العظماء والمنتصرون قلما يتكلمون أو يغرقون في ثرثرات التفاصيل .. ولكن مايفعلونه على الارض شيء كثير ويشبه تحريك الجبال .. وأقصر خطاب للانتصار هو الذي تألف من ثلاث كلمات فقط قالها يوليوس قيصر اثر انتصاره في معركة زيلا: (فيني فيدي فيتشي) .. أي: "أتيت .. رأيت .. انتصرت" .. أما المهزومون فلا يتوقفون عن الحديث والشكوى والتبرير والثرثرة ولايكفيهم عمر واحد ليقولوا بعض مالديهم .. وقد يمضون العمر في التصريحات وكتابة المذكرات واجراء المقابلات .. ولكن كل مايقوله المهزوم لايساوي ريشة في مهب الريح تمر امام جبل حركه اولئك الذين انتصروا ودفعوا الجبال حتى تحركت وانزلقت .. فماذا تقول ريشة في مهب الريح ليد تحرك جبلا ..؟؟

الرئيس بشار الأسد هو الرئيس العربي المقل في كلامه وتصريحاته رغم ان العالم كله كان يتحدث عنه منذ عام 2000 عندما تسلم السلطة .. وهو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ ذلك الوقت رغم ان ماقاله من تصريحات لايكاد يروي ظمأ الأحداث ولايبلل شفتي التاريخ الذي لايزال ينتظر ان يبوح الأسد بما لديه .. والأسد يقطر الماء بالقطارة في فم الصحراء وفم الفضول .. ولكن هيبته كانت في صمته المهيب واحجامه عن الرد على عواصف الريش التي تنطلق من افواه سياسيي العالم والمنطقة .. فكم هدده اوباما والغرب والعربان والاسلاميون الارهابيون والعثمانيون والاسرائيليون وترامب .. انه يعمل بصمت ولايبدو عليه الانفعال ولايكترث بردود الافعال .. ولو جمعنا خطابات رؤساء العالم مثل اوباما وساركوزي وهولاند وماكرون وكاميرون واردوغان والمتخلفين عقليا من العرب الخلايجة وماقاله اعلامهم وصبيانهم ومرتزقتهم وموظفوهم وخدمهم لو جمعناها لوجدنا ان ماقيل بشأن الاسد سيملأ عشرات ملايين الصفحات .. التي ان القيت في البحر الأبيض المتوسط لجعلت ماء البحر أسود من الحبر الذائب في الماء .. ولكن ماقاله الاسد كان دوما مختصرا جدا بحقهم جميعا .. ومعبرا جدا .. ويكاد لايتجاوز ماقاله يوليوس قيصر في خطبته اثر معركة زيلا التي كانت ثلاثل كلمات تختصر كل الحرب على سورية منذ عام 2000 ..

فهو مثلا اختصر كل الحكم السعودي بكلمة واحدة هي (أنصاف رجال) .. قالها ولم ويلتفت خلفه .. ولكنها التصقت بالعائلة المالكة السعودية وكتبت على علمها تحت السيف الى يوم سترحل عائلة آل سعود عن الحكم .. وستدخل معها التاريخ .. وعندما كان أردوغان يرغي ويزبد ويهدد ويشمر عن ساعدية ويرتدي الثياب الانكشارية ويلقي كل خمس دقائق تصريحا بلا نهاية .. قال الاسد: هذا الانسان يستحق علامة الصفر في أخلاقه .. ثم تركه يثرثر منذ عدة سنوات ولم يبال برد عليه لكن الأسد كان يجرف في طريقه كل مرتزقة تركيا ويكنسهم نحو الشمال .. ويكنس معهم كل خطابات اردوغان وعنترياته ..

اليوم يعاود سعد الحريري محاولته لاظهار البطولة والمرجلة بعد ان فشلت عملية الهبوط بالمظلات السعودية في مطار دمشق وحركة خلع الجاكيت الاستعراضية .. واضطر ان يلبس الجاكيت بشكل مهذب ويهبط في مطار بيروت بهدوء وأدب .. ونفخ سعدو عضلاته وقال ان أصعب موقف واقسى لحظة في حياته هي تلك التي صافح فيها الاسد .. وطبعا جعل الحريري المصافحة كما القربان الذي يقدمه الابطال والفدائيون من أجل مصلحة البشرية .. اي انه كان يحس بطعم الدم في حلقه ولكنه بلعه من اجل الناس على حد زعمه .. أما عندما كان محتجزا كالقط في السعودية وكان يبكي أمام بولا يعقوبيان من شدة التعنيف والاهانة والضرب المبرح فليس هذا بلحظة قاسية .. والحقيقة ان الحريري لم يكذب قط لأن المصافحة بينه وبين الأسد أظهرت للناس الفارق الهائل بين الأسد والنعامة التي دفنت رأسها في التراب .. لكن نحن كنا نرى أقسى مشهد في حياتنا وهي المصافحة بين الأسد - الذي هز جورج بوش في العراق - وهذا الولد المدلل المغناج الرخو المخنث سعدو الحريري .. وكان السوريون يرون عدم تكافؤ لايليق بالسوريين ان يجتمع الأسد بهذا النوع من السياسيين المخنثين من فصيلة الرخويات البشرية .. وكانت المصافحة احدى المشاهد القاسية والعنيفة التي لاتنسى في الذاكرة السورية فيما الرئيس الأسد يصافح ويسامح قاتل العمال السوريين في لبنان .. فالحريري تسبب باختفاء مئات من العمال السوريين الفقراء الذين قتلهم تيار المستأبل بحثا عن الحئيئة التي كان يريدها سعدو الحريري وانتقم من العمال الفقراء بابشع الصور .. وكنا نتألم جميعا لمشهد المصافحة .. بل وكنا ننتظر ونتوقع ان يرسل الأسد سعدو الحريري للمحاكمة الميدانية في ساحة المرجة او الى محكمة الاحداث والقاصرين بدل مصافحته ومسامحته .. ساحة المرجة التي اعدم فيها كوهين والتي يجب ان يحاكم فيها كل الجواسيس والعملاء والخونة واخوان كوهين .. لأن دم رفيق الحريري لايجب ان يساوي دم 800 مواطن سوري من الفقراء الباحثين عن لقمة عيشهم لانزال لانعرف مصيرهم في لبنان منذ تلك الأيام .. وكل واحد من هؤلاء يساوي كل آل الحريري وكل مافي قيادة تيار المستأبل و 14 آذار من رجال ونساء .. ويستحقون 800 محكمة دولية تستجوب سعدو الحريري وعائلته ..

الغريب ان أحدا لم يسأل الاسد عن أقسى اللحظات في حياته .. لأن حياة هذا الرجل كلها لحظات قاسية .. وأقسى مافيها ليست لحظات الحرب والمواجهة مع أعتى قوى العالم وانتزاع المدن من براثن الارهاب ومواجهة أميريكا والغرب فيما سكاكين العرب ورماح الجيران تنهل من دم الأسد .. بل ان أقسى لحظات حياته هي انه اضطر أن يسامح الأوغاد عشرات المرات ويصافحهم عشرات المرات ويصفح عنهم وكان كريما معهم الى حد أغضب حتى محبيه ..

وطبعا لن يرد الأسد على سعدو الحريري الذي يطلق عواصف الريش من فمه على عرين أسد .. ولن يمنحه الأسد شرف ان يكترث به وبريشه المتطاير من فمه .. ولو بنظرة او عبارة او رد .. فالأسد يقول للجميع في هذا العالم المهزوم امام صمودنا خطابا من ثلاث كلمات قالها يوليوس قيصر عندما انتصر قبله بألفي سنة .. اذ يقول الأسد اليوم مبتسما في وجوه تكتم الغيظ:

أتيت .. رأيت .. انتصرت ..

في المرة الماضية قال لك الأسد ياسعدو عبر المصافحة بلغة بليغة لاتفهمها (غفرت لك .. سامحتك .. عفوت عنك) .. واليوم عندما تنتصر أنت وغيرك ياسعدو فقل ماتشاء .. أما غير ذلك فقبض ريح .. او اطلاق ريح .. كما هي عادتك !! ..

ونحن اليوم سنرد لك عبارتك نيابة عن الاسد وسنقلب عبارة يوليوس قيصر ونقول لكل الذين سفكوا دمنا: (انتصرنا .. ورأينا .. وسنأتيكم) .. ان عاجلا أو آجلا .. وانتبه للعبارة جيدا .. وافهم كيف بدأت وكيف انتهت ..

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه