث في أثناء فترة تكوين الجنين، الذي تصل له الملوِّثات التي تستنشقها الأم عن طريق المشيمة، وفي أثناء العامين الأوَّلَين من الولادة، وهي الفترة التي يستكمل فيها الدماغ البشري تطوُّرَه ونموَّه.

ونوه بأن هناك فئتين يتأثران بشكل كبير من تلوُّث الهواء غير الأطفال، وهما كبار السن والمرضى؛ إذ إن الجهاز المناعي لديهما يتأثر تأثرًا كبيرًا بالظروف البيئية المحيطة، وبالتالي لا يصد الأخطار التي تنجم عن التلوث، لذلك عادةً يفضَّل أن تكون المدارس ودور المسنين والمستشفيات في أماكن بعيدة عن مصادر التلوث.

أسباب جينية

من جانبه، رأى الدكتور "عمرو الغنام"، استشاري أمراض مخ وأعصاب الأطفال بجامعة القاهرة، أن ما يُعرف عن مرض التوحد حتى الآن هو مرض جيني، إذ تؤدي الأسباب الوراثيّة دورًا رئيسيًّا في إصابة الأطفال بهذا المرض.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أنه لا يمكن الجزم بأن تعرُّض السيدات الحوامل للهواء الملوث في أثناء الحمل، يمكن أن يتسبب في إصابة المواليد بالتوحد؛ إذ إنه -على سبيل المثال- هناك بعض المناطق قد تعاني من نسب مرتفعة لتلوث الهواء، لكن نسب إصابة الأطفال بالتوحد فيها تعادل النسب العادية، لذلك حتى الآن فإن الأطفال الحاملين للجين المسبب للمرض يظلون أكثر عرضةً للإصابة به من غيرهم.

وعن طبيعة المرض وآليات اكتشافه، أوضح أن هناك علامات قد تميِّز إصابة الأطفال بالتوحد، أبرزها تأخُّر الكلام، والميل إلى العزلة، وعدم قدرة الطفل على التواصل البصري أو الاستجابة البصرية (eye contact)، بالإضافة إلى فرط الحركة والميل إلى العنف والسلوك العدواني.

وأشار إلى أن هناك اختبارًا معتمدًا يمكن أن يكشف إصابة الأطفال بالتوحد، بالإضافة إلى شدة الإصابة بالمرض، وهو اختبار كارز (CARS)، الذي يرصد مجموعة من المؤشرات يمكن أن تدل على مدى إصابة الأطفال بالتوحد، منها العلاقات الاجتماعية مع الناس، والاستجابة الانفعالية، والتأقلم مع الخير والاستجابة البصرية والسمعية والتواصل اللفظي ومستوى النشاط.

ونوه بأنه لا يوجد حتى الآن علاج للمرض، لكن تعتمد الأدوية الموجودة على تخفيف الأعراض، بالإضافة إلى العلاجات السلوكية التي تعتمد على تحسين المهارات والسلوك.