في رصد تاريخي للحراك السياسي للأنظمة الحاكمة وحركات التغيير والاصلاح، يمكن استخلاص قانون يحكم هذه الأنظمة ويتحكم بالحراكات التغييرية الثورية وهو قانون الفتنة وشعاره فرق تسد ، والذي غالبا ما تكون ساحته الاختلاف العقدي وأدواته الخندقة المذهبية ، في تداخل مقيت وقاتل للعقدي مع السياسي، وحضور الخندقة المذهبية في الوطن التي تكرس سلطة المستبد، وتحجم حراك التغيير والاصلاح الذي يسعى لترسيخ مظلة الشراكة الوطنية مع الآخر المختلف عقديا، في لفته واضحة منه للتمييز بين الاختلاف العقدي وبين التساوي وفق مبدأ المواطنة ومظلة الشريك في الوطن.

اليوم في ظل التناحرات التاريخية للأنظمة المستبدة التي لعبت على التمايزات العقدية بين شعوبها، وفي ظل تكرار المشهد في راهننا من خلال الأنظمة المستبدة لتفويت الفرصة على استحقاق التغيير والاصلاح، بات هناك حاجة ملحة للخروج برؤية اصلاحية فقهية لمفهوم المواطنة.

فالفتوى تلعب دورا بارزا في حياة الفرد لارتباطه الفطري بالدين، ووظيفة الفتوى في إنسان الراهن يفترض أن تتعدى تكليفه الشرعي في العبادات الفردية، إلى تكليفه الشرعي في المجتمع والوطن ومتعلقات الحدث السياسي، وهو ما يتطلب إعادة تأصيل فقهي للمواطنة على أساس مشروع الأمة وليس مشروع القطر.

ونظرا لتحالف السلطة مع أغلب الفقهاء والمثقفين، بات ضروريا أن يتصدى الفقهاء الحقيقيين لهذالمسألة لكسر لجام فتوى فقيه السلطة، بفتوى فقيه الدين والحق،خاصة أن قابليات الشعوب اليوم أصبحت أكثر تهيؤا لتقبل الحقائق، وباتت أكثر وعيا في كشف المتسلقين عليهم باسم الدين، ليرسخوا سلطة المستبد ويحجموا من حريته في العيش بكرامة وعدالة.

فمن وجهة نظري ما قام به الغرب بدعم من الكنيسة في ترسيخ مفهوم المواطنة لتجاوز التمايزات الايديولوجية والثقافية في مجتمعاته لترسيخ التعايش والتعدد عمليا وواقعيا، أدى بشكل كبير إلى استقرار تلك المجتمعات ومن ثم نهضتها.

وإن اختلفنا بطبيعة الحال مع المنشأ الفكري لمفهوم المواطنة عند الغرب، إلا أننا لا ننكر استفادتنا من الفكرة وبنائها وفق منشأ فكري يتلاءم وثقافتنا وقيمنا ومبدأنا.

فالأصل في التعايش مفهوم قرآني جعلت فيه التقوى معيارا إلهيا وليس بشريا.

والتقوى معيار يحمل بعدين:

الأول : بعد سلوكي خارجي جوارحي متمثل بالتزام القانون واحترام الآخر، وكف الأذى عن المسلمين وشركاء الوطن، وتطبيق ما جاءت به الشرائع ، وهو بعد ظاهر للعيان ويمكن رصده وكشفه وتقييمه،بل والمحاسبة عليه إن تم خرقه في الدنيا .

الثاني : بعد جوانحي نفسي يعتمد القيم من جهة والضمير الأخلاقي من جهة أخرى، تلجم به النفس ولا يطلع عليه إلا الله غالبا، والمحاسبة عليه في الآخرة كونه خافيا عن الخلق لا الخالق.

 

والبعد الثاني القيمي يشكل حصنا للبعد الأول الجوارحي القانوني،  بل يعمل على تثبيته وتجذيره كثقافة فردية واجتماعية، والاهتمام بكلا البعدين مطلب ضروري في بناء فقه المواطنة.

 

والالتزام بهذين البعدين كفيل في النهوض برؤية فقهية حول مفهوم المواطنة، مستمد من لغة القرآن من جهة، وسلطة النبي ص كرئيس دولة من خلال صحيفة المدينة،  والاستفادة القصوى من التجارب التي تلت تجربة النبوة، ومن أجلاها عهد مالك الأشتر الذي عهد به الإمام علي ع له.

 

وبات اليوم من وجهة نظري المخرج الأكثر إلحاحا هو تأصيل نظري فقهي اجتماعي لمبدأ المواطنة، ليتحول إلى قانون ملزم ليشكل طوق نجاة في المنطقة التي يتم اغراقها في الفتن العقدية، كي تستغل انشغال الشعوب في الصراعات هذه، وتمارس هي كل أنواع البطش السياسي والهيمنة والانقلاب على ثورات الشعوب ضد المستبدين.

 

فالمواطنة تحول المختلف العقدي إلى شريك في الوطن له حقوق وعليه واجبات، وتتحكم في وجوده قوانين المساواة والعدالة ، بما يضيق مساحات الاختلاف ويرسخ مفاهيم التعدد والتعايش والتسامح، وحيث أن الأصل القرآني هو بناء أمة صالحة .

فأعتقد أن المواطنة على ضوء هذا المفهوم سترسخ في بعدين :

 الاول : البعد القطري المحدود بالجغرافيا

الثاني : البعد الأممي الخارج الحغرافيا

 

ووفق فقه الأولويات وقاعدة التزاحم يصبح الأممي مهيمنا على القطري، فنكسب بذلك استقرار القطر واستقرار الأمة، ونفوت الفرصة على قانون الفرقة حتى لا تذهب ريحنا أمام المتربصين بنا، ونلثم الثغرة العقدية الخلافية في جدار مفاهيمنا بمبدأ المواطنة، لتتحول إلى ثقافة تميز بين الاختلاف العقدي والشراكة في الوطن ومستلزمات هذه الشراكة، التي أهمها التعايش والتسامح والقبول بالآخر وفق مفهوم التعدد.