"كلب ومات"، "كلب وفطس"، "عم يعوي متل الكلب"… هي عباراتٌ شعبيةٌ تختزنها ذاكرتنا الجماعية، وتأتي في سياقِ تعبيرٍ سلبيٍ يدل على الشماتةِ لموت شخص غير محَبَّب، أو على شكل مذمَّة لآخر من خلال تشبيهه بالحيوان "الكلب"، وفي كلتا الحالتين نكون أمام وعي يَختَزنُ بداخله عنفاً، فيظهرُ على أرض الواقع ويُعَبَّرُ عنه على شكل سلوك عنفي (مادي، و/أو معنوي لفظي…).

ولكن هل يجوز لنا أن نستخدم مصطلح "الكلب" للدلالة على السلبية، في حين أنَّ الكلب يتميز بصفة "الوفاء" تجاه "الإنسان"، بعكس معظم العلاقات الإنسانية السائدة في أيامنا هذه، حيث نرى الغدر والحقد يصدر من أقرب المقربين؟ وفي هذا السياق أستحضر عدداً من الحوادث والتجارب التي مرَّت أمامي منذ فترة بسلبياتها وإيجابياتها منها:

– طلبٌ من أحد أبنائي، بصيغة الحزم، يرجوني شراء طعام لجراء صغيرة، شاهدها مشرَّدة في الشوارع، تبحث عن طعام وسط القُمامة ولا تجد شيئاً يسد جوعها.

–  حيرةُ أحد أصدقائي وتوتُّره، أثناء قيامه بتثبيت قطعة خشبية على ساق إحدى القطط التي صدمتها سيارة مجهولة، لأنَّه لا يدري أين يمكن إسعافها، أو بالأحرى لا قدرة مادية له على إسعافها؛ فجاره مات بالأمس على باب المستشفى لعدم تمكنه من تـسديد أجرة الأطباء، فكيف بالحيوان؟

ـ  المَشاهدُ اليوميةُ لعشرات الجيف العائدة لقطط وكلاب، صُدمت بسيارات على طرقاتنا، دون اكتراث أو مراعاة من الصادم، أو حتى من السلطات الإدارية، لـ"حرمة موتها" ودفنها بطريقة "إنسانية"، أو حتى لحمايتنا من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة تحللها لأيام طويلة تحت الأمطار وأشعة الشمس؛ ناهيك عن المشاهد المقزّزة التي نراها أحياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، من تعذيب لحيوانات بطرق سادية، بهدف "الهضامة" وتجميع "اللايكات"، أو تحقيق أعلى الأرقام في المشاهدة، وهي تنم عن سوء تربية، وتعكس ثقافة مجتمع متخلف بعيد كل البعد الرقي والإحسان.

وفي كل يوم نشاهد على التلفاز أخباراً عن قتلٍ أو قنصٍ أو تسميمٍ لكلابٍ يكون تبرير التخلص منها بأنَّها عِدائية، وشرسة، وتشكل خطراً على السلامة العامة… في حين أنَّ هذه الحيوانات وصلت إلى هذه الحال بسبب فعل الإنسان، والتعدي الصارخ على بيئتها، وهجومه العمراني العشوائي الذي لم يراعِ مصلحته بالدرجة الأولى ولا مصلحة هذه الحيوانات التي تُركت لقَدَرِها شريدة من دون عناية، جائعة، مريضة، تائهة، منفصمة عن واقعها الغريزي الطبيعي.

لا أعلم إن كنت أبالغ في مشاعري تجاه هذه القضية "المحقة"، خصوصاً أنَّنا نعيش في عالم عربي يأكله الجوع والجهل من مشرقه إلى مغربه، وفي أوطان لا تأبه بحرمة الإنسان وكرامته، ولا تضمن له أدنى حق من حقوقه في الطبابة والاستشفاء والسكن والغذاء والتعليم… ولكن بالمقابل نجد أنَّ العديد من دول الـ"هناك" المتاخمة لحدودنا الجغرافية أو حتى البعيدة عنا بثقافتها، تولي عناية فائقة بهذه الحيوانات "الوفية"، "الأليفة"، وتتعايش معها، وترصد تحركاتها؛ ومن يتجول في مدنها يرى بوضوح مدى العناية والرعاية والاهتمام بهذه الحيوانات من خلال إنشاء بيوت لها في زاوية كل حي وشارع، وتوزيع الطعام واللقاحات المناسبة لحمايتها وحماية "الإنسان" الذي يعيش بجوارها حتى تبقى صديقة له ووفية.

إنَّ احترام الحيوان، كما احترام الإنسان، ثقافة حياة، وميزة إنسانية خالصة، وعالمنا العربي هو مهد الديانات السماوية التي نادت بالرفق بالحيوان، كما أنَّ الديانة الإسلامية التي تنتمي إليها غالبية الشعوب العربية نراها تزخر بالأخلاقيات حول كيفية معاملة الحيوان، حتى تصل إلى بعض التفاصيل الصغيرة التي تتحدث عن طرق ذبح الدواجن والأبقار والأغنام… وأخلاقيات التعامل معها قبل الذبح. إنَّه الإحسان الذي حضَّ عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ورد على لسانه الأحاديث المختلفة التي تدعو إلى الرأفة والرفق بالحيوان. أليس هو من أخبرنا عن امرأة دخلت النار بسبب سوء معاملتها قطّة؟ حتى قوانين العقوبات المستنسخة عن سلطات "الاستعمار" في معظم الدول العربية، هي أيضاً تزخر بالمواد القانونية التي تُجرّم إيذاء الحيوان… ولكن هل من مُجيب؟

من خلال الإضاءة على هذه القضية الحساسة، أرى بأنَّ الحل يجب أن يبدأ من مؤسسات التنشئة الاجتماعية: الأسرة، المدرسة، وسائل الإعلام… كما أرى وجوب إعادة النظر في مناهجنا الدراسية، وبخاصة مادة التربية المدنية التي تُصاغ بطريقة نظرية مملّة بعيدة عن الواقع.. فكيف يُمكن للفرد أن يكون مُواطناً صالحاً وهو لا يحترم بيئته الطبيعية (تلوث، قطع أشجار، غياب تام لثقافة معالجة النفايات والاستفادة منها …)، ولا يرأف بالكائنات الحية الأخرى التي من حقها أن تُشاركه الأرض التي يحيا عليها، وتنعم ببيئة آمنة.

إذاً ليست القضية قضية "كلب ومات".. إنَّما القضية أعمق من ذلك بكثير.. هي قضية قلوب متحجرة.. قضية مجتمعات أصابتها هستيريا العنف والحروب والجشع، وأدخلتها غرفة الإنعاش، حتى باتت عقولها وقلوبها بحكم الميتة، بانتظار إعلان حالة الوفاة.

 

باحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه