تتوالى الأخبار حول مجريات الاجتماع الفلسطيني الفصائلي في موسكو، وأبرز ما تردد حتى الآن هو أن الفصائل عدا الجهاد الإسلامي تؤيد إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض المحتلة/67. وللغاية العلمية، لا نستطيع تقديم تحليل متكامل لما اتفقت عليه الفصائل إلا بعد صدور البيان الختامي شريطة ألا يكون فيه عمى سياسي. والعمى السياسي يعني تجاهل الحقيقة القائمة والأمر الواقع والتمسك بالتمنيات والأوهام. لا موسكو ولا واشنطون يمكن أن توافقا على إقامة دولة فلسطينية على المحتل/67 دون أن تقوم الفصائل الفلسطينية بالاعتراف بالكيان الصهيوني، ودون المحافظة على أمن الكيان. وإلقاء مسؤولية أمن الكيان الصهيوني على عاتق الفلسطينيين معناه أنه لن تقوم دولة فلسطينية ذات سيادة. وهذه نقطة من نقاط العمى السياسي. هناك على الساحة الفلسطينية من يتوهمون أن السيادة ممكن أن تصبح واقعا عند إقامة دولة بموافقة الاحتلال. حل الدولتين فكرة أمريكية تهدف بالأساس إلى تغييب حق العودة عن العيون والآذان والأذهان، وواضح أنه منذ تحدث الأمريكيون عن حل الدولتين توجهت العيون الإعلامية نحو هذا الحل وغاب عنها معاناة ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء والشتات. كما أن الدول ذات التأثير من العرب والإفرنجة لا يأتون على ذكر حق العودة، ويعتبرون هذا الحق نوعا من البله السياسي. وطبعا هذا بله أو نوع آخر من العمى السياسي. كيف يمكن أن تعترف بالكيان الصهيوني، وتطلب منه بعد ذلك تغيير المعادلة السكانية القائمة لدية. أنت تعترف بكيان معترف به دوليا، وعضو في الأمم المتحدة، ولا تستطيع الاعتداء على سيادته مثلما ترفض أنت الاعتداء على سيادتك إن تحققت؟ من هي الدولة التي يمكن أن تقبل تغيير نسيجها السكاني وتوازنه؟ هذه مسألة يتوهمها قادة الفصائل. من ناحية ثالثة، هل درس المجتمعون في موسكو حال الضفة الغربية ومدى ملاءمته لإقامة دولة فلسطينية؟ كم بقي من الضفة الغربية، ومن الذي سيفكك المستوطنات؟ من الذي سيعيد الضفة الغربية والقدس إلى وضعها الفلسطيني؟ موسكو لن تحارب بالنيابة عن الفلسطينيين لطرد الصهاينة من الأرض المحتلة/67، ولن تقف مع حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض المحتلة/48. أما أمريكا فستستمر بتقديم كل أنواع الدعم للصهاينة ليتمكنوا من رقابنا بالمزيد. وهذه نقطة أخرى في العمى السياسي القائم. وما الذي سيطرأ بعد اجتماع موسكو حتى تتحقق وحدة وطنية فلسطينية؟ سبق أن اتفقت الفصائل عدة مرات ولم يتم تنفيذ ما تتفق عليه. فما الذي اختلف هذه المرة؟ لا شيء. موضوع المصالحة والوحدة الوطنية مرتبط بالتزامات السلطة الفلسطينية تجاه الكيان الصهيوني، ولن يحصل انفراج إلا إذا شاء الكيان. أي أن الصهيوني عنصر متنفذ فلسطينيا وغائب عن الاجتماعات، ولن تتم وحدة وطنية خارج الإرادة الصهيونية. الشطط السياسي لا يخدم الفلسطينيين، ومحاولات الهروب وراء شعارات كلامية لن يسعف أحدا. المقاربات العلمية دائما هي الأقصر في تحقيق الطموحات، أما التمنيات فثبت عقمها عندنا وعند غيرنا. على الفصائل أن تتوقف عن تقديم مبادرات. نحن لسنا مطالبين بمبادرات للحلول. علينا أن نحمل قضيتنا على سواعدنا، وعندما ننال من عدونا سيقدم مبادرات للحل. نحن نسير عكس التاريخ، ولا يوجد شعب وقع تحت الاحتلال وانشغل بتقديم مبادرات دون قدرات تدعهما مثلما نفعل نحن

عبد الستار قاسم:. كاتب واكاديمي فلسطيني

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه